سرد

كُسيلة وعمر المختار

دردشة على هامش التاريخ

يجلس وحيداً على صخرة تحت شجرة زيتون، يمسك بمقبض سيفه الذي غرس رأسه في التراب، ويداعب لحيته بشرودٍ؛ وهو يُحدِّق في الأفقِ البعيد.

إنه البطل الإفريقي آكسل بن لمزم، أو كُسيلة(1) كما يسميه العرب.

لحيته الكثيفة تُخفي جزءاً من ملامحه الصارمة،

 السمرة الخفيفة التي لوَّنت الشمسُ بها وجهه توشي ببياضه الناصع، التعاريج التي صنعها الدهر على جبهته تشبه تلك التي تنقشها الرياح على رمال الصحراء؛ بكل إتقانٍ وصبر.

انتبه كُسيلة من شروده ليرى ذلك الفارس مقبلاً عليه.

اقترب الفارس أكثر وأكثر، وحين صار على بُعد خطوات؛ ترجَّل عن جواده، ومشى بتثاقل، ربط جواده إلى أحد أغصان الزيتونة، تلك الزيتونة التي استضافت هذين الرجلين؛ لتكون شاهدَ عدلٍ على حوارهما، ولتكون خصماً للتاريخ الذي اختار محاباة المنتصرين، في قاعة محكمة تتسع باتساع الأرض محور النزاع، وباتساع التاريخ الذي استطاع أن يستوعب المجرمين كأبطال فاتحين، ويستوعب جرائمهم كبطولات وملاحم، يمكنهم أن يتغنوا بها كلما عَنَّ لهم ذلك!!.

 قام كُسيلة من جلسته وعيناه تتأملان ذلك الشيخ الوقور، رجلٌ سبعيني متخم بغبار السنابك ورائحة البارود، أكلت السنون من جسده النحيل، لكنها لم تأكل من صبره وإيمانه، وجهه يبشِّر بالنصر، تبدو ملامحه كخليط بين اللين والشدة؛ لِين الصوفي الناسك، وشدة المحارب العتيد، عيناه كعيني صقر، يُخيَّل إليك حين يرمقك؛ أنه يقرأ ما يدور بصدرك؛ بلمحة واحدة.

انحنى كُسيلة أمام عمر المختار؛ إجلالاً وتقديراً، وتصافحا بحرارة.

عمر المختار: لم أكن أتوقع منك هذا الأدبَ الجمَّ؛ وأنت من قتل أصحاب النبي!!. كُسيلة: وأنا لم أكن أتوقع أن تبدأ الحوار معي بهذه السرعة!!.

عمر المختار وهو يجلس بنفس التثاقل والوقار في ظل الزيتونة؛ مُستنداً على بندقيته: ألم تعلم بأن معركتك خاسرة منذ البداية؛ وأنت تواجه جيشاً قهر ملوك الفرس والروم، وكسر شوكتهم ؟؟

كُسيلة وهو يجلس إلى جواره: تماماً مثلما كنتَ تعلم أن بندقيتك هذه لن تجدي شيئاً أمام دبابات وطائرات إيطاليا.

عمر المختار: يكفيني شرفاً أني قاتلتُهم حتى الرمق الأخير، ولم أداهن.

كُسيلة: وهذا هو عين ما فعلتُه أنا.

عمر المختار: لكنك يا كُسيلة كنت تُحاربُ أهل الحق.

كُسيلة: وهذا ما يعتقده المسيحيون الإيطاليون الذين قاتلتهم أنت. يا عمر، إنني لو آمنت بأنهم أهل الحق؛ لما قاتلتهم، فأنا لم أقاتل إلا شرذمة جاءت لتسطو على أموالنا، وتغتصب أرضنا، وتسبي نساءنا، شرذمة أرسلها يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، ولم يرسلها نبيكم، شرذمة جاءت تحمل السيوف؛ لتغمدها في صدورنا، ولم تكن تحمل الحق؛ لتضعه في قلوبنا!!.

عمر المختار: لكنك قبلت وأذعنت في بادئ الأمر!!.

كُسيلة: نعم حين ظننت أنهم يبلغونه إلينا، ثم يعودون أدراجهم، لكني اكتشفت أنهم جاءوا طامعين في أرضنا، يريدون أن يحكمونا، وينهبوا أموالنا، ويتسلطوا على رقابنا باسم الدين، فلم أجد بُدَّاُ من قتالهم.

عمر المختار: ربما كان هذا كافياً لقتال الفاتحين المسلمين، لكن هل يكفي لارتدادك عن الإسلام ؟؟

كُسيلة: أنتم تزعمون بأني ارتددت عن الإسلام، لقد ألبستموني أثواباً ليست لي. ولكن قل لي! لماذا لم أقتل المسلمين حين وجدتُهم في مدينةٍ (2)انتزعتها من عقبة، ألم تعلم بأني بقيت في هذه المدينة خمس سنواتٍ؛ دون أن أمسَّ أحداً منهم بسوء، أو أجبره على ترك دينه ؟؟!!

ثم كيف تريدني أن أحشد أتباعي، وألملم صفوفهم ضد عدوهم؛ وأنا أظهر إيماني بعقيدته؟! وهل كان أحدٌ من الليبيين ليتبعك وأنت تعتنق النصرانية، أو تحمل الجنسية الإيطالية؟؟!!

عمر المختار: يا كُسيلة، أنت تعلم بأنك سليل إفريقش بن قيس بن صيفي الحميري اليمني، فكيف تتنكر للدماء التي تجري في عروقك، وتقاتل بني جلدتك؟؟!!

كُسيلة: ماذا قلت؟! إفريقش ابنُ مَنْ ؟!

يا عمر إنك لو عرفت جدَّك السابع؛ فلن تعرف الثامن، فكيف – بالله عليك – تنسبني إلى رجل بيني وبينه آلاف السنين ؟؟!!

يا عمر، لا تحاول شراء الكثير بمثل هذه الروايات التي لم تعد تصلح إلا لمجالس العجائز وهن يتسامرن على نار الشتاء.

هذه أحاديثُ باطلة، كهباء منثور، لا وزن لها، ولا تصمد أمام رياح الحقيقة.!!

و هب أنني حقاً كما زعمت، فهل ترك جدِّي المزعوم (إفريقش) وصيةً تأمرنا بأن نخضع لعدونا، ونضع رقابنا تحت نعال خيولهم؛ إذا ما دخلوا علينا غازين؟؟!!. الأنساب وهمٌ يا عمر!!، نعم .. وهم، والحقيقة الوحيدة في هذا الكون هي هذه الأرض التي نطؤها بأقدامنا.

 ولكن أخبرني ..

ألم يبلغك ما وقع بين علي ومعاوية؟؟وعلى فرض أننا عرب كما تزعم، وأن أولئك البدو الذين يبولون على أعقابهم كما تبول جمالهم؛ هم أبناء عمومتنا، فهل يحق لأبناء عمومتنا أن يُذلونا ويقهرونا؟؟وهل نُلام يا سيد عمر؛ لأننا أبينا الذل والقهر.!!

ثم ألستم تقولون بأن اليهود أبناء عمومتكم ؟؟ فلِمَ لمْ تغفروا لأبناء عمومتكم احتلالهم لأرضكم، وقتلهم لشعبكم؟؟ وأنت يا عمر هل كنت لتعتزل في زاويتك القصية تُعلِّم الصبيان؛ لو كان الغازي لأرضك عربياً ؟؟!!

لا داعي لأن تُجيب، فمعدنك يُجيب عنك.

إذاً، فكيف لا أقاتل من جاءني غازياً؛ بحجة هذا النسب العربي الغامض، ولماذا هم لم يحترموا هذا النسب، ويكفُّوا أيديهم عنَّا؟؟

 عمر المختار: دعني أتكلم عن نفسي فقط.

كُسيلة: فليكن، فما هو قولك؟

عمر المختار: أنا لست ممن يُصوب سلاحه في وجوه إخوانه، فدون ذلك خرط القتاد، والعربي لا يقتل أخاه.

كُسيلة: كلامٌ جميل، يصلح أن يكون شعراً، لكنه لا يصلح أن يكون فعلاً.

 الذي يغزوك ويبتغي قتلك لا يمكن أن يكون لك أخاً، أو يكون له احترام، أما عن العرب الذين تُفاخر بهم؛ فإن القتال فيما بينهم أقرب من قتالهم لعدوهم، وأنت لن تكون بدعاً في تاريخكم، فلا تنأى بنظرك بعيداً.!! فبالأمس القريب فقط تقاتل العرب على شبرٍ صغيرٍ من أرضٍ شعثاءَ مقفرة، كما تصارعوا بسبب بئرٍ جفَّ أو كاد، هل تذكر؟

ولعل المستقبل سيصدمك بالأسباب التافهة التي ستكون سبباً في تطاحن هؤلاء العرب!!.

عمر المختار: ربما حدثت أمورٌ بعدي لم أحضرها، ولم استشر فيها، فلا تُقحمني فيها.

كُسيلة: عجيبٌ أمرك يا عمر! لا تريدني أن أقحمك في أمورٍ حدثت بعدك بعقود، وتقحم نفسك، بل وتقاضيني في أمور بينك وبينها قرون؟؟!!.

عمر المختار: أنا لم أقاضك، ولكني أقيم أفعالك وحسب.

كُسيلة: نعم؟! ومن حمَّلك مسؤولية تقييم أفعالي إذاً؟

عمر المختار: آهٍ يا كُسيلة!! ليت شعري أين يكون مثواك يوم الحساب، وقد قتلت من الأتقياء الصديقين من قتلت؟!

كُسيلة: دعك مني يا عمر، ودعك من ذكر الغيب، فأنت لا تعلم حتى أين كنتُ قبل أن تجدني على هذه الصخرة، أما عن وصفك لأولئك (الوندال) بالأتقياء والصديقين؛ فأنا لم أعرف منهم إلا من جاءني غازياً، وفي مثل هذا الحال من يهتم بتمييز الغازي الطيب من الغازي الخبيث ؟!، وهل كان عليَّ أن أنتظر حتى يتبين لي الخبيث من الطيب؛ بينما هم يتنافسون في قتل رجالنا وسبي نسائنا.؟؟

عمر المختار: لكنهم لم يكونوا غزاةً، بل كانوا دعاةً فاتحين.

كُسيلة: ما الذي تقوله يا عمر؟!

فالطليان أيضاً يدَّعون بأنهم جاءوا لأجل أن يتحضَّر شعبك، ويخلِّصوه من ربقة الجهل والتخلف، هكذا قالوا، فهلا صدقتهم بربك؟

عمر المختار: وهل سيتحضر شعبي في المعتقلات الجماعية، وعلى أعواد المشانق؟؟!! وهل الطائرات والدبابات هي أدوات التحضُّر ؟؟ كيف أصدقهم و فعلهم يناقض كلامهم؟؟

كُسيلة: إن كان هذا جوابك؛ فهاك جردة موجزة على الحساب، والقول بعد ذلك لك.

ألم يدمر مسلموك موارد من يغزونهم ليستسلموا؟! ألم ينهبوا كل ما طالته أيديهم من أموالهم بحجة الغنائم والأسلاب؟! ألم يُهينوا أشرافهم، ويُمعنوا في إذلال بيوتاتهم، حتى طفح بهم الغي والبغي، أن يسبوا بناتهم وحرائرهم، ويبيعونهن في أسواق النخاسة في الشام و الحجاز كجوارٍ مهينات رخيصات؟!.

هل تريد المزيد؟

 لعلك لا تعرف بأمر الحاكم لذي جدعوا أذنيه، والقس الذي نكَّلوا به أمام الأهالي، وهلم جراً، ولكن دعك من كل ذلك!! ألم يهينوني أنا أيضاً تلك المهانة التي تحدث عنها التاريخ؟ والقصة – ولاشك- عندك بتمامها؟

عمر المختار: عن أي تاريخ تتحدث، وأية قصة تعني؟

كُسيلة: تريد أن تعرف؟ حسناً: أقصد حين أمرني عقبة بن نافع بسلخ شاةٍ أمام أتباعي، وقيدني بالحديد.

عمر المختار: أه، نعم تذكرت.

كُسيلة: أليس هذا كافياً ؟ أم تريد المزيد؟

دعني أذكرك فقط بأن المسلمين الذين تتحدث عنهم، يُبيحون قتل الأطفال في سبيل النيل من عدوهم، وأنهم يفضلون الجزية على دخول من يغزونهم في الإسلام؛ لأن الأخير سيحرمهم من الغنائم!!.

عمر المختار: هذا الذي حدث لكم كان بسبب تمردكم وقتالكم وخروجكم عن الطاعة.

كُسيلة: وهذا ما فعلتَه أنت يا شيخنا الجليل!!.

عمر المختار: هل تدافع عن إيطاليا؟؟.

كُسيلة: لا، أبداً، لكنني أردت أن أثبت لك بالقول العريض: أنه لا فرق بين غازٍ وغازٍ، فالكل في الاعتداء والجريمة سواء مهما اختلفت الذرائع، وتنوعت التبريرات.

عمر المختار: وهل كنت لتقبل الإسلام؛ لو جاءك الفاتحون والسيوف في أغمادها؟؟

كُسيلة: ربما، ولكن دعني أعيد لك سؤالك، هل كنت لتقبل لو أرسلت إيطاليا المهندسين والأطباء والتجار إلى ليبيا بدل الجيوش؟؟.

عمر المختار:  لقد وقع هذا بالفعل ولم نقاتلهم، ألم تسمع ببنك روما، لقد قام هذا البنك باستصلاح الأراضي وتربية الأغنام، وتنشيط التجارة والتصدير والاستيراد بين ليبيا وإيطاليا، لكن إيطاليا الغاشمة لم يكفها ذلك.

كُسيلة: وأنا يا عمر، لم يأتني أحدٌ ممن ذكرت، لم أرَ غير المقاتلين الذين يضعون السيوف في رقاب الناس؛ ليغنموا ما بأيديهم، أنا قاتلتُ جيشاً جاء ليغنم، ولم أقاتل نساكاً أو دعاةً أو قوافل إغاثة، بل قاتلتُ من لا يسعك إلا قتالهم لو كنت مكاني، ولكنك لست كذلك، فدعك من التشبيهات الخاطئة.

عمر المختار: تذكرت شيئاً!

كُسيلة: ما هو؟

عمر المختار: تذكرت أن أسألك سؤالاً؛ إما أن يقرب ما بيننا اليوم، أو يباعدنا إلى الأبد.

كُسيلة: من فضلك قل!

عمر المختار: دعني أتفق معك بأن أجدادي الأوائل قد كانوا غزاة، وأنهم قد دخلوا هذه الأرض واستوطنوها، من قبل أن لم يكونوا. فما هو حكمك علينا نحن الأحفاد، وقد ولدنا في هذه الأرض، وعشنا فيها منذ مئات السنين؟ ألسنا اليوم و إياك سواء؟ أم أنه لك رأي آخر؟

كُسيلة: قد لا يكون لي رأي آخر؛ إذا أعجبني جوابك على سؤالي.

عمر المختار: إني مصغٍ.

كُسيلة: لمَ لا تعترف بحق الرومان في وطنك، وهم قد سكنوه قبلك بآلاف السنين؟.

ولماذا لا تعترف بحق الإسرائيليين الذين ولدوا في فلسطين؟

وهل يمكنك أن تعترف بهم، لو مكثوا فيها مائتي عامٍ مثلاً؟.

عمر المختار: آه، يبدو أنه لا فائدة، فلنترك الكلام للتاريخ، فهو وحده من سيحكم بيننا يا كُسيلة، أنظر إلى سيرتي وسيرتك، أين قبرك الآن، وهل يذكرك من أحد؟؟.

كُسيلة: قبري هنا، في مكانٍ ما من هذه الأرض التي وهبتُها روحي، قبري يجهله الكثيرون كما يجهلون تضحياتي، يا عمر نحن نصنع البطولات والتضحيات، ولا نصنع القبور والأضرحة!!.
وأنت هل كان لك كل هذا الشأن بسبب قبرك؟؟، أنت قاتلت عدواً جاء ليغتصب أرضك، وهذا ما فعلتُه أنا!!.

ولكن يا عمر هل سيكون لك كلُّ هذا الاحترام والتبجيل لو بقيت إيطاليا في ليبيا؟؟

يا صديقي، لو بقيت إيطاليا في ليبيا، لكان للتاريخ الذي تحتج به وجه آخر، ولكنتَ في كتب التاريخ مجرد قاطع طريق جبان، وسيُحمِّلك شعبك مسؤولية الخراب والدمار والقتل الذي حلَّ بهم، وستكون صورة (غراتسياني) أو (موسوليني) على العملة بدل صورتك.

أما أنا فقد انتصر الغزاة عليَّ، فحُقَّ لهم أن يصنعوا تاريخهم على المقاس.

التاريخ يا عمر شاهد زور، لا يعترف بالمقهورين، انتهازي، لا يُذعن للحق، بل يحني رأسه للمنتصرين فقط!!.

***

وهنا تسود لحظة صمت، كُسيلة يمسك بغصن زيتون صغير، ويرسم خطوطاً على الأرض، بينما يتأمل عمر المختار تلك الخطوط وكأنه يريد أن يقرأ فيها أفكار
الرجل، الرجل الذي ضحَّى بكل شيء من أجل الآخرين، لكنه خسر كل شيء، وخسر الآخرين.
يا إلهي!َ كم من المشاعر يخفيها هذا الرجل تحت رقعة وجهه!!، الحزن، الغضب، الكبرياء، لكن صرامة ملامحه تمنع تلك المشاعر المتدافعة من الظهور، تلك الصرامة التي جعلت من وجهه أشبه بالصحراء تبدو هادئة وخرساء، لكنها حين تتكلم تقول كلَّ شيء، ودفعة واحدة!!.

***

عمر المختار وكأنه يريد أن يقطع هذا الصمت: أنا مثلك يا كُسيلة؛ قُتلتُ قبل أن أحرر أرضي.

كُسيلة: نعم، لكن مصادفات التاريخ كانت لصالحكم، وهذا ما تفاضلني به، إنه شيء لم تصنعه أنت، بل صنعته تلك المصادفات التي جعلت عدوك يندحر، ويجرُّ أذيال الخيبة إلى ما وراء البحار.
تلك المصادفات التي لم أحظَ بها بعد موتي، بل ظل عدوي جاثماً على أرضي، يُملي على التاريخ حكاياتٍ عن بطولاته الفارغة من أي معنىً نبيل.

يا عمر أنت قاتلت لعقدين من الزمان، وتعرف شعور المقاتل، أنا أشعر بالمرارة لأن الناس تنكروا لي وأنا من بذل روحه لأجلهم.

آه لو قُيض لي التسلل من تاريخي خلسة، فلربما كنت شخصاً آخر، غير الذي كنته.

 لكن، لا .. لا يمكنني أن أفعل ذلك، فنفسي التي بين جنبي تأبى أن ترى أرضي تُغتصب، دون أن أحرك ساكناً، الأرض التي نبتنا فيها كما ينبت الفسيلُ في ركن أمه، وربينا في كنفها كما يربو الطفل في حجر أمه، تعلمنا منها العطاء، ومن صحرائها الصبر والجَلَد، ومن جبالها الكبرياء والشموخ، ومن مائها الصفاء والنقاء.  منها خرجنا، وإليها نعود، ولأجلها تسيل دماؤنا، وتهون أرواحنا.

الأرض يا عمر ليست خرساء، بل تتكلم، تتكلم لغةً نفهمها، إنها تُحس وتشعر، تفرح وتحزن، بل وتعرف من يمشي بين وهادها وجبالها، أهو من أبنائها، أم غريبٌ جاء ليدنسها.

الأرض هي التي أخرجتنا للقتال، هي التي أعطتنا السيوف والرماح، وقالت لنا: يا بَنيَّ، اذهبوا ورُدُّوا عني كيد العدو، اذهبوا وتحسَّسوا العزة والكرامة؛ بين صليل السيوف، ورهج السنابك، وإن لم تفعلوا؛ فإني سألعنكم، ولن تكونوا أبنائي. وأنت يا عمر، لماذا ألقيتَ الألواح، وامتطيت صهوة جوادك لعشرين عاماً، تناضل وتكافح، حتى انتهى بك الأمر معلقاً على حبل المشنقة؛ كعرجون تمرٍ حان قِطافه، أليس ذلك بسبب نداء الأرض؟؟!! هذه هي الأرض يا عمر، لا يمكنك أن تَصُمَّ أذنيك عن ندائها، أو تغضَّ الطرف عن توسلاتها، رغم أنك إنسان تحب الحياة وتكره الموت.

 هذه الأرض هي أُمُّنا، نعم أمُّنا، فهل سمعت أحداً يُفرِّط في أمه؟؟ هل سمعت أحداً يبيع أمه لعصابة من المرتزقة، و شداد الآفاق، ويسمح لهم باغتصابها ؟؟

يا عمر، أعرف بأنك لن تُدرك معنى ما أنا فيه، لأن أحفادك يُعلَّقون صورك في كل مكان، بل ويحملونها في جيوبهم في كل آن، ويذكرون اسمك في كلِّ حين، ولهذا فأنت لا تتعاطف مع ما قلته، ولا يُحزنك ما حدث لي، ولست ألومك، لكنني أريدك أن تفكر ملياً في ماهية الفرق بيني وبينك.
يا عمر، أنا لم أرتكب جُرماً، لقد قمتَ أنت بما قمتُ أنا به، وفعلتَ ما فعلتُه، حذو القُذَّة بالقُذَّة، والنعل بالنعل، قاتلتَ عدوك بكلِّ صبر وثبات؛ حتى آخر رمق، ولم تُصغِ إلى تبريراتهم، ثم قُتلتَ قبل أن تطرد عدوك!!.

إلى هنا، أكون وإياك قد ارتكبنا ذات الجُرم، إن كنتَ تُعدُّ قتالي جُرماً!!.

آهٍ يا عمر، من يدري لعلَّ الأرض التي وهبتُها روحي؛ تلد أناساً يُنصفونني، ويُقدِّرون تضحياتي حق قدرها، وعندها سيرى العالم صُوري وتماثيلي وقد ملأت أركان أرضي طولاً وعرضاً، وسيكون اسمي على كلِّ شارع، وفي كل بيت.

عمر المختار: ماذا قلت؟ صورك وتماثيلك؟؟!!

آه، الآن أيقنتُ أنه لا جدوى تُرتجى من الحوار.

كُسيلة: هكذا أظن.

عمر المختار: سأعود من حيث أتيتُ.

كُسيلة: نعم، عُد!!.

ركب عمر المختار جواده، وعاد من حيث أتى، بينما ظل كُسيلة في ذلك المكان؛ يُحدِّق في الأفق البعيد، وينكث الأرض بسيفه؛ وهو يستعيد في ذاكرته مشاهد الحوار الذي لم يأتِ بنتيجة، تغمره أحاسيس شَتَّى: إحساسٌ بأن لديه الكثير من الكلام ليقوله، وإحساس بأن الوقت سيأتي ليجد من يسمعه، وإحساس آخر بأن الكلام قد فات أوانه، وولى زمانه.

سبها – 30/03/ 2010

_______________________________________

1- قائد أمازيغي بربري قاوم الغزو الإسلامي، للمزيد من المعلومات حول كسيلة: أنقر هنا.

2- هي مدينة القيروان التي بناها عقبة بن نافع الفهري.

مقالات ذات علاقة

رواية الفندق الجديد – الجزء الأول

حسن أبوقباعة

رواية الحـرز (32)

أبو إسحاق الغدامسي

رسالة 10

عائشة الأصفر

اترك تعليق