حوارات

الباحث مصطفى رجب يونس:بالبو كان الحُجّة النموذجية لتبرير ظاهرة الاستعمار

الدكتور الباحث “مصطفى رجب يونس”

ما إن تذرع شوارع وسط مدينة طرابلس، وتُبصر ما فيها من جماليات تصاميم العمارة الهندسية الشاهقة حيث ترتقي باللغة البصرية عاليا وتخاطب مفردات الروح حتى تكتشف بأنها كانت جزءا أصيلا من مشروع استعماري لإيطاليا الفاشية حاول طوال فترة وجوده على الأرض الليبية التأسيس لكيان دخيل، وذلك بطلينة بديهيات الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية لليبيين أوان ذاك الزمن، ورغم قيادة المارشال طيار إيتالو بالبو لعملية الدفع بطرابلس وليبيا لمصاف الدول العصرية إبّان فترة ثلاثنيات القرن العشرين من خلال إقامة مئات المشاريع العمرانية والزراعية والطبية والخدمية، وما نحوها بيد أن هذه المعطيات تجعلنا أكثر منطقية في تقييم ما أنجزته إيطاليا لاسيما في أعقاب القضاء على الحركة الوطنية لنضال المجاهدين الليبيين بالأ ننجر وراء عواطف الاحتفاء المبالغ فيها والساذجة أحيانا التي ربما ولَّدتها خيبات الأمل ومشاعر الإحباط والرِدة الحضارية التي نعيشها منذ ظهور ملامح الدولة الحديثة في ليبيا، لكنّ التاريخ يأبى أن يطوي صفحاته بصورة مطلقة مما يستدعي منّا إعادة قراءة جادة قوامها المنهجية العلمية وفق ما تقتضيه أدوات النقد الموضوعية بعيدا عن الحساسيات الملتهبة والتُهم المُعلَّبة بغية الوصول لفهم يحاذي المنطق ويحسم الجدل الذي مازال يشكل حجر عثرة في طريقنا نحو المستقبل، وعلى خلفيةهذه التساؤلات صدر قبل ما يزيد عن العامين كتاب باللغة العربية بعنوان (المنفى الذهبي : بالبو في ليبيا أضواء وظلال) الصادر عن منشورات دار الفرجاني للنشر والتوزيع بطرابلس. الكتاب يُعيد تسليط الضوء على حقبة محورية في تاريخنا الليبي المعاصر الأمر الذي دعاني في هذا اللقاء لاستضافة مؤلف الكتاب الدكتور “مصطفى رجب يونس”، وهو باحث وأكاديمي متخصص في شؤون العلاقات الليبية الإيطالية وتحديدا مرحلة الاستعمار الفاشستي في ليبيا صدرت له عدة مؤلفات بحثية باللغة الإيطالية في هذا الإطار وهي :- Balbo amico degli arabi. La politica di assimilazione e naturalizzazione in Libia, in A. Baravelli (a cura di), Il fascismo in persona. Italo Balbo, la storia e il mito, Mimesis, Milano 2021;

لماذا أخترت في مبحثك المعنون (المنفى الذهبي) شخصية المرشال بالبو تحديداً؟

لأنه ـ بالدرجة الأولى ـ كان يُمثل شخصية حاكم استعماري؛ وهذا يقودنا بالفعل إلى أن نسأل أنفسنا (سؤال قمنا بطرحه أيضاً أثناء ندوة عُقدت بالخصوص في مدينة بولونيا الإيطالية): كم عدد الكتب في إيطاليا التي ركزت على شخصيات الحكام الاستعماريين الإيطاليين؟ بقدر ما نعلم، لا شيء تقريباً! باستثناء كتاب: “نحو فزان” الذي ألفه رودولفو غراتسياني بنفسه مع مقدمة كتبها حاكم طرابلس وبرقة حينئذ بيترو بادوليو.لذلك ركز الكتاب على شخصية الحاكم الاستعماري؛ فكما ذكر الأستاذ أندريا بارافيللي في مستهل تقديمه للكتاب: “يمثل بالبو الشخصية الرئيسية ـ في رأيي تقريباً الممثل النموذجي شبه المثالي ـ للفاشية؛ في بعض النواحي، خاصة إذا أردنا فهم طرق عمل النظام الفاشي، وكذلك آليات إعادة إنتاج السلطة بداخله، يجب اعتبار أن دراسة متخصصة حول ايتالو بالبو مهمة؛ حتى أكثر أهمية من دراسة شخصية زعيم الفاشية نفسه بينيتو موسوليني”شخصية مُهمة تستحق الدراسة لأسباب: أولاً، بالإضافة إلى أهمية السنوات التي قضاها في منصب الحاكم العام لليبيا، كان بالبو أشهر رباعي في ماكان يسمى بيوم الزحف على روما: 28 أكتوبرعام 1922؛ ووفقاً للكثيرين، كان هو القائد الحقيقي لهذه المسيرة في وقت لم يشارك فيه قائده الأعلى موسوليني: اختبأ في منطقة كومو، مستعداً للهروب إلى سويسرا في حال لم تسرالأمور على ما يرام؛ وثانياً، مؤسس القوات الجوية (وزيرالطيران فقط في عمر 33 عاماً) وأصبح أشهر فاشي بعد الدوتشي في إيطاليا والعالم بفضل رحلاته الجوية فوق المحيط الأطلسي. باختصار، شخصية بارزة في البانوراما العسكرية والسياسية لإيطاليا الفاشية، وبالتالي، فإن تناول التوجه السياسي للحاكم الفيراريزي في ليبيا، جعل من الممكن توضيح، على الأقل، العديد من الجوانب التي كانت مجهولة لدى الكثيرين (تجاهلها الآخرون طوعاً)، خاصة في إيطاليا. وفي الوقت نفسه، على وجه التحديد لمنع أخذ قائمة الأشياء التي حققها حاكم طرابلس اليد العليا، حاولنا دائماً أن نُبقي اهتمامنا عالياً على مخاطر أو مجازفة الوقوع في سيرة قديسة واضحة لها، خاصة وأن هذه المخاطر أو المجازفة هي موجودة دائماً خلف الزاوية وخاصة بالنسبة لأولئك الذين ولدوا في ليبيا، تماماً مثل مؤلف هذا الكتاب.

هل تعيين موسوليني لبالبو حاكماً لبالبو كان بداية تدشين مرحلة طلينة ليبيا بالكامل؟

يمكن القول بأنه رغم محاولات إخفاء هذا الجانب فإن عمل إضفاء الطابع الإيطالي (الطلينة) على الليبيين كان على مايبدو من بين أحد أهداف سياسة ابن مدينة فيرارا، شأنه في ذلك شأن كل الحكام الإيطاليين الذين سبقوه، ولاسيما من خلال بوابة المدارس الإيطالية؛ فمن وجهة نظر سياسية، كان من شأن هذه المؤسسات أن تكون أدوات للانضباط الأيديولوجي المفيد لتوطيد النظام الفاشي أولاً ومن ثم تمرير سياسة الطلينة وتشجيع التعاون بين الإيطاليين وعرب ليبيا، أو على الأقل بين أولئك الذين كانوا على استعداد للتعاون. في الحقيقة، إن افرازات هذه السياسة البالبية كان من الصعب لمسها بشكل جلي وواضح بين شريحة واسعة من الليبيين، ومرد ذلك ربما يرجع إلى طبيعة المجتمع الليبي ذو الطابع المحافظ.


كيف يمكننا بموضوعية تصنيف تلك الحقبة من تاريخ ليبيا؟

بعيداً عن المعتقدات المختلفة والشائعة حول هذه الحقبة التاريخية، يمكن القول بأنها من أهم وأبرز الحقب السياسية التي عاشتها ليبيا خلال تاريخها المعاصر؛ يكفي فقط الإشارة ـ على سبيل المثال ـ إلى الحدثان المهمان للغاية اللذان كانا لهما الوقع الكبير في تاريخ هذا البلد الواقع في شمال أفريقيا خلال إدارة ايتالو بالبو: أولاً، بعد أن تم توحيد إدارياً المستعمرتين الإيطاليتين ـ هكذا كان وضعهما القانوني ـ برقة وطرابلس بموجب المرسوم الملكي التشريعي الصادر يوم: 3 ديسمبر 1934، اتخذ هذا البلد رسمياً اسم ليبيا؛ ثانياً، أضحت من الناحية الرسمية الأقاليم الليبية الساحلية الأربع: طرابلس، ومصراتة، وبنغازي، ودرنة جزءاً لايتجزاء من إيطاليا وذلك من خلال المرسوم الملكي التشريعي رقم 70 الصادر يوم: 9 يناير 1939؛ ولكن إذا لم يكن هناك شيء آخر ـ نتحدث هُنا عن النقطة الثالثة ـ، فهي على الأقل كانت (ليبيا بالبو) مسرحاً ـ وإن جزئياً ـ فاعلاً لأحداث الحرب الكونية الثانية التي ساهمت بالإطاحة الفعلية بالدكتاتورية السلطاوية و مهدت لتلك: POSTCOLONIALE.

هل كان المشروع الاستعماري الإيطالي لليبيا مشروعاً استهدف محو وطمس الهوية الوطنية والعقائدية لليبيين؟

لاندري بالضبط إن كنت تقصد بسؤالك مشروع الحاكم بالبو أم المشروع الإيطالي بشكل عام؟ على أية حال، عندما تحتل دولة بلد أخر بالقوة، فمن الواضح أن أول أعمال العنف التي ترتكبها هي جسدية؛ هذا يمكن قراءته بسهولة. ولكن، ثمة نموذج آخر، أكثر سلبيةً وخفيةً، وهو ما يحدث عندما تحاول دولة الاحتلال فرض نماذجها الثقافية الخاصة على هذا البلد المُحتل، والتي يُنظر إليها دائماً على أنها “متفوقة” لأنها أكثر تقدماً وحداثةً، وبالتالي فهي غالباً ما تكون موضع خشية واحترام. وهذا الشيء أيضاً يمكن اعتباره شكل من أشكال العنف وقد كشف عنه المراقبون التاريخيون على نطاق واسع، على الرغم من كونه أكثر إخفاءاً أو أقل وضوحاً من الأول. إلا أن هذا الأمر قد لا ينطبق كلياً على ولاية بالبو في ليبيا؛ فهي بالتأكيد معادلة اختزالية ولا تستجيب إلا جزئياً لمدى تصرفاته والوضع الداخلي لليبيا في الفترة التي حكم فيها هذا البلد؛ خاصة إذا كان التحليل الذي أجراه الكاتب، كما في حالة هذه الدراسة، يحاول أن يُبين، على أساس عناصر مختلفة، ما الجديد الجذري ـ مقارنة بفترة الاستعمار الإيطالي التي سبقت هذه الحقبة ـ الذي تمكن الطيار ابن فيرارا من تحقيقه في هذا الجانب الحساس. وحول هذه النقطة الأخيرة، يمكن الاستدلال هُنا كيف حاولت “المدرسة الفكرية الاستعمارية البالبية” إعطاء صورة دعائية لتاريخ الاحتلال الإيطالي في ليبيا، كونه مستعمر يحترم عادات ومعتقدات الأخرين، وهي ماتكون غالباً الحجة النموذجية للمستعمرين لتبريرظاهرة الاستعمار؛ فالرجل كان حذراً جداً بل وماهراً تجاه هذه القضية الحساسة؛ فهو كان يعي جيداً أن العامل الديني يمس المناحي الروحية والمعنوية والأخلاقية والثقافية داخل المجتمع الإسلامي، ولاسيما الليبي ذات الطابع المحافظ؛ وبذلك يمكن القول بأنه أراد تجنب حدوث احتكاكات قد تحصل بين المضامين الحقيقية للثقافة الإسلامية والمطالب السياسية والأيديولوجية التي تنادي بها الفاشية. لذا، كان بالبو مهتماً، في كثير من الأحيان شخصياً، بإظهارحرية دينية واستقلالية قضائية ومؤسساتية كان يراها البعض بأنها زائفة وباهتة، ممنوحة “بشكل ممزوج بخليط من الدعاية والتضليل” من قبل المستعمرين. بعاجالة، إن الاستنتاج الجزئي الذي يمكن الوصول إليه قبل الاستمرار في الإجابة عن باقي الأسئلة، هو إن الحاكم الفيراريزي من خلال اللعب بهذه الورقة “السخية” كأنه أراد استنساخ التجربة الإنجليزية: أقصى قدر من الديمقراطية على السطح، وبصمة قوية مهيمنة في أعماق المنظومة أو النظام.


أيمكننا القول بأن بالبو هو باني ليبيا الحديثة؟

بدأت هذه الفرضية في السنوات الأخيرة تطفؤعلى السطح، وصارت بؤرة النقاش في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، من قبل العديد من الليبيين بمختلف انتمائتهم؛ في الحقيقة لايمكن الجزم بهذا الأمر؛ ولكن بكل تأكيد بالبو كان له دور بارز في تأسيس مستعمرة قوية وحديثة قادرة على منافسة ـ ولو جزئياً ـ ما حققته إنجلترا في مصر وفرنسا في مستعمراتها، وخاصة في تونس والجزائر؛ ولايبدو جانب المبالغة له حيزهُنا إن قلنا بأن ليبيا تحت إدارة ايتالو بالبو ـ إذا أخدنا في عين الاعتبار كم التغيرات التي عاصرتها البلاد أثناء فترة حكمه، ولاسيما على الصعيدين القانوي الإداري وكذلك المعماري ـ أضحت تمتلك معالم ذات دولة حقيقية؛ كما لا يمكن أيضاً أن نستبعد تماماً فرضية أن بالبو عند وصوله لطرابلس اعتبر نفسه أرقى من أن يكون حاكماً لمستعمرة بائسة، مقارنة مع المستعمرات الأوروبية آنفة الذكر؛ ويبدو أنه كان يعرف سبب نفي موسوليني له بعيداً عن روما، ولم يكن أمامه حينئذ إلا أن يحول هذا المنفى إلى منفى ذهبي، ويجعل عاصمة ملكه طرابلس تضاهي روعة وجمال روما موسوليني.يمكن القول ـ سواء شئنا أم أبينا ـ أنه بعد أن كانت ليبيا، كما يمكن للمرء أن يتخيل، “دولة متأخرة للغاية”، ليس فقط بالمقارنة مع العالم الغربي، ولكن أيضاً إذا تم مقارنتها فقط مع المستعمرات الأوروبية المجاورة سالفة الذكر، اتخذت في ظل ولايته بالفعل خطوة أو قفزة هائلة إلى الأمام نحو التحديث؛ من خلال سياسة بالبو، والاعتمادات الكبيرة التي خصصها النظام الفاشي، وقبل كل شيء، بفضل حالة التوازن الداخلي المستقرة بأعجوبة، شهدت ليبيا تجديداً واسع النطاق لدرجة أنه حتى اليوم لا تزال آثار عملية التحديث هذه موجودة وملموسة في ليبيا، ليس فقط على المستوى المادي: الطرق والمباني وهياكل البناء والحفريات الأثرية، والجانب الزراعي وما إلى ذلك، ولكن أيضاً على المستوى القانوني والإداري.

يفترض البعض حُسن نوايا بالبو تجاه ليبيا إلى ماذا يُعزى هذا الأمر؟

إن ما بدا جديداً بشكل خاص لمؤلف الكتاب أن بعض القوى الاستعمارية في كثير من الأحيان قامت بتنفيذ عملية إخضاع أكثر تعقيداً، أي إعطاء مستعمريها الحد الأقصى من حيث التشريعات والإصلاحات والرعاية الصحية والبنية التحتية، وما إلى ذلك، بهدف الحصول بشكل نهائي على تأيدهم وتعاطفهم. إن طريقة العمل هذه، والتي بصراحة لم يتم ممارسة تفكير وتأمل الكاتب فيها بشكل كافٍ، تخفي في الواقع مناورة سياسية ذكية للغاية تهدف إلى ضمان عدم تمرد المستعمرة وقبول المسيطر باعتباره “فاعل خيّرحقيقي”. ربما كان هذا هو بالضبط ما حدث في ليبيا تحت حكم بالبو؛ حيث كان من شأن التقدم الهائل الذي تم إحرازه في المستعمرة أن يكون وسيلة لكسب امتنان الشعب، وضمان الطاعة، والتوافق مع النخبة السياسية والقدرة على التصرف دون إزعاج في الخطة الاستعمارية (الاستيطان) للسيطرة والهيمنة. كان هذا هو “الاكتشاف” الأكثر إثارة للاهتمام الذي شعرمؤلف هذا الكتاب أنه قام به بمجرد وصوله إلى إيطاليا وحالما اقترب من النقد التاريخي الغربي،وأخيراً، حتى إذا أردنا الاعتقاد ـ كما أشرنا أعلاه ـ بأن موسوليني أراد فعلاً إبعاده من روما، ومع ذلك، سمح هذا الأمر لبالبو بتحقيق، إن لم يكن نفس النجاح الذي حققه كطيار، على الأقل السمعة كحاكم ممتاز لأهم مستعمرة إيطالية في أفريقيا. وبالتالي، لم تكن الإصلاحات والعمل على تحسين ليبيا تهدف إلى تحسين المستعمرة فحسب، بل كانت في الواقع تصبو أيضاً إلى زيادة هيبة وشهرة الحاكم الفيراريزي وموسوليني والفاشية في أوروبا والعالم بأسره (التاريخ يُعيد نفسه هُنا!)؛ أي كون الأستعمار الفاشي استعماراً حديثاً ومتطوراً أكثر خيراً ووداً.

مالذي واجه مشروع بالبو من عقبات؟

من المؤكد بأن بالبو، ومن الناحية السياسية والعسكرية ـ وعلى عكس أسلافه ـ، وجد نفسه في محيط هاديء للغاية، الأمر الذي كان عاملاً مساعداً في تنفيذ العديد من المبادرات والخطط التي روج لها؛ ولكن في المقابل كانت هناك ـ بدون شك ـ العديد من الصعاب والعقبات التي أعترضت مسيرة مشروعه الإصلاحي ـ إن صدق الوصف ـ في المستعمرة؛ في واقع الأمر، كان ابن فيرار ينوي أن يعمل ـ وإلى حد ما ـ بشكل مستقل في مهمته الجديدة في ليبيا، وأن لايكون خاضعاً تماماً أو بالأحرى بالشكل المطلق لأوامر قائده الأعلى: موسوليني. ولكن من خلال القراءة المُتأنية لردود فعله كان من الصعب استنتاج بأنه كان هناك بالفعل تمرداً واضحاً بدر منه تجاه (il duce) الدوتشي: زعيم الفاشية، ولاسيما فيما يتعلق بالخيار العنصري الذي اتخذه النظام الفاشي والذي تبلورت صوره بوضوح في الوقوف إلى جانب إلمانيا النازية؛ ومن المؤكد أن الرؤية الأكثر إشكالية لهذا الأمر ظهرت عندما قام المجلس الفاشي برفض، وبالاجماع، مقترحات بالبو بخصوص قانون التجنيس للمستعمرة الشمال إفريقية (منح الجنسية الإيطالية الكاملة للمواطنين الليبيين، بمافي ذلك اليهود)، والذي رأى فيه جُل قادة الهرم الفاشي بأنه تناقضاً واضحاً مع السياسة العنصرية أو بالأحرى لقوانين نورمبرغ العرقية الصادرة: عام 1935. وبذلك، فقد رأينا كيف أن بعضاً من مبادارات ومقترحات حاكم طرابلس كانت مقتصرة أو مؤطرة ضمن حواجز فرضها النظام الفاشي وزعيمه الأعلى.

لماذا أصبح الحديث عن مرحلة حكم بالبو وإيطاليا مشحونً بالحنين والاحتفاء من قبل شرائح متعددة داخل المجتمع؟

ربما لسان حال البعض هو أن من يذهب إلى ليبيا منذ سنوات طويلة ومن يعيش فيها لا يزال بإمكانه ملاحظة شيء يعود إلى عهد الاستعمار الإيطالي: المراكز الزراعية، الأجزاء المتبقية من الطريق الساحلي، القصور، المباني، المستشفيات، الفنادق، الحفريات الأثرية، إلخ. إن العمل في الميدان نفسه الذي ولد فيه الحدث قيد النقاش واكتمل، كان يعني لمس ورؤية وسماع أشياء كثيرة لا تزال موجودة في الواقع، في الوثائق وفي ذكريات الشهود. كان ذلك يعني التنفس بشكل مستمر من هذا المناخ ـ كيف يمكننا التعبير عنه؟ البصمة الإيجابية التي لا تزال سائدة لعمل بالبو وللإيطاليين بشكل عام؛ على الرغم من أنها ولدت من الرغبة في السلطة والشهرة ـ وهذا شي طبيعي حاله في ذلك حال كل حكام العالم وإن اختلفت درجات التصنيف ـ لرجل قاد مع موسوليني إيطاليا بنظام سلطوي شمولي. هذه التفاصيل، التي يمكن أن تكون مفاجئة أو غير سارة هُنا في ليبيا بل وكذلك في إيطاليا، ولكنها واقع حتمي لامناص منه ولا يمكن إلا أن يكون له وزنه عند استخلاص استنتاجات التحليل التاريخي، وبما أن هذا الرجل (بالبو) ينتمي إلى أحد أكثر الأنظمة “المكروهة” والمثيرة للجدل في التاريخ، فمن المنطقي أن يميل ميزان التحليل إلى الأسفل بالتأكيد. قد يبدو واضحاً أنه في حالة الرواية الاستعمارية لليبيا، أي بلد خضعت بالفعل لعقود من الزمن للعثمانيين ثم تعرضت لضربة شديدة من قبل المحتلين الإيطاليين الجدد، سواء من الناحية العسكرية أو الإنسانية أو الاجتماعية، إلى درجة أن يصبحوا تدريجياً مجردين من شتى أنواع وسائل الدفاع، فإن الصورة العامة للتحليل التاريخي أصبحت بالفعل غير مواتية وسلبية بشكل واضح منذ البداية؛ وبالتالي، سيكون من المنطقي والطبيعي أن نتوقع من هذا العمل (الكتاب)، بالإضافة إلى إدانة واضحة وصريحة للفاشية بشكل عام والفاشية الاستعمارية بشكل خاص، انتقاداً سلبياً أيضاً لبالبو وسياسته الليبية، باعتبارها “مفرزات” ناتجة عن الأيديولوجية الشمولية الفاشية الاستعمارية؛ وبالتالي خاطئة أو مشوهة بغض النظر، أو على الأكثر، بالنسبة “لكاهن فاشي”، رجل قوي من نظام موسوليني، يمكن للمرء على الأقل أن يتوقع تعليق الحكم مع إضافة العديد من التحفظات؛ ولكن هذا ليس هو الحال، أو على الأقل ليس هكذا تماماً.في نهاية المطاف، ينبغي علينا الإشارة إلى هذا التحليل أو بالأحرى الاستنتاج الذي يبدو منطقي وأكثر واقعية: الليبيون اليوم (وليس كلهم بطبيعة الحال) منقسمون حول هذه النقطة: فهناك البعض، بغض النظرعن اعترافهم بوجود جزء «مستنير» في الفترة التاريخية المدروسة، يتفاعل مع هذه الفترة بعين الفضول والتحفظ؛ البعض الأخر يقوم بتفضيل هذه الحقبة التاريخية عن غيرها؛ في حين تذهب ثُلة ـ ومن وجهة نظرنا هم قلة ـ بعيداً إلى حد التمجيد والإشادة بهذه الفترة بل وتمني عودتها؛ وأخيراً، هناك شريحة ترى في بالبو مستعمراً غاصباً، وأن السياسة التي نفذها على الأراضي الليبية ماهي إلا محاولة لتبرير الاستعمار والتغطية على السياسة العدوانية التي ارتكبها سلف بالبو، الجنرال غراتسياني.

هل ماعاشه الليبيون في المراحل اللاحقة من خيبات جعلتهم يغيرون نظرتهم للمستعمر؟

إن صياغة رأي أو إبداء ملاحظات حول موضوع أو شخصية أو حقبة معينة، بطبيعة الحال، لا يعني وضع “حكم نهائي” لهذا الموضوع؛ لا ينبغي بالتأكيد فهم أي اعتبارات تصدر من هُنا وهُناك على أنها حقائق مُطلقة، أو، الأسوأ من ذلك، تفسيرها على أنها كذلك؛ حكم لا لبس فيه ولا جدال فيه. لذا، ينبغي إدراج المعتقدات التي تتراكم حتماً في سياق الأفكار الشخصية، وبالتالي تخضع لمزيد من التحقق أو التوضيح، ولكن من الناحية المنطقية، لم يغيب عن بالنا أبداً الافتراض القائل بأن كل قوة أجنبية، عندما تستولي بالعنف على أرض ليست مُلكاً لها لأغراض الحرب، من منطلق وهم القدرة المُطلقة، عليها أن تُعيد توازنات السياسة الخارجية، بحيثُ لا تكون أقل شأناً من الدول “المتحضرة” الأخرى أو حتى لأغراض دعائية فقط، لا يمكن أبدا أن تبرأها محكمة التاريخ نهائياً. إن السلطة (أي كانت) التي تسيء استخدام حريات الآخرين يجب إدانتها دون استثناء، وسيظل الحكم عليها سلبيا دائماً، بغض النظر عن مزاياها المحتملة. ومع ذلك، إذا قامت أي دولة (لنقول أجنبية)، على الرغم من انتهاكها الصارخ لمبدأ قدسية سيادة القانون واحترام سيادة الآخرين، باحتلال بلد آخر بالقوة، ولكنها تحكمه، بالتزام كبير وجدية ومستنيرة، حتى لو كان ذلك بعد نظر جزئي، فإن الحكم السلبي ـ من قبل هؤلاء الذين أشارت إليهم ـ يُخفف بالضرورة؛ وبينما تظل الفروق الضرورية دون تغيير، لا يمكن للمرء أن يفشل في إدراك الجانب الذي يمكن أن تجلبه الحضارة “الأخرى” إلى السكان الذين أخضعتهم بشكل تعسفي.نحن لسنا مُجبرين بأي حال من الأحوال أن نبرر وصمة الاستعمار(بما في ذلك المُستعمر المحلي)، ولا ننكر ما سبق أن ذكرناه، وهو أنه كلما كانت السياسة الاستعمارية أكثر استنارة، كلما بدا خدر الضمائر أكثر غدراً؛ ومع ذلك، لا يمكننا حتى أن ننكر ذكر ما خلقته الظاهرة الاستعمارية، بالتأكيد في المناطق الخاضعة للسيطرة، بطريقة رصينة وموضوعية يمكن أن يساعد في إلقاء بعض الضوء حتى في أحلك المراحل وأكثرها سواداً في تاريخ البشرية. علاوة على ذلك، فحتى الأحداث التاريخية الأكثر فعالية وإيجابية، غالباً ما يكون لها جانب مرير ويصعب قبوله. مجرد التفكير فقط في مايحدث اليوم ـ ومع مراعاة ما يقتضيه اختلاف الحال ـ، مع ما يسمى بـ “بعثات السلام”؛ ففي كثير من الأحيان، على الرغم من أنها تنشأ عن نوايا ليبرالية وإنسانية ـ على ما يبدو ـ، فإنها تتسبب في سقوط آلاف الضحايا، وتسبب اختلالات سياسية كبيرة (فكر في العراق أو أفغانستان)، وتخلف وراءها الدمار والركام.

ماهي صحة حقيقة أن موسوليني له ضلع مباشر في حادثة سقوط طائرة بالبو؟

تجربة بالبو في ليبيا، انتهت بشكل مأساوي في:28 يونيو 1940، بمقتل الحاكم الإيطالي أثناء الطيران، والذي قُتل عن طريق الخطأ بنيران إيطالية مضادة للطائرات في المرحلة الأولى من الحرب العالمية الثانية؛ المؤلف يونس لا يؤمن بشبهات القتل العمد: “كان حادثا عشوائياً عرضياً”. ومع ذلك، كان لبالبو العديد من الأعداء في إيطاليا؛ وأيضاً لأن شهرته زادت في ليبيا، حيث كان يتصرف ك”ملك أو سلطان” من خلال دعوة عديد الشخصيات والصحفيين من جميع أنحاء العالم إلى حفلات ألف ليلة وليلة في مقراته الفخمة.

ماهي مشاريعك المستقبلية؟

بدون شك هناك الجديد؛ هذه ليست سوى البداية؛ والقادم أفضل إن شاء الله.

كلمة أخيرة:-

كل الشكرموصول لكم على هذه الاستضافة؛ لقد كان من دواعي سروري إجراء هذه المقابلة معكم.
نتمنى لكم التوفيق والنجاح الدائم في عملكم: Buon lavoro!

مقالات ذات علاقة

الشاعرة الليبية كريمة الشماخي أكتب حتى لا أموت غماً وهماً

المشرف العام

الدنقلي متورط فى مصطلح المحكي

المشرف العام

مقابلة خاصة مع الكاتب والروائي والقاص الليبي/ أحمد نصر

المشرف العام

4 تعليقات

د. نورالدين سعيد 8 مارس, 2024 at 21:44

ترجمت مجموعة من الكتب قيد النشر، عن الإيطالية، بس يا جماعة والله المثقفين الطليان يبدو أنهم أكثر غيرة منا في إظهار حقيقة هذا الاستعمار البشع والمريع، كأوسخ استعمار شهده تاريخ القرن العشرين بشهادة الطليان أنفسهم، والقول أننا نتحدث بعاطفة فهذا اسأل عنه من كتب عن الاستعمار من الطليان أنفسهم، والذي كان خجلهم واضح من العار الذي حققته إيطاليا الفاشية بالذات، من معسكرات التعذيب والإبادة والتهجير القسري، والقتل العمد، وإهانة النساء واغتصابهن أمام أهلهن، هذا الاستعمار الذي يبدو وكأننا اليوم نصفق له ونتأسف عن عدم عودته، فماذا بعد، وإلى أين تريدوننا أن نذهب بالضبط، وكيف تريدوننا أن نسكت، بالله عليكم؟؟؟؟؟

رد
المشرف العام 9 مارس, 2024 at 16:35

نشكر مرورد الكريم دكتور نورالدين
ونشكر ما أبديت من ملاحظات

رد
د. نورالدين سعيد 8 مارس, 2024 at 21:51

بالنسبة للكتب عن الاستعمار الإيطالي، كثيرة وليست نحو فزان فقط، ومنذ الثلاثينات كتب عن الاستعمار في ليبيا، كثيرون، يصعب حصرهم هنا، ولعل من أبرزهم آنجلو ديل بوكا الذي ملأ الصحف الإيطالية بالكتابات عن ليبيا، إضافة إلى كتبه الطليان في ليبيا 3 أجزاء، والطليان في شرق أفريقيا، وكتب عن معركة قصر بوهادي ، القرضابية كتاب جميل جمع فيه حقائق لا تحصى وهو قيد الترجمة الآن وكتب أخرى عديدة، مع كل التقدير

رد
المشرف العام 9 مارس, 2024 at 16:36

نشكر مرورد الكريم دكتور نورالدين
ونشكر ما أبديت من ملاحظات

رد

اترك تعليق