قراءات

من زاويةٍ أخرى

مصطفى السعيطي 

كتب الشاعر والقاص جمعة الفاخري
كتب الشاعر والقاص جمعة الفاخري

يُجمع متتبِّعو الإبداع الشعريِّ عند العرب أن قبيلة قريش ذات الصيت العظيم والشهرة الواسعة لم تنجب شاعرًا بسمعة شعراء المعلَّقات، ولا صوتَ لها يُذكر في سوق عكاظ الشعريِّ الذي يكتظ بصنَّاع الشعر ومريديه.. فهي قبيلة خصَّها الله بحماية مكة وتأسيس دولة عظيمة في قلب الجزيرة، وتولَّت حماية بيت الله وسقاية الحجيج ورفادتهم والاعتناء بهم.. ثم خص الله هذه القبيلة بأعظم خاصية يمنحها لقبيلة عربية حين اختار منها محمدًا بن عبد الله رسول البشرية جميعهم.. وظلت هذه القبيلة العظيمة بعيدًا عن الشعر وهمومه حتى قيَّضَ الله لها شاعرًا مبدعًا هو عمر بن ربيعة، فشغل مكة وما حولها بشعره الرقيق وغزله الذي اجتاز أسوار الجزيرة العربية كلها، ونبت على شفاه الرواة والنقاد إلى يومنا هذا.. لكن ماذا قالت العرب حين كان هذا الفتى يتهجَّى الشعر ويغشى مجالسه، ويدسُّ في رأسه ما احتواه ديوان العرب؟ قالت: ” لا يزال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر”.. وهذا ما كاد يوصلنا إليه جمعة الفاخري.. ظل يهذي ويهمي بصبر وأناة وعناد، وعامًا بعد عام داهمته الشهرة، وصار ركنًا في نادي المبدعين، وأحد محاريث الإبداع في بلادنا، الذين انشغلوا بالإبداع وانشغل الإبداع بهم.. ولا أخفي أني منذ تعرَّفت عليه مريدًا في محراب الكلمة أني كنتُ أقرأه بعيون مفخخة.. لأننا فُجعنا كثيرًا بكتَّاب كنا نظنُّهم كبارًا فإذا بنا نكتشف ولهول الفاجعة أنهم يكتبون بنظام نسخ ولصق.. وتعرفون القصد والمعنى.. وكانت لي كقارئ فقط أسبابي الوجيهة في ذلك..

لأن الفاخري أطل علينا كبيرًا بدرجة مخيفة تجعلنا نتوجَّس مما يكتب، أو أنه – شأنه شأن بعض شباب جيله – يسطو على أفكار الآخرين ويتجاسر على إبداعهم.. ففيما يكتب جمعة الفاخري ثمة ما يجعل الوجدان يشاركك القراءة، ويصحو القلب من سباته، ويتربَّص عند منعطفات كلماته.. فتجده بين السطور وتحتها متلبِّسًا بالسحر.. يشدُّ عينيك من جفونهما لتعيد قراءة كلماته ويرغمك على الاحتفاء بها معه.. فتخاله يرتدي قفازًا حريريًّا ناعمًا ويستعمل قلمًا من اللُّجين ويولِّد كلماته في غرفة عمليَّات خاصة فائقة العناية، غرفة مضخمة بالمسك والأبخرة الطيبة.. كأن الفاخري يبخِّر كلماته كي تسقط في عين قارئه طيبةً مُمسَّكةً.. تفرح أحيانًا إلى الدرجة التي تتحوَّل فيها إلى عصفور طليق ينتشي بالربيع.. وتغص أحيانًا بدمعة متحجِّرة لها مذاق الشوق، وتتلاحق أمام عينيك الصور التي نسجها خيال الشاعر.. والذي أكد لي مكانة الفاخري الأدبية أنه أسَّس إبداعه على التلقِّي بجميع أنواعه..

الشاعر والقاص والباحث في التراث جمعة الفاخري

فقبل أن يصير مبدعًا وقر في نفسه أنه يجب أن يتحوَّل إلى فأر يقرض الكتب ويلتهم بكلتا عينيه كلَّ ما تقعانِ عليه من إبداعٍ مختلفٍ.. ويتكئ على مخزون كبير من الثقافة (مقروءة ومسموعة ومرئية).. لأن الفنان الكبير هو دومًا قارئٌ كبير، وهذا من بعض أسرار أهميته الفنية واستمرارية جمهوريته الشعرية والقصصية.. ولأن الفاخري ولج الإبداع من باب الشعر.. فانهمَّ به منذ نعومة أدبه ودرس بحوره وأوزانه وخبر دروبه وتفعيلاته وأسراره وأرتامه وغريبه.. وقبل كل ذلك تأكد له أن للشعر لغته الخاصة التي لا يمكن إلا أن تكون لغة تجاوز وتصوُّف وخلق لا تجري على لسان العامة، ولا ينبغي لهم فعلها.. فحين تلبَّس بالقصة أو علقت القصة به، نجد في ثنايا قصصه الشعر يمدُّ قامتَهُ السامقَةَ وألفاظَهُ الوسيمَةَ.. فأضفى على الزمان والمكان وتفجير الحدث القصصي والسرد لغةً متفرِّدةً، وخلطةً كيماويَّةً بحث عنها كثيرٌ من كتَّاب القصة ولم يجدوها.. الأمر الذي جعل من جمعة الفاخري يتقدَّم بثقة وباقتدار وهو يلج عالم القصة القصيرة جدًّا، قصة الومضة.. فقد أدرك مبكرًا ماذا تعني الومضة لغةً ومعنًى.. واستطاع أن يجمع الزمان والمكان والحدث في أربعة أسطر أو أربع كلمات.. بلغة هي أقرب لتلك اللغة التي تداولها كهنة المعبد، وظلت حكرًا بينهم فقط.. فالقارئ لقصص الومضة عند الفاخري يعتقد للوهلة الأولى أنه أمام بناء شاهق يستطيع دخوله، لكن لا يستطيع استيعاب روعته وعظمته.. وهو لا يقدم لك كتالوج يشرح لك كيفية قراءته، بل يجعلك تكتشف بنفسك بعض أسرار تلك الطبخة الشهية التي قدَّمها لك.. أنت فقط تتذوَّق ما يكتب، ولستَ معنيًّا بأسرار تلك الطبخة.. وقصة الومضة هي حالة تكثيف عسيرة وغير ميسَّرة لكل كاتب.. لأنها تتطلب لغة فارهة وخيالاً واسعًا، واختيار الموضوعة المناسبة، فليس كل موضوعة تصلح لتكون قصة قصيرة جدًّا..

فأنت مثلاً لا تستطيع مهما أوتيت من قدرةٍ أن تدسَّ قطعة سجاد في علبة كبريت، مهما كانت القطعة فاخرة.. وذلك ما فطن له جمعة الفاخري مبكرًا وأدركه حين كان يغرس عينيه في دواوين الشعر بنوعيه العامي والفصيح.. ويمنح تفكيره للتراث الشعبي وأغاني الومضة التي انبهر بها وينصت بعناد لحكايا جدته التي اتخذ من حجرها متَّكأً أثيرًا، فاستهوته فسيفساء تلك السوريالية الساحرة، وانفتح له المجالُ رحبًا وتعدَّدَتْ رؤاه، فما انفكَّ يندهش ويُدهش قرَّاءه حين صار يمتح من فيض زاخر ويجول فيه بمهارة وبراعة وإيجاز وتكنيك، وقنص جيِّد لكل اللحظات.. جمعة الفاخري يُعدُّ في رأينا المتواضع إضافة مهمَّة في عالم القصة والشعر.. هذا عن جمعة الفاخري المبدع.. أما عنه كصديق استطاع أن يتخذ من قلوبنا موئلاً مريحًا له، فهي شهادة مجروحة لأننا أصدقاؤه ونخبئ له الكثير من المودة والحب والتقدير لأنه أهل لها.             

مقالات ذات علاقة

نجوى بن شتوان .. وتعرية أمراض المجتمع الليبى

إنتصار بوراوي

طيف.. ورسائل هاتفية

رامز رمضان النويصري

بين التغريبة والسيرة ونفض الفوضى

رامز رمضان النويصري

اترك تعليق