قصة

نافذة بوقرين

من أعمال التشكيلية شفاء سالم
من أعمال التشكيلية شفاء سالم

1

قالت أنها لا تفهم هذا الدرويش “بوقرين” كما أطلق عليه الناس هذا الأسم. ادركت ساعة رأته أنه ذاهب لزقاق الدرقاوية ماشياً مأسوراً في الدرب المتاح، كما هي عادته ليلة الخميس واوقات سحائب المساء..  إمتلأ ذهنها السعيد بكل خيلات الرغبة والرهبة فتبعته وهي متوجسة اصناف الأعياد من هذا المتشرد الساعي في الهواجر الغلس وفوق قمم السماء، متوجسة من ظهوره الذي يذوب في الذكر كأنه ملك حيث أراده الله في زي مسكين يبتني على السنا شوامخ الديار، وهوالمعروف بكشف ما يغلق على الناس من الصواب ومن الروع من صروف الدهر.. رأته وقد دلف به الوجد إلى رواق الزاوية كمن أسقمه الهوى وجذبه الوعد المغامر، أيقنت أنّ كلامه لا ينطق به لسانه، تحيرت في أمره وفي قوله، تحيرت فيما تسمع ومن وجوه القول ما قال، وهي لا تعرف مدته ولا تعرف نهايته ولا تعرف له من مصدرٍ: ” بالمعرفة تستوضح غوامض حكمته “.

2

سكت بوقرين لحظات ليس إمتناعاً ثم قال فجاءة في محنة إيمانه: “اللهم أحذف عن السنتنا فضول القول معك”..  استمرت تراقبه واستمر يقول من هول الحلم بالرحيل: “إذا أردت ذكر الحق فأنس ما سواه”.. ازدادت فضولاً وتَحيراَ وشوقاً ولم تعد تدرك ما الذي ستظفربه وقد اعتراها الريب فيما تسمع وفيما ترى، ها هو الآن قد القى بنفسه دفعة واحدة في يم الذكر والنّداء..  أحسّ أنها تراقبه فدار حول نفسه مرات ومرات ولجأ إلى التصريح غيرة عليها وهتف ” الوجد الحاصل عن التواجد لا يعول عليه”

3

بدت منتشية من خلف النافذة المفتوحة على حلقة الذكر، أذعنت لمشيئة الطلاسم وجاذبية اللطف، وكانت خيوط الليل قد مدت اصابعها تحضن الأسرار، وامتلأ الفضاء بترانيم الدفوف وبأصوات أهل الذكر المتناغمة وبعطور عبق البخور، غمرها النور وتسللت الى الحلقة وكأنه ترى الدنيا لأول مرة، ثمّ هامت ودارت حول نفسها وأنشدت بفرح وقد ملكت الوقت كله: من اي نافذة يا إلهي كنت أبصر.

مقالات ذات علاقة

أبـــي

أحمد الفيتوري

الوجبة

فتحي نصيب

غصة

المشرف العام

اترك تعليق