الخميس, 3 أبريل 2025
سعيد العريبي (حكايات وذكريات - سيرة قلم)
سيرة

كم قرشا يساوي الإنسان..؟

كم قرشا يساوي الإنسان..؟.. كم يساوي بوجود الله..؟ وكم يساوي بدون الله..؟ الإجابة بسيطة جدا.. بسيطة إلى هذا الحد كما يقول النيهوم: (إذا كنت لا تملك الله في داخلك فسوف ترى أنك رخيص.. وأن السلطان يستطيع أن يشتريك بملء منخرك فضة.. ولكنك إذا كنت تملك الله حقا في داخلك فمن يستطيع أن يشتريك).

ويمضي النيهوم بنا إلى أبعد من ذلك.. إلى أن يقول لنا إن السلطان أقدم على قتل الحلاج.. لأنه (كان باهض الثمن).. يعني أن ثمنه كان أكبر مما في خزائن السلطان.. ولذا فلم يكن باستطاعة السلطان أن يشتريه.. فهل كان الحلاج غالي الثمن إلى هذا الحد…؟

نعم – يقـول النيهوم – كانت قيمته أكبر مما في خزائن الخليفة.. بل كان أكبر من الخليفة نفسه.. لأنه كان يحمل الله بداخله.. ولم يكن بوسع الخليفة بالطبع أن يشتري الله..؟

هذه هي حقيقة الإنسان المشرقة

وهذا هو سر كماله.. عندما يدرك مصدر أصله المتناهي.. أما عندما يضل الطريق ويبتعد عن مصدر قوته المطلقة.. فإنه يهبط من عليائه ويرخص ثمنه كثيرا.. ويتحول – كما يقول النيهوم إلى: (عملة نقدية من فئة القرش أو المليم حسب الظروف.. وقائد القطيع يقايضه في كل عصر بأي شيء يؤكل.. أحيانا بكيس من الشعير.. أحيانا ببيدر البرتقال في يافا.. ويقيم له النصب التذكارية إذا التزم جانب الأخلاق الفاضلة ومات طبقا للأوامر.. ويربط عينيه بمنديل أسود ويعدمه بالرصاص – بتهمة التهرب من الخدمة العسكرية – إذا قرر العجل أن يهرب من المزرعة).

وإذا كان السلطان ــ كما يرى النيهوم ــ قد تخلص من الحلاج بالطريقة التي نعرفها.. لأنه كان باهض الثمن.. فإن ثمة آخرين قايضهم بكيس من الشعير.. وآخرين بمـلء بطونهم حساء.. أو بملء مناخيرهـم ذهبا أو فضـة.. حسب سعر السوق.. وسعر السلعة نفسها.

الصادق النيهوم.. رضوان أبوشويشة.. إبراهيم الكوني.. عبدالرحمن شلقم.. فاطمة محمود.
الصادق النيهوم.. رضوان أبوشويشة.. إبراهيم الكوني.. عبدالرحمن شلقم.. فاطمة محمود.

ورغم مخالفتي للنيهوم في حقيقة الحلاج

الذي كان ــ كما تقول مصادرنا العربية التي أرخت له ــ أحد أدعياء القرامطة.. إلا أنني أوافقه تماما على أن قيمة الإنسان تتأرجح صعودا وهبوطا.. كما يشير إلى ذلك قرآننا الكريم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ).

نعم.. أوافق النيهوم تماما.. على أن من الناس من يشترى بملء بطنه حساء.. ومنهم من يشترى بملء منخريـه ذهبا أو فضة.. حسب المكان والزمان الذي يعيش فيه ذاك السلطان.. ومنهـم وبالمقابل من لا يشتـرى ولا يباع .. لأنه غالي الثمن إلى الحد الذي أشار إليه النيهوم.. وكل ذلك بالطبع لا يخرج عن فهمنا وتفسيرنا للآيتين الكريمتين.. اللتين مرتا بنا آنفا.. وصورتا قيمة الإنسان في الحالتين.. صعودا وهبوطا.. أجمل وأدق وأصدق تعبير.. لاحظوا مرة أخرى دقة وجمال التصوير القرآني: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).. الأعراف 175- 176.

ـــ  في الجزء:

نستكمل حديثنا عن النيهوم الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر.. وذلك بالاستناد على تلك الإشارات الإيمانية.. التي أشرت إليها من خلال مقالتي: (النيهوم والنداء من أسفل المئذنة).. تلك الإشارات الإيمانية التي كتبها.. في وقت مبكر من حياته.. في الفترة الممتدة من الستينيات إلى السبعينيات.. وقبل أن يخالطها الغبش والشك والارتياب.. خلال العقدين الأخيرين من حياته يرحمه الله.


الصورة المرفقة: بريشة الفنان محمد رضا: للتذكير بالحوار الذي أجرته أسرة تحرير الأسبوع الثقافي.. مع الصادق النيهوم سنة: 1978 العدد: 337.. وقد ضمت جلسة الحوار كل من: الصادق النيهوم/ رضوان أبوشويشة/ إبراهيم الكوني/ عبدالرحمن شلقم/ فاطمة محمود.. وقد كان هذا الحوار من أفضل الحوارات التي أجريت مع النيهوم.

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (52)

حواء القمودي

صخرة الماء.. ذاكرة مكان

محي الدين محجوب

سيرة عقاد ليبيا

المشرف العام

اترك تعليق