النقد

من ومضات المبدع جمعة الفاخري ـ (كأكأة)

الشاعر والقاص والباحث في التراث جمعة الفاخري

تكأكأ النقاد على نصي..

كتكأكئهم على ذي قصة..

صلبوه.. قتلوه نقدا..

فحَيَا..

أسرى على براق فصاحته معراجا إلى القلوب

أما أنا فافرنقعتُ عنهم..


لا أحسب أن هناك نصا للمبدع جمعة الفاخري يخلو من الشعرية، فهو حين يأتيه وارده وملهمه تنتظم الكلمات وتتناسق وفق ذائقته وحساسيته الشعرية، ليخلق منها كونا شعريا تتشكل أجزاؤه من الواقع المعيش ومما وراء هذا الواقع، فيأتي أحيانا قصيدة منظومة في أحد أوزان الخليل، أو خاطرة، أو توقيعة، أو ومضة قصصية، ولعل إبداعه يتجلى أكثر في الوميض القصصي من باقي الأجناس الأدبية، كما في هذه الومضة القصصية التي سأكتفي هنا بالإشارة الخاطفة إلى مدخلها والطريق الموصل إليها.

يتبين للقارئ أن هذه الومضة قد انطلق وميضها من حكاية تراثية طريفة تُروىَ عن نحوي اسمه عيسى بن عمر، عُرف عنه ولعه باللفظ الحوشي والغريب وتعمد استخدامه في الكلام، فحين سقط عن حماره، هرع إليه الناس، وتجمعوا حوله للاطمئنان عليه، لكنه حين رآهم متجمعين حوله صاح فيهم: ما لكم تكأكأتم عليَّ كتأكئكم على ذي جنة؟  افرنقعوا عني، وترجمة ما قاله إلى لغة عموم الناس هي: (مالكم تجمعتم على كتجمعكم على مجنون… انصرفوا عني).

استدعى جمعة الفاخري هذه الحكاية الطريفة ووظفها فنيا لأجل نقل رؤيته بشأن العلاقة بين النص والنقد / الناص والناقد ، وقام بتحويرها ودمجها مع حادثتين أخريين ، الأولى : حادثة صلب السيد المسيح وقيامه من قبره بحسب المعتقد الكنسي ، والثانية حادثة الإسراء والمعراج ، ومن خلال هذه التوليفة السردية نرى أن تقعر هذا النحوي وتعمده الكلام بالغريب قوبل بتقعر طائفة من النقاد تتعسف في استنطاق النص بما لا تحتمله حمولته الدلالية ، وذلك باستخدام وسائط لا تليق به ولا تناسبه ، وبمثل هذه الوسائط تم صلب النص وقتله نقدا،  لكنه مع هذا تمكن من العودة للحياة ، ثم الإسراء والمعراج إلى قلوب القراء الذين يتذوقونه ويقدِّرون إبداعه ، وفي هذه اللحظة نرى مؤلف النص الذي ظل يراقب من بعيد على مضض عملية صلب نصه وقتله، يترك النقاد وشأنهم بعدما اطمئن على سلامة نصه ونجاته منهم ومن هرطاقتهم وتمحلاتهم.

مقالات ذات علاقة

روحنة التصوف الشعري

هدى الغول

رواية قصيل- الدخول من زاوية مختلفة وخارج النمطية

المشرف العام

رحلة الزاهي: من صقيع دبلن.. إلى نار فزان (1-2)

عبدالسلام الفقهي

اترك تعليق