سرد

مقطع من رواية: سيد الخذلان!

كوثر بادي

رواية (سيد الخذلان) للكاتبة كوثر بادي
رواية (سيد الخذلان) للكاتبة كوثر بادي

بمجرد أن توارت زينة عنه خلف أحراش النخيل.. وبدأ بالانحدار إلى أسفل الوادي.. متخذاً طريقاً مقفراً موحشاً.. متجنباً قطاع الطرق.. حتى ظهر له فجأة من خلف السراب.. شبح فرناندو.. كان يرتدي برنساً مغربياً وقد بدا شعره المائل إلى الشقرة غريبا مع بشرته الم

شربة بلون القمح وعيناه بلون اللوز.. حين تحدث فضحته لكنته وأدرك يحي أن الرجل غريب قادم من أرض بعيدة.. وإن كان يجاهد لأن يبدو من أهل الديار.

كان فرناندو هو الآخر مضطرباً مذعوراً.. يتلفت من حوله طوال الوقت، فغمره الفرح حين عرض عليه يحي أن يكون دليله في القفر الموحش.. سارا معا على طول الوادي اليباب.. كانت الأرض عطشى.. تشققت من طول انقطاع المطر.

عز عليه مغادرة الواحة.. وقد خلف روحه وراءه.. قبل أن يتابع الرحيل صحبة فرناندو.. ارتقى الصخرة الرابضة شمال الواحة.. لاحت له أشجار النخيل.. وبدت له قلعة الوالي تعلوها الأبراج.. خمّن أنها قد تكون وصلت الآن إلى القلعة.. وربما تقف خلف احدى تلك الفتحات تراقب مدخل الواحة وتفكر فيه.. استغرق في اوهامه قبل أن ينتبه على صراخ فرناندو أسفل الصخرة.. وهو يحثه على الاسراع بالرحيل.

 لاحت أمامهم سلسلة جبال سوداء.. تعكس بظلالها على الكثبان الرملية فتبدو كأشباح عملاقة ترقد على الرمال.. أخبره فرناندو اثناء المسير أن سكان الواحة يزعمون أن الجنون هم من بنوا هذه الجبال لتحميهم من غزوات البدو.. حيث تبدو السلسلة الجبلية من جهة الشرق وكأنها ملتصقة.. فلا توجد بها أي منافذ أو أودية.

كان يجهل الصحراء تماما.. كيف استطاع أن يقنع فرناندو أنه دليل يعتمد عليه.. ربما لأنه قضى عدة أشهر برفقة قطاع الطرق يتنقل معهم عبر الفيافي.. لكنه الآن يقف حيراناً وسط مفازة قاحلة لا يدري أي المسارات فيها يمكن أن توصلهم إلى بقعة تزخر بالحياة.

بعد مسيرة أيام انتهى بهم المسير إلى أرض صخرية خالية من الأشجار.. إلا من جذوع أشجار متحجرة.. وحجارة ملساء مستديرة كبيرة الحجم مزروعة على عرض الوادي.. وبدا شكلها غريبا.. وفكر.. قد تكون جرفتها سيول من القرون الغابرة.. وتذكر قصة النبي نوح عليه السلام التي روتها له الجدة.. والطوفان العظيم الذي غمر الأرض منذ الأزل.. وفي الوادي السحيق.. صادفتهم صخور تحوي على عدد كبير من الأصداف والمخلوقات البحرية المتحجرة.. حدق مندهشاً في سمكة صغيرة ملتصقة بحجرٍ أملس.. تساءل في حيرة.. هل كان البحر هنا يوما؟! أم أنها آثار الطوفان العظيم.

 اكتشفا البئر أخيرا.. خلف القلعة القديمة.. قاما بإشعال النار بعد بحث مضني عن بقايا جذوع قابلة للاشتعال.. أغلب الجذوع  متحجرة.. وهالته ضخامتها.. وتساءل مندهشا هل يمكن أن تكون هذه الفلاة عامرة بالغابات الخضراء في الماضي السحيق..؟ 

بدت له القلعة المهجورة تحت جنح الليل موحشة وتثير في النفس الرهبة.. وأمضيا الليل فوق تل ينتشر حوله عدد لا يحصى من القواقع وبقايا المتحجرات البحرية.. استلقى على ظهره يراقب صفحة السماء المذهلة.. وقد رصعت بعدد هائل من النجوم.. تشكلت مجموعة كبيرة منها على صورة وجه بشري.. وللحظات بدا له الوجه مألوفاً.. مر وقت قصير قبل أن يستغرق في النوم.. ترافقه أحلام زاخرة بالنجوم والقواقع البحرية.. وبوجه زينة ابنة الوالي.

في الصباح تابعا المسير.. بعد أن قاما بملء قرب الماء على أمل أن تكفيهم حتى نهاية الرحلة.. رغم أن المفازة المقفرة تبدو له بلا نهاية.

صادفوا في طريقهم مقبرة قديمة.. كانت القبور مفتوحة وقد جعلت فيها الجثث بوضعية الجلوس.. وخمّن أن اللصوص هم من قاموا بنبشها بحثا عن الكنوز الدفينة.. كانت العظام مبعثرة.. واقشعر بدنه حين تعثر ببقايا جمجمة متحجرة.. وهو يحدق في محجري الجمجمة المطفئتين تساءل عن صاحبها.. في أي زمن عاش وقضى.. وكم حمل هذا الرأس البائس من أوهام.. انقبضت نفسه ورائحة الموت تنتشر من حوله.. وتناهى له العويل الموحش.. فتبادل نظرات الفزع مع فرناندو.. كان كلاهما يفكر.. هل هذه أصوات الرياح تنعى مصيرهما ؟ أم هو عويل الجن من شرفات الجبال المسكونة..؟!.

كان فرناندو يتوقف بين الفينة والأخرى.. يخرج قرطاسا يسجل فيه بقلم ودواة يحملهما معه في جرابه.. حاول يحي في بعض المرات أن يتطفّل عليه دون جدوى.. كان حريصا على أن لا يرى ما يكتب رغم أن يحي ادّعى أمامه بأنه لا يقرأ! وسأله ذات ليلة عما يكتب فرد عليه باقتضاب بأنه يدّون مشاهداته من اجل أن يودعها في كتاب يوما ما.

توقف فرناندو فجأة وتلفت من حوله بنظرات يائسة.. وقد احمرّت عيناه وشارف على البكاء.. قبل أن يصرخ فيه محتجا:

– عليك أن تعترف لقد ضعنا.؟!

لم ينكر.. لاذ بالصمت وتابع المسير.. تجاهل صراخه من خلفه.. ثمة صوت من  داخله يدعوه للمشي.. ثم الهرولة.. والركض.. وقفز سؤال إلى ذهنه فجأة.. لو كانت معه خريطة..؟!

لم يدرك ما لذي جعل هذا الشيء (الخريطة) يقفز إلى ذهنه حتى تذكر تلك الحادثة القديمة.

كان يُقلّب في صندوق الجدة.. مناديل مطرّزة.. سجادة صلاة.. عطور تعبق بها زوايا الصندوق.. أوراق قديمة.. مفتاح صدئ.. ثم الكتاب.. حين أخرجه من الصندوق وقعت منه لفافة مخفية داخل قطعة قماش.. فتح اللفافة وحدق فيها بعدم فهم.. كانت تشبه المتاهة.. قالت جدته حين لاحظت نظرته الحيرى:

 “هذه خريطة غرناطة”   

 ومع آخر كلماتها انحدرت من عينيها دمعة.. وتنهدت بحزن:

“هذا نهر حذرو.. وهذه تلّة البيازين.. وتلك التلّة المقابلة لقصر الحمراء”

مسحت دموعها تتابع بصوت مفعم بالشجن:

 “هناك سوق القيصرية”           

وضحكت كطفلة:

“كنا نتسابق بسلالنا إلى السوق من يملأ سلته أولا”    

لتتنهد أخيرا.. و تحدق في الفراغ بنظرة خاوية:

 “وهذا ميدان الرملة حيث شنقوا الناس وأحرقوهم وسلخــ…”

ثم توقفت ولم تكمل شفقة به.. لكنه أدرك من نظرة الفزع في عينيها أن ما رأته وهي طفلة مروع.. مروع جداً.

استمر بالركض لساعات حتى غلبه الاعياء وانهار على وجهه.. كان يحاول النهوض حين تناهت له صرخات فرناندو الهستيرية.. وكما الحلم.. برزت أمامه وسط السهول القاحلة بساتين غرست بها أشجار البرتقال والليمون والرمان..!! وصرخ غير مصدق:

– هل نحن في الجنة..؟!

لكن فرناندو صرخ بجنون :

– بل نجونا


مقالات ذات علاقة

فصل من “الرسام الانكليزي”

رزان نعيم المغربي

عشري بن حشري آه يا كسري

خالد درويش

رواية الحـرز (4)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق