الجمعة, 4 أبريل 2025
من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
طيوب النص

كلمات تنتظر

 

” ليس على القصيدةِ أن تعني شيئا..

عليها أن تكون شيئا “

– ارشيبالد ماكليش –

Fathia_Jeroshi (1)

(1)

عندما تتعلّم حكمة الخراب ستبتهج كثيرا بما تبقى من لغتك بالقدر الذي يجعلك تفكر من جديد في خوض معركة أخرى أكثر ضراوة و قد احتفظت بشيء من كرامتك.

عندما تتعود الغياب سيكون أي حضورك مهما ضؤل قادرا على تحريك عضلة القلب من جديد .

عندما لا يكون هنا أو هناك ما يعوّل عليه .. ستعول حتما على ما لا يكون إكراماً للحلم وحده .

عندما تعتاد الصمت سيليق بأي موسيقى مهما نأت ترانيمها جديرة بأن تعتلي ظهر الريح وتسافر إليك .

عندما يغدو التذكّر كآفة التدخين ضارا بالرئة ، أمض في بحثك ولا تلتفت إلى الخلف .

فما أبهى يا صديقي أن يكون التسكع في طرابلس عبر الفم الذي من نار تأكل محيطها مشفوعة بجموح النظر حيث لا شيء يبقى إلاّ هي صانعة الرماد المبارك .. وقد تلاشت العناصر في عيونها .

– في سرّة طرابلس التي احنّ اليها ،

ليس النمل سوى بقايا من قش بعد حصاد اللغات .

 

 

 

 

(2)

أحيانا تقتضي الضرورة البحث عن كلمة لم تنتهك ، والنظر من تلك الزاوية المهملة .. وربما اللجوء إلى ضربات الصدفة التي توائم بين قوسين متخاصمين .. مع التربّص بهدوء رصين ، وحنكة إضافية لما تأتي به الأقدارُ من ما ورائيات لمّاحة ، وذلك للقبض على روحِ الشيء . هذه هي المسألة ، لأن ثمةَ هنا عديدُ النزوات التي تدّعي مزاولة الكتابة ، غير أن شحّة خيالها وقحل مشتلها يجعلُ منها أكثر عدوانية وهي تسعى حثيثا إلى تبخيس المتفوّق والمغاير والذكي .

 

(3)

عندما تمسي الهشاشة فنا إبداعيا له عباقرته وجهابذته وصنّاعه المهرة لا يسعك حينها إلا أن تكتفي- على الرغم من انفك – بدور المتفرج الذي لا حيلة له .

 

(4)

انقضت قرابة سبعة أشهر لم أكتب خلالها قصيدة واحدة ، وهو زمن مؤلم حين تستنفذ طاقة الخيال لون الخصوبة ، وإيقاع التدفق وموسيقى الفيض .. لحظة أن يتعطّل الوجدانُ عن التشابك مع نسيج عالمه .

اشتقت لتلك اللحظة الموسومة بهسيسها وحفيفها ووشوشتها وأنفاسها . مضى وقت طويل لم تعاودني فيه القصيدة . غادرتني تلك اللحظة التي كنت أشعر فيها بحياة ما تريد أن تخرج من عدم ولغة جديدة تنظاف .يحزنني انها لم تعد تُطاردني كما كانت تفعل .

لماذا يضجّ المكان بكائنات ثرثارة /

والشرفة غشيمة ، والضوء لا يرى إلا صخبا .

تلك اللهفة غادرتني / غدوت منبوذا يا قصيدة مفاتيحها لدى الموتى ،

أين عطر خيالك .

 

 

(5)

كلمة ، كلمة أكرّس النثر لتنظيف شوارعك من الضوضاء ، وغسل خيالك من دخان العروض ..

وأضع لغتي رهن محبتك .

لا شيء يثنيني عن حفر خندقك أيتها القصيدة .

 

(6)

العارفُ بأحوالِ الخفاءِ يتهمُ اللغةَ لأنّها تفضحه . لهذا ظلّ كل شيءٍ يشيرُ إلى نصفه الغائب : يطاردُ ما يعتقدهُ جنةً تهرب . ولهذا أيضاً ظلّ الثعلبُ دائما يفكّرُ في حيلة أخرى يخدع بها خيالَ الأطفال الذين كبروا .. كما أمسى الشيخ ينظرُ إلى أسفل لأن الأرض تستدرجه إلى جوفها . فالموت بذرة الحركة ، والمطر سوءاً كان ذكراً أم أنثى سيغادر علوّه بمرح لا يُضاهى .

ربما لأن هناك حكاية أخرى تصعد إلى السماء ….

هناك أيضاً خيولُُ تفرد أجنحتها .. يقودها شاعرٌ ينزف ..

حيث لا أحد يأبه بالأحلام التي تُذبح .

حتى الصيادين الذين لا حول لهم سوى هشّ الذباب عن جثث الدلالات الغبية ، قالوا : أن السماء مجرد لون يتمدّد .. ولتذويب قطعة ملح كبيرة بحجم الأرض يستغرق الأمر ثلاثة محيطات من الدموع . فقط لأن الماء يبحث عن حرف ضائع للإقامة الزرقاء .

فيما أنتِ أيّتها المرأة ، نصفُك الوحيد يتشبّت بضرورة الليل لكي يحلم بجندي أخير .. بردان يشعلُ الحرائق في معاجم الجسد . يديرُ حرباً لا هوادةَ فيها ضدَّ خمسة قرونٍ من النوم . فأي صمت هذا الذي يتقلّب خلف الأبواب ، لمجرد أن بضعةَ مفاتيح صغيرة تدحرجتْ من قصائد النثرِ للإطاحةِ بإقفالِ اللغةِ الصماء .

 

(7)

أه يا محضَ نومٍ يمشى . . ونافذة تُطلّ على حكايات خائفة

يا كوب شاي في شرفة تحلّق

يا عين قصيدة حارة تنقلّب من عاشقة إلى أخرى …

يا ثدى بلاد تنسى أبناءها

مَن يسرق حليبنا

ويهمُس خلف الأذن برنيم كاذب .

فما نراه من نجوم هي كلمات تحترق

لكي تُقرأ ، عليها أن تضيء .

وما نراه من غيومٍ .. خفةُ ماءِ

لذا يلزمنا أن نطيرَ لكي ننأى الأرضُ قليلاً

أن نأخذَ الكتبَ المبلّلة ونترك الحروفَ تتلاشى

كسديمٍ يتخدر.

لأّننا لا نملك ما يتخيله الشاعرُ وهو يمشى

سعيداً إلى حتفه ..

وهو يهتف :

ثمة موسيقى تتفتحّ في حقول الله ..

ثمة حبرٌ سعيدٌ يتضافر ،

يغدو قمراً نظيفا من الشبهات

ثمة لونٌ آخر من النساء في عطر القصيدة ..

ثمة شيء خلف إذني يتآمر ضدي

و في خزانة الريح …

ملايين الكلمات التي تنتظر .

______

طرابلس ، صيف 2004ظ

 

مقالات ذات علاقة

رسالة من شهيد

مقبولة ارقيق

أحصى حروف الوقت

محمد محمد الأبي

حكاية مكابدات

المشرف العام

اترك تعليق