قراءات

على هامش كتاب الخلافات السياسية بين الصحابة لمحمد بن المختار الشنقيطي

هشام الشلوي

كتاب (الخلافات السياسية بين الصحابة) لمحمد بن المختار الشنقيطي
كتاب (الخلافات السياسية بين الصحابة) لمحمد بن المختار الشنقيطي

انتهيت في الثلاثة أيام الأولى من شهر رمضان المبارك من قراءة كتاب (الخلافات السياسية بين الصحابة) لمحمد بن المختار الشنقيطي، ورغم صغر حجم الكتاب، إلا أنه زاخر بمادة علمية رصينة تستحق القراءة بعد القراءة، لما أودعه مؤلفه فيه من نهج فريد في قراءة تلك الفترة التاريخية الحساسة، وهذه المقيلة الصغيرة ما هي إلا خواطر سجلتها على هامش قراءة الكتاب.

بنى محمد بن المختار الشنقيطي كتابه؛ الخلافات السياسية بين الصحابة، على مصدرين أساسيين استلهم منهما مادة كتابه، واستخرج منهما قواعده الاثنتين والعشرين.

المصدر الأولى: ما كتبه شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية.

المصدر الثاني: ما كتبه علماء الحديث الذين جمعوا بين علم رواية التاريخ وعلم الجرح والتعديل الحديثي، كابن حجر والذهبي.

وقد يستغرب البعض اختيار الشنقيطي لابن تيمية لأن يكون مصدرا رئيسيا في الخلافات السياسية بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو الذي اختزلته كثير من التيارات والرموز الدينية في حروبها المستعرة والمفتعلة أحيانا مع الشيعة والأشاعرة والمتصوفة، وإنكاره للمجاز هو وتلميذه ابن القيم.

إلا أن هذا الاستغراب يزول – حسب الشنقيطي – بعد دراسة منهج ابن تيمية التي بثها في كتبه – أهمها؛ منهاج السنة النبوية والفتاوى – وطريقة تعامله مع هذه الخلافات، وتركيزه واعتماده لقيمة المبدأ مقابل تقديس الأشخاص، ورفضه أن تكون تلك الخلافات من العقائد، واشتراطه العلم والعدل لمن أراد الخوض فيها، وتمييزه الدقيق بن الخلافة والملك، وأن إعلان النبي صلى الله عليه وسلم انقضاء خلافة النبوة، هو ذم للملك.

وأقول – ولا قول لي – إن “متشيعة السنة” والمصطلح هنا للشنقيطي، استغلوا طريقهم الأعوج في التعامل مع تلك الخلافات، وخرجوا منها بتشريع الملك العضوض الأموي وما تلاه من ملك عضوض، قائم على الغلبة والسيف والتوريث والقهر، والضرب بقيم القرآن والسنة النبوية الشريفة وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين في السياسة والحكم، عرض الحائط، لصالح تثبيت الظلمة والفاسدين على رقاب العباد بغير موجب ولا حق من الله ورسوله.

وهذا العوج هو الذي جعل المسافة صفرا بين نظرية الحق الإلهي في الحكم التي ادعاها الأباطرة والملوك في العصور الأوروبية الوسطى، بتصويب من الكنائس، وبين الادعاء بشرعية الملوك الذين استولوا على السلطة بقوة السيف وقهر العباد، بفتاوى أجازت وأحلت هذا السلوك السياسي، بينما الإسلام وقيمه الربانية المصدر، وممارسة النبي صلى الله عليه وصلم وخلفائه الراشدين، من البداية جعل من الشورى قيمة عليا، لا يمكن التغاضي عنها بسيف ظالم أو فتوى مهزوم.

ومن بديع سنة الله في خلقه، أنه سبحانه وتعالى، جعل مصدر هذه القيمة التي لا يصلح الاجتماع الإنساني إلا بها، جعل مصدرها إلهي، لأنه خالق الإنسام ويعلم ما يصلح معاشه في الدينا، المفضي إلى نجاته في الآخرة.

وأما استناد الشنقيطي على منهج أهل الحديث في التعامل مع خلافات الصحابة رضوان الله عليهم، لأن منهجهم في الجرح والتعديل يعلي من شأن المبدأ ويخفض من شأن تقديس الأشخاص، فأهل الحديث لم يترددوا في كشف كذب الكذابين، حماية للسنة من شرهم،  أو تدليس المدلسين وتخليط المخلطين، مهما علا شأنهم وارتقوا في درجات الصلاح والتقوى، وهو ما عبر عنه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بالقول: “باب: بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذب عن الشريعة المكرمة” الصفحة 78 .

لذا قد تصلح مقدمة الشنقيطي وقواعده التي استخرجها من قراءة ابن تيمية وكتب المحدثين، لأن تكون منهجا جديدا في قراءة عموم التاريخ الإسلامي، وليس فقط ما شجر بين صحابة رسول الله صلى عليه وسلم من خلاف ونزاع واقتتال، إذ أن منهجية الجرح والتعديل في الحكم على الرجال والرواة تصلح لكل فترة تاريخية استعصى علينا فهمها، ونازعتنا الأهواء في الحكم عليها.

مقالات ذات علاقة

أجمل الشعر أقصره

ناصر سالم المقرحي

ابلاد وعاصمتها اطرابلس

البانوسي بن عثمان

سعيد المحروق.. الرجل الذي خرج وحيداً يحمل سيفه على عاتقه، ليحارب رياح القبلي

المشرف العام

اترك تعليق