حنين وافتقاد لمباهجه الخاصة
التقت بهن عبر الفضاء الأزرق /حنان علي كابو
يقسم الحنين ظهر الغربة لمن قذفه موج الحياة بعيدا عن وطنه وبلاده في شهر الفضيل، حيث الطقوس تتزاحم والتفاصيل تجتمع والذكريات تحوم كالطيور لتحط على مرفأ الوهج
يستعيد أديبنا قصيبات طعم “الشربة الليبية ” والبطاطا المبطنة التي تبدع والدته في اعداده بجنب الاصناف الاخرى التي تتزين طاولة رمضان حيث تتحلق الاسرة حولها، ليصف ذاك الشعور قائلا ….
إني أحن إلى شربة أمي
يكتبُ محمود درويش في سجنِهِ قصيدةً يقول فيها)1 “
أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي
” ويكتب الفرنسي مارسيل بروست في
بداية “البحث عن الزمن الضائع”
عن قطعةِ “المادلين” التي كانت تعطيه عمته عندما يزورها في طفولته وكيف أن قطعة المادلين تلك كانت تشعل ذاكرته وتمنحه بعضَ السعادة في وحشته ترى هل ما يقول درويش وبروست مجرد صور أدبيةٍ أم أنه كلام يعتمد على أسسٍ علمية؟ الإجابة نعم ، بل والإجابة تذهب إلى أبعد من ذلك ؛ فالحنين كما وجد العلماءُ لا يبعث الدفء في الروح وحسب بل في الجسد أيضا ، لا داعي للدخول في التفاصيل ؛ نكتفي بالقول أنّ العلمَ يصنف أنواعا عدة من الذاكرة منها المتعلق بحاسة التذوق وحاسة السمع وغيرها من الحواس ، فعندما نتذوق الطعام ترسل المستقبلات التي على اللسان إشارات إلى “فرس البحر” الذي بالدماغ (وهو المسؤول عن الذاكرة السريعة) والذي يرسل بدوره المعلومات بعد تصنيفها إلى جزء آخر من الدماغ به مركز للحنين في منطقة لها علاقة باللذة وللطفولة دور مهم في تصنيف تلك المعلومات حيث أنه ( فيما يتعلق برمضان) يتم تخزين ما تعلمت حواسنا قرب أمهاتنا في سنواتنا الأولى مع الشهر الكريم ، فالتفكير في شربة رمضان مثلا أو في صوت أو صورة معينة سوف يولد عندنا شعورا بالحنين وهو شعور غريب لا علاقة له بالحزن على سنوات الماضي الضائعة بل يولّد شعورًا بالراحة والهدوء حيث كما قلنا يتوهج خيطُ الذكريات في مركز اللذة في الدماغ لقد ارتبط شهر رمضان عندي ب”شربة” أميّ وأيضا ب”البطاطا المبطنة” التي كانت تتقن إعدادها وكذلك بصوتِ أبي قارئ القرآن في صلاة التراويح بمسجد “عبد الصمد” بمنطقة الصابري.
في الثمانينيات من القرن الماضي لم يكن السفرُ إلى بنغازي أمرًا هينا لكنّ شيئا كان يجذبني إلى هناك في مواسم رمضان دون غيرها من الأوقات و لم يكن السفر من أجل الراحة أو استعادة الذكريات واللقاء بالأحباب وحسب بل كان أكثر من ذلك إذ أنّ لرمضان في مدن طفولتنا أجواءً مختلفة ، ففي كل زيارة كانت لي طقوسٌ منها التجول في شوارع المدينةِ ساعات العشية من الفندق البلدي حتى ميدان سوق الحوت وكنتُ كلما مررت بشارع “بوغولة” اتوقف عند أحد أقاربي التجار بذلك الشارع التجاري ؛ كان قريبي رحمه الله يقول لي كلما زرته ” توا قاطع آلاف الأميال من أجل الشربة!!” نعم كان قريبي على حق إذ أن الشربة الليبية كانت واحدة من أسباب عودتي إلى الوطن في شهر رمضان بالرغم من سنوات السفر الصعبة تلك يغيب الوالدان ويقلّ السفر فيعيش المرءُ أشهر رمضان في بلدان غربية. تحاول عبثا أن تجد تلك الأجواء التي عرفتها في الطفولة وتتناول أنواع أخرى من الشربة وتكتشف أكلات مختلفة مثل “البغرير الجزائري” و”الباستيلا المغربية” و”المقروض التونسي” فتشعر ببعض الراحة والمواساة لكن برغمها يظل فيك صوتٌ يوقظك بين الحين والحين يقول: «إني أحنّ إلى شربة أمي
حالة من السرور الداخلي تستمر حتى العيد ….
أما الشاعر المترجم مأمون الزائدي، فيجزم بإن لا خصوصية مميزة في شهر رمضان خارج الوطن ويضيف قائلا / الحياة عادية تماما، ربما يعتمد هذا على موقع الشخص. ففي المدينة التي أعيش فيها منذ سنتين لا توجد أي مظاهر احتفالية كما يوجد في بلداننا، تنتهز بعض الشركات الفرصة لتقديم بعض التنزيلات او تحرص على توفير بعض السلع كالتمر ولكنه يبقى ابعد ما يكون عما نعرفه في اوطاننا. يوجد مسجد كبير في المدينة يجتمع فيه المصلون كما يوجد مسجد أصغر حجما في مكان اخر ولكن بمجرد خروجك من المسجد تعود الى مظاهر الحياة العادية.
لا أحرص على طقوس خاصة بهذا الشهر الفضيل بما أنني وزوجتي نعيش بعيدا عن العائلة الكبيرة. فكبار السن هم من يعطون هذه الطقوس طعمها واهميتها. لكنه شهر يتميز بجوه الخاص على صعيد المائدة وعلى الصعيد النفسي والروحي. كلانا من محبي رمضان ونسعد كثيرا بقدومه. فتجد أن هناك حالة دائمة من السرور الداخلي تستمر حتى العيد.
ولا معنى لرمضان دون حياة اجتماعية وتواصل مع الأقارب والأصدقاء. لكن خارج الوطن تتقلص فرصة الحياة الاجتماعية حتى تكاد تنعدم لأسباب كثيرة كما أن الامر يحتاج لمدة زمنية أطول حتى يمكن النجاح في انشاء علاقات تسمح بتقاسم مباهج رمضان واجوائه.