سرد

أصدقاء

من أعمال التشكيلية مروة التومي

خلال الخمس السنوات الماضية خسرت الكثير من الأصدقاء.. حدث ذلك دون أي مواجهات أو عداوات أو جهد يذكر.. تركتهم يذهبون فحسب بينما كنت أنظف عدة الصيد على الشاطئ والتي اكتشفت للتو بأنها فسدت تماماً ولن يجدي للأبد اصلاحها وأني سأبقى هكذا على الشاطئ كالأبله وأنا أتخيل الأسماك التي كان من المفترض أن أصطادها..

ما عاد بإمكاني التشبث بشيء تذكرت ذلك فجأة. فكرة الثبات نفسها ما عادت بالنسبة لي مفيدة أو ضارة.. إنها تبدو كمجرد فكرة ساذجة لا غنى عنها.. كفكرة الإقلاع عن التدخين من أجل صحتك.. كفكرة فقد الأشجار لأوراقها في أشد الفصول احتياجاً لها.. كمعادلة رياضية منطقية وموزونة وصحيحة بشكل مدهش ومع ذلك نتيجتها الحتمية الى المالانهاية هي الصفر..

 يبدو أن في نهاية الثلاثين يزداد وقتك ثمناً.. ليس لأنه ثمين بطبيعة الحال كشيء تفتخر به كالإنجازات والأمجاد.. لا.. إنه ثمين لأنك ما عدت تمتلك الكثير منه.. لم يعد هناك الكثير لتضيعه على سخافات الاخرين الوقت المتبقي بالكاد يكفي لسخافاتك.. كسلك.. واشمئزازك الدائم من العالم. حتى أنه أحيانا تكتشف بأنك ما عاد لديك حتى القوة لكره أحد.. الكره يحتاج لطاقة جبارة لاستجلابها تستبدلها بسهولة بنوع من اللامبالاة الحادة.. لأن اللامبالاة منتوج خام.. عشب بري يتكاثر داخل كهفك لا يحتاج إلى التركيز أو إلى مد يدك لتلتقطه..

 في نهاية الثلاثين يمكنك قتل حتى أحبابك إن أصروا على الاستمرار في إصدار الطنين الذي يصدره الذباب والبعوض..  ليس لأمر شخصي.. إنها ظروف المرحلة.. متطلبات النمو الى الداخل.. اضطرابات الخروج من حقبة والدخول في أخرى.. مقدمات ومستلزمات الموت هانئاً على الأريكة..  تشعر أن هذه هي مسئوليتك الجديدة.. إبعاد كل صوت سيعكر صفو صمتك الابدي فيما بعد..

 إنها ليست النهاية الطبيعية الدرامية للكائنات الحية.. بل هي استجلاب كل الملفات المتراكمة عليك.. ووضعها فوق الطاولة ثم تقديم استقالتك بكل هدوء مفجع.. وترك المهمة للغبار والنسيان لأرشفة كل تاريخك القديم.. وبعكس المقابر الممتلئة بالنشاط والحيوية تصير من الآن وصاعداً تذكر الوجوه وتنسى الأسماء. تبدأ بإنشاء مكتبتك الخاصة من الروائح ونبرات الأصوات.. تقلب طفولتك الرتيبة علك تعثر على ما كنته.. فبعد كل هذه السنوات لابد أن الخرائط تغيرت.. وأدواتك القديمة ما عادت تصلح لقياس الأزمنة الجديدة.. وأن الأشياء انزاحت عن اماكنها الأصلية.. لابد أنك قطعت مسافة لا بأس بها لتشعر بكل هذا التعب المبهم.. تصير لغتك اليومية قاحلة.. بلا شغف.. مثل صحراء ما عادت تكترث لمعنى كلمة ماء.. منهك ومباد وتلمع كالانقراض.. تطفو داخل القيعان البعيدة.. مزدحم بالنجوم المنطفئة.. تقفل أبوابك بإحكام ثم تقف خلف النافذة وتفكر أنه قد يكون حقاً الله يجلس على عرشه في السماء الآن لكن كل شيء ليس على ما يرام هنا في هذا العالم.

مقالات ذات علاقة

رواية الفندق الجديد – الجزء الأول

حسن أبوقباعة المجبري

أين تهرب هذا المساء؟

نجوى بن شتوان

رواية الحـرز (2)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق