النقد

رواية رحيل آريس: نساء عالقات في عالم يحكمه الرجال

الروائية الليبية فاطمة الحاجي، رواية رحيا آريس، الكاتبة والناقدة التونسية علجية حسيني

تصور رواية رحيل اريس الحياة في ليبيا تحت حكم القذافي وبعد سقوطه. وتُسرد الأحداث في الرواية من وجهة نظر موسى الذي كان يمثل نظام القذافي. يعتبر موسى نفسه أحد ضحايا الثورة في ليبيا لأنه أصبح ذليلا بعد أن فقد مركزه الاجتماعي والسياسي بسبب الثورة،”فمن يصدق أنني أنا في هذه الهيئة، أنا ذلك الذي كان يرهب القلوب فيأمر فيطاع”. يبحث عن الانتقام من أبناء شعبه لأنهم سبب سقوط النظام والدولة ودمروا ليبيا، ” أبناء وطني الذين أصبحوا أعدائي”. وفي المقابل نجد عامر الذي ظُلم في عهد نظام القذافي. عجز عن امتلاك بيت في دولة غنية. هجرته زوجته وحرم من رؤية ابنته. هما شخصيتان متناقضتان في الحكم على تلك الفترة. أما مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي فهي مرحلة الحرب والدمار. وهذه المرحلة جعلت الكل ضحايا غارقين في الشتات والخراب. توحَّد موسى المدافع عن حكم القذافي وعامر الذي ابتهج بالثورة ومجَّدها لأنها حررت ليبيا من دكتاتورية القذافي وظلمه.  انضمَّ موسى الى   الدولة الإسلامية للانتقام ممن دمر ليبيا والتحق عامر بالدولة الإسلامية للانتقام من الظلم الذي شعر به لأن أشخاص غرباء عن الثورة سيطروا على الدولة وحُرم هو من تحقيق حلمه، امتلاك بيت. القاسم المشترك بين المرحلتين أنَّ الرجال وحدهم يتحكَّمون في عالم ليبيا.  النساء ضعيفات ولا صوت لهن. جميعهن ضحايا قرارات الرجال. باستثناء، حور، نجحت في لملمة مصائبها وتماسكت لافتكاك مكانتها في عالم الرجال وتمكنت من التحرر من دور الضحية لتشارك الرجال في تغيير مصائر المسحوقين.

تتناول الكاتبة الليبية فاطمة الحاجي، في روايتها رحيل آريس، الوضعية الهشة للنساء في المجتمع الذكوري.  تفقد النساء السلطة والقوة لمواجهة الرجال. هن ضحايا في عالم يحكمه الرجال سواء في زمن السلم أو زمن الحرب. تثبت الكاتبة عبر روايتها أن المرأة، دوما، سجينة المجتمع الذكوري. فهي عاجزة عن التحرر من تقاليد الأسلاف وتأويلات مفسري الشَّرع. تعلق المرأة في عالم لم تأسس قوانينه وبقيت مهيمنة عليها وفي وضعية دونية للرجل. ومأساة المرأة في الرواية أنها عاجزة عن تقرير مصيرها ورفض القوانين المهينة لكرامتها وانسانيتها.

زهرة

يحول موسى امرأتين إلى ضحيتين بسبب رغبته الشخصية. أصرَّ على الزواج بزهرة رغم أنه متزوج ولديه أولاد، “لم تعد ترد على مكالماتي فلم أتردد في طلب يدها. رفضت طلبي في الارتباط بها بعد أن عرفت أن متزوج وعندي أولاد”. ويرى أنه من حقه الزواج بثانية. لم يتردد في التفكير في الزواج بامرأتين ولم يفكر في الظلم الذي سيطال الزوجتين لاحقا.  تفكير موسى يعكس نظام العلاقات داخل المجتمع الذي ينتمي إليه. مجتمع ذكوري يخدم رغبات الرجل ويتجاهل موقف المرأة.  للظفر بزهرة استعمل موسى الاغراء المادي لإقناعها. الوسيلة المادية تظهر الجانب الهش والضعيف للمرأة إذ تغير رأيها وتقبل أن تكون الزوجة الثانية بعد أن رفضت في البداية. زهرة ضعيفة أمام المهر الغالي. تقبل أن تتقاسم زوجها مع أخرى مقابل العطور وأدوات الزينة الفاخرة، “انبهرت بالعطور المعروضة وأدوات الزينة كأنها لم تتجمل من قبل”. وهذا الضعف يعلمه موسى فاستغله. يتحكَّم بقرارها باستعمال ضعفها، “كنت أعلم مسبقا أنها ستوافق، فالإغراء يلين أعتى الرافضين. لم يمض وقت طويل حتى استجابت لندائي بشرط حمايتها من أي مشكلة مع زوجتي أو أولادي”. زهرة تتنازل عن مبدأها لصالح موسى ولم تفكر في الأذى الذي ستلحقه بامرأة ضعيفة مثلها.

الزوجة الأولى

عندما يقرر موسى الزواج بزهرة لم يعلم زوجته، بل يعمد إلى إخفاء الأمر للاستمتاع بزواجه، “بعثت زوجتي الأولى والأولاد إلى المصيف في بلد مجاورة، انغمست في الإعداد لفرح القلب”.

يصور موسى فرحه بزواجه الثاني دون الشعور بأي ذنب. ينغمس في متعته الشخصية وينسي زوجته الأولى. لم يفكر في العدل بين الزوجتين الذي يطالب به الشرع كشرط للزواج بأكثر من زوجة واحدة، “حتى تفاجأت بمكالمة من زوجتي تلومني على إهمالي لها وعدم اتصالي بها طيلة هذه الفترة”. العقلية الذكورية التي تحملها الشخصية الرئيسية تعتقد أن الزواج بثانية مشكل عادي يمكن تجاوزه بسرعة وستقبل الزوجة الأولى بالواقع. وهو ما يجعله يتفاجأ برفضها للواقع الذي أرغمها عليه، “لم أتوقع هول العاصفة، كنت أحسب أنه بمجرد أن تعلم زوجتي بالخبر ستغضب قليلا وستعود لحياتنا المعتادة، لكنها قادت ثورة ضدي”. لم تقبل الزوجة الأولى اختيار زوجها وتطالب بالطلاق. لكنها تفتقد القوة في تقرير مصير حياتها. في الوقت نفسه، هي عاجزة عن الطلاق والقبول بوجود زوجة أخرى. وتتعمق مأساتها أن زوجها أهملها، “لم تكن تدري أنني لم أعد استطيع العيش إلا مع عروسي”. سعادته الشخصية لم تشعره بالذنب لظلم زوجته الأولى. لم يطلَقها ولم يهتم بها ولم يكترث لشكواها وتذمرها بسبب اهماله لها، “إذا فتحت فمك مرة أخرى سأنهي حياتك”. الهيمنة الذكورية في المجتمع الشرقي تبيح لموسى تجاهل مشاعر زوجته لأنها دونية و و ليس مطالب باحترام موقفها كما يقول بيار بوردي في كتاب الهيمنة الذكورية :”هذه العلاقة الاجتماعية العادية بشكل غير عادي، تمنح اذا مناسبة لالتقاط  منطق الهيمنة الممارسة باسم مبدا رمزي معروف و معترف به من قبل المهيمِن على المهيمٓن عليه” 1

طالع أيضًا: (رحيل آريس): دلالاتُ الأسطورةِ وجمالياتُ التداخلاتِ الأدبية

تصوَر رواية رحيل اريس قدرة الرجل على تحويل   النساء إلى ضحايا حوله. يتزوج موسى دون استشارة زوجته الأولى لأنه يعلم أنها سترفض. لم يكترث برأيها لأنه يتوقع أنها في النهاية سترضخ لقراره. لكن قراره يحدث فوضى لم يتوقعها. والمفارقة أنه لم يتحمل مسؤولية ما يسبَبه من ظلم للزوجة الأولى. وصبح زهرة، وحدها، المذنبة من وجهة نظر العمة والزوجة. أخطأت لأنها قبلت بالزواج من موسى وأُّعفي هو من اللوم. تكتفي العمة بنصيحة الزوجة الأولى بعدم المطالبة بالطلاق وأن تقبل وجود الزوجة ثانية، “زغردت عمتي …أرادت الانتقام من عروسي القابعة وحيدة”. العمة لم تستنكر الزواج الثاني لأنها لا تستطيع انتقاد تقاليد متغلغلة في خلايا المجتمع الذكوري. يقول بيار بورديو: ” “وعندما يطبق المهيمن عليهم لمن يهيمن عليهم ترسيمات هي نتاج للهيمنة، أو بتعبير آخر، عندما تبنين أفكارهم وإدراكاتهم طبقا لبني علاقات الهيمنة ذاتها المفروضة عليهم، فإن أفعالهم من أمر المعرفة المتعلقة بهم، هي حتما أفعال اعتراف وخضوع”2. لم تنتقم الزوجة الأولى من زوجها موسى الذي يمثل السبب الأول لظلمها الأول بتفضيل الزوجة الثانية عليها وإهمالها هي. عندما تقررت الانتقام تعفي زوجها المذنب الأول وتتوجه إلى الزوجة الثانية لأنها تعتبرها عدوتها والسبب في خسارة اهتمام زوجها، “استعملت ابني البكر للانتقام مني بقتل زهرة”. ويمكن تفسير ذلك أنها أضعف من الانتقام من زوجها هذا السبب تتوجه إلى ضعيفة مثلها.

لأن المجتمع الذكوري يسمح للرجل بتعدد الزوجات، قُتلت زهرة نتيجة انتقام ضرتها. وهنا لا يمكن التفريق بين الجانية والضحية بسبب رغبة الرجل في زواج ثان. زهرة في الأول تسهم في أذية الزوجة الأولى وكانت ظالمة. لكنها تتحول إلى ضحية بعد قتلها وتتحمَل الخطأ لوحدها. الزوجة الأولى كانت ضحية لأن زوجها أرغمها على قبول وجود زوجة ثانية ولم يبال لشعورها أو رأيها. لكنها، لاحقا، تصبح جانية لأنها تتدفع ابنها لقتل زهرة.

يُواصل موسى نكران دوره في حدوث جريمة القتل. لم يحاسب نفسه ويعترف أنه المذنب الأول. يسرد أحداث القصة وكأنه ضحية غيرة زوجته ويحمَلها مسؤولية تعاسته لفقدان زوجته الثانية.

مبروكة

مبروكة، أيضا ضحية أخرى لموسى الشخصية الرئيسية. تواجه اغتصاب جماعي وتفر إلى تونس لأنها تعلم مصيرها عندما يعلم أهلها بحادثة الاغتصاب. مبروكة ضحية بريئة تقتل وضلت صامتة دون أن تحكي قصتها وما تعرضت إليه. ابن عمها يعتبرها ضحية لكن غسل العار أهم، “إن مسالة عرض مبروكة يا ابن عمي هي عرضنا جميعا، وكلنا يطالب بغسل عارنا”.  يتجاوز اغتصاب مبروكة وعائلتها الصغيرة لتصبح اهتمام جميع أقربائها، “فرت حاملة مصيبتها التي حلت بنا جميعا”. يتحمل موسى مهمة غسل العار بقتل مبروكة المغتصبة وابنها الذي يعتقد أنه ابن المغتصب. لكنه يدخل في دائرة من التمزق بين التعاطف مع مبروكة والشفقة عليها لأنها ضحية والتصميم على القتل، “هل سأكون قاتل أختي؟ أم سأحضنها وأبكي ضياعنا”.  ينتصر حكم الأسلاف على ضمير موسى لتكون مبروكة وابنها ضحايا تقاليد مجتمع ذكوري،” الآن لا أرى إلا صورة الفضيحة والعار، فضيحتي وعاري، وصراخ أسلافي، كلهم يستنجدون بي للتطهر من العار الذي لا يغسله إلا الدم”. تُقتل مبروكة المُغتصَبة الضحية لغسل العار. المجتمع الذي يتحكم في السيطرة على الأحكام الأخلاقية يحول الضحية إلى مذنبة.  الأسلاف تقرر وموسى الخلف ينفَذ الحكم وهكذا تبقى المرأة عالقة في دائرة حكم الرجال. تبقى تابعة لنظام مجتمعات ذكورية سابقة. موسى يرضخ لقانون أسلافه رغم تشتته بين تنفيذ الجريمة والإحجام عن القتل، “لقد أجبرني أسلافي على هذا القتل، ولكن الأسى الحارق لا يفارقني”.

يقول بيار بورديو:”إن نحن علمنا أن التقليد الثقافي الذي حافظ على نفسه يشكل تحقيقا نموذجيا للتقليد المتوسطي (ونستطيع الاقتناع بذلك من خلال الأبحاث الاثنوجرافية المكرسة لمسألة الشرف والعار في مجتمعات متوسطية مختلفة…)”3. ينفذ موسى حكم أسلافه الظالم الذي يرى اغتصاب امرأة عنف واذلال لها وإنما تلويث لعائلتها وقبيلتها، “الآن بعد أن لوث شرفها ومرغ رجولتي في الوحل لا شيء إلا الدم يغسل هذا العار”.  يسترسل موسى في أفكار ينتجها خياله الشرقي الذكوري. يقرر قتل ابن أخته لأنه اعتقد أنه ابن مغتصبها. لم يسأل مبروكة ليتحقق من شكوكه. تࣳسكت الضحية ولم تُعطى صوت أمام قرار الأسلاف. تࣳفجع في ابنها، “لم أتأثر برابطة الدم التي يحكون عنها، كنت لا أرى إلا مشهد العار أمامي يوقد النار بين ضلوعي … رأيت فيه كل الوحوش والخونة فأطلقت عليه النار”. قتل الطفل، حسب موسى، ليس كافيا. يجب قتل   مبروكة من أجل تطهير كامل للشرف المدنس كما يراه هو وأسلافه الغابرين في الماضي. يعترف لنفسه أن أخته محبة وعطوف وساندته في مصيبته عندما فقد زوجته. لكن محبتها لم تثنه عن تنفيذ قانون القبيلة، “صوبت رصاصاتي الى جسدها المنحني، فتكومت على الأرض بلا صوت”. ينتصر قانون الرجال على رابط الأخوة بين مبروكة وموسى. ويعتبر قتلها تطهير لشرف العائلة وشرف مبروكة. لم يفكر أن قتلها جريمة وظلم لأخته الضحية، بل يعتقد أنه ينفذ واجب إنقاذ رجولة القبيلة من التلوث، “الآن نم يا أبي هانئا فلن ينال نسل الأوغاد شرف الانتماء لك، غدا ستلحق بك ابنتك طاهرة نقية من العار”. لكن أحداث الرواية تظهر موقفين متناقضين لموسى من الاغتصاب. يقتل أخته لأنها اغتصبت لكنه يتعاطف مع السبايا، “غلت الدماء في عروقي غضبا من الظلم الواقع على النساء الأسيرات وعلى تعذيبهن”. حسب رأيه اغتصاب مبروكة تلويث لشرف العائلة أما اغتصاب السبايا عنف وإهانة لهن. موقف موسى يعبر عن ازدواجية في تركيبة العقل الذكوري في المجتمعات الشرقية.

طالع أيضًا: الجسد السردي والنخاع المسرحي (قراءة في رواية رحيل أريس*)

الدولية الإسلامية عالم مرعب للعنف والقتل. عنف الأمير وجنود دولة الخلافة يظهر الجانب المظلم والعدائي للذات البرية. تظهر رواية رحيل آريس أن الإنسان كائن مدمر لأخيه النسان كما يبين أريك فروم في كتاب تشريح التدميرية البشرية. يقول أريك فروم: “ومهما يكن، فالإنسان يختلف عن الحيوان بأنه قاتل، والإنسان هو الوحيد من فصيلة الرئيسيات الذي يقتل ويعذب أعضاء نوعه من دون سبب، سواء أكان بيولوجيا أو اقتصاديا، والذي يشعر بالرضى عن فعل ذلك”4. هذا الفضاء الدموي العنيف يجلب داخله النساء. وهو فضاء رجالي ملائم لتحقير وإهانة وتعنيف المرأة. يقرر الرجال الحرب وتسقط المرأة ضحية قرارهم.  باسم الشرع تصبح المرأة سبية، “سيدي هذه حصيلتنا من السبايا اليوم”. تعجز المرأة عن الدفاع عن كرامتها والدفاع عن جسدها المنتهك، “مد الأمير يده يتحسس المزايا الأنثوية ويتفقد مفاتنهن. انكمشت الأجساد في حركة سريعة هربا من ملامسته. قاومن ضربات السوط المنهالة عليهن بالصراخ والعويل سلاحهن الوحيد أمام بطش الذكور”. يبيح الشرع الذي يفسره الرجل امتلاك النساء واغتصابهن. يشرع تأويل الرجل استباحة كرامة المرأة. يمكَن الشرع الإسلامي الرجل من التحكم في مصير النساء واعتبارهن   غنائم حرب، “الكثير منهم جذبته علاقة الجنس الحلال المتوفرة بلا حرج في التأويل”. تعلق السبايا في عالم تتحكم فيه شريعة الرجال. تُسجن النساء لتحقيق غرائز الأمير والجنود. هن ضعيفات في عالم يبيح استغلالهن وتعنيفهن. يفقدن القدرة على التحرر من فظاعة العالم الذي أجبرن على المجيء إليه.

يسرد الراوي حكاية امرأتين السبية الاريتيرية وحور الليبية.  هربت السبية الاريتيرية من الفقر وعنف زوجها لتجد نفسها في عالم أكثر عنفا واذلالا، “إنهم يتبادلون علي كل يوم يا اخي، ويقولون هذا حلال، ومهما صرخت ومهما قاومت لا أحد يرحمني”. داخل عالم الدولة الإسلامية، تعاني السبية العنف والاحتقار وتعجز عن الدفاع عن نفسها. يتوقع الأمير والجنود طاعتها وخضوعها لهم. لا تملك حق رفض ممارسة الجنس معهم، “لقد لطمني على وجهي لطمة أردتني أرضا، رفع ثوبي وأدخل فوهة ماسورة بندقيته في أحشائي”.  نتيجة اغتصابها، تعلق السبية الاريتيري في مصيبة أخرى وهي الحمل. وهي لا تعرف الأب لأنهم تناوبوا على اغتصابها. تُرغم على الاحتفاظ بالجنين لأنه سيخدم الدولة الإسلامية في المستقبل.  تتعرض الى العقاب عندما تقرر التخلص من الجنين لتنقذ مصيره قبل مجيئه الى عالم الرجال الوحوش. السبية الاريتيرية ترى أن الرجال وحوش، “كل الرجال وحوش يا سيدي”.

حور

حور ضحية اغتصاب أبناء بلدها أثناء الحرب. تمر بتجربة شنيعة. دمرت حياتها وفقدت عائلتها،” اغتصبني بنو دمي وأهل شريعتي أمام طفلي، طفلي الذي فارقته عنوة، دمروا بيتي وقتلوا زوجي فاحترق القلب عليه، قتلوا ابنتي الرضيعة “. يقع اذلالها وكسرها. كانت طبيبة وأصبحت سبية تباع وتشترى مثل البضائع مع نساء ضعيفات أخريات، “باعني أحدهم في سوق السبايا الذي يمتلأ بالنساء من كل مكان”. تتواصل مأساتها لتصبح سبية في معسكر الدولة الاسلامية وتتعرض الى العنف والإهانة، “كان واضحا أنها تعرضت للضرب، فأطرافها تحمل كدمات، وجهها شاحب وشفتها متورمة”. حور ضحية منهارة وكئيبة. تعجز عن تجاوز مصيبتها والإهانة التي تتعرض إليها بسبب أبناء وطنها والجنود في معسكر الدولة الإسلامية، “هل تدري يا موسى أنني أتمنى لو كنت استطيع الشفاء من عاهتي بكل ثمن عندي، لكنني لا أقدر”. لا تزال تعاني من آثار ما بعد الصدمة   فتلتجئ إلى شرب الخمر لتتجنب الانهيار،” فالتجئ إلى كأس يمنعني من الاختلال العقلي”.

طالع أيضًا: فاطمة سالم الحاجي: حُلم ليبيا يبتعد أكثر فأكثر

حور العنقاء

يرى نيتشه في كتاب جينالوجيا الاخلاق  اننا لانصبح واعيين بانفسنا الا بعد ان نتعرض لاضرار 5 و يمكن استعمال هذا الرأي لوصف حور. حور مثل العنقاء التي تنهض من رمادها بعد احتراقها. حور لم تستسلم لوضعها وقبول دور الضحية. تحاول اثبات ذاتها بتغيير مصيرها كما يقول أدورنو: “توجد “ال “أنا” بوصفها نتيجة مترتبة على القسوة المدمرة”6, تنجح حور في الهروب من سجن جلاديها لتتخلص من تحكم الأمير وجنوده في حياتها، “أولا أنا تحررت من ظلم الدولة وقوانينها، وبنيت حدود مدينتي هنا غير مكترثة بمجاورة الأعداء “. تؤمن في قدرتها على التحرر من سجن المعتدين. تتجرأ على كسر سجنها وتتحرر، “أنا منارة هذا الوطن، أنا زهرة الحرية “.  فهي كما يقول فرناندو بيسوا في كتاب كتاب اللاطمأنينة ان الانسان لا يمتلك الحرية الا بعد تجربة الاضطهاد 7. بدل لعق جراحها والبكاء على محنتها تختار حور أن تنقذ الأطفال المشردين الذين فقدوا عائلاتهم والأطفال الذين لا يقدر آبائهم على توفير الحياة الكريمة لهم. تختار هذه الوسيلة لتجنبهم الموت والفقر والعبودية، “أنا أنقذ حياتهم وبدل أن يعيشوا مشردين يباعون في سوق النخاسة في أوطانهم أبيعهم لأناس معروفين يرعونهم خير رعاية”. انضمت لمنظمة إنسانية لتنقذ الأطفال وتساعد المحتاجين وتغير حياتهم، “فالمال الذي أكسبه يتحول إلى صانعي الحرية في بلادي وإلى أهلي اللاجئين في الخيام، وعلى حدود الموت، هذا هو الهدف الآن”. كما يقول أدورنو في كتاب الأخلاق الدنيا: “الشخص الذي تعرض يتعرض للإهانة، والاستصغار، يتوفر على تنوير له قوة الألم الممض عندما يتوهج في جسده …في مثل هذه المحنة، يصبح من تعرض الى الصد إنسانا”8. تتعلم من تجربتها القاسية القيم الإنسانية مثل التعاطف والشفقة. تحاول انقاذ ضحايا الحرب وتأسيس مستقبل أفضل لهم خارج فضاء يسيطر عليه الرجال بالعنف والقسوة. يقول بيسوا في كتاب اللاطمأنينة: “ثقو بي: لو لم يوجد أناس أذكياء تمكوا ن وضع الإصبع عل مكامن الخلل الإنساني، لما كان بإمكان الإنسانية أن تنتبه إلى هذا الخلل. هكذا تعتبر الكائنات الحساسة والمتفوقة مسؤولة عن معاناة وآلام الآخرين”9.

حور لم تغير حياتها فحسب بل غيرت أيضا موسى. جعلته يراجع أفكاره ونظرته إلى المرأة. أثبتت له أن المرأة قادرة على المساهمة في تغيير المجتمع، “ألم تستفق بعد من ترسبات أزمنة الحلم والترقب السلبي للتغيير؟ لن يتغير شيء حتى تغيره وحدك بإرادتك، ولا فرق بين رجل وامرأة وها أنا ذا أمامك”. تضع الرواية موسى مقابل حور. موسى لا يزال غارقا في البحث عن الانتقام وبقي في مكانه لم يغير نظرته إلى العالم، “عدوي هو عدوي لن يتغير، ولن أرتاح حتى أسترد حقي منه أو أقتله”. أما حور لم تفكر في الانتقام وإنما وجهت هدفها إلى منح إمكانية حياة أفضل لغيرها، “كنت مبهورا بهذه المرأة العجيبة، وهذه القدرة على التحمل وهذه الروح التي مازالت تحلم بالحب والعطاء رغم بؤسها، واغتصابها، وتهدم بيتها، وموت زوجها وبنتها تحت الأنقاض … مازالت قادرة على منح الخير للكون”.


الهوامش:

1_ بيار بورديو، الهيمنة الذكورية. ترجمة: سلمان القعفراني

2_ بيار بورديو، الهيمنة الذكورية. ترجمة: سلمان القعفراني

3_بيار بورديو ة الهيمنة الذكورية. ترجمة: سلمان القعفراني

4_اريك فروم، تشريح التدميرية البشرية. ترجمة: محمود منقذ الهاشمي

5_جوديث بالتر، الذات تصف نفسها. ترجمة: فلاح رحيم

6_ جوديث باتلر، الذات تصف نفسها. ترجمة: فلاح رحيم

7_ فرناندو بيسوا، كتاب اللاطمأنينة. ترجمة: المهدي أخريف 

8_ جوديث باتلر، الذات تصف نفسها. ترجمة: فلاح رحيم

9_ فرناندو بيسوا، كتاب اللاطمأنينة. ترجمة: المهدي أخريف 

مقالات ذات علاقة

هل لدينا شعراء؟… (قراءة في شعر أبي عائشة الأندلسي)

عائشة إبراهيم

(أثوابُ الحُزن) للشاعرة هدى السراري

يونس شعبان الفنادي

التجريد .. روح العبقرية الإبداعية في تجسيد المشاعـر

المشرف العام

اترك تعليق