حوارات

محمد الخروبي : اللون مظلوم في ثقافتنا التشكيلية

الطيوب : حاوره / مهنّد سليمان

الفنان الحروفي “محمد الخروبي”

بزغ فن الحروفيات كحركة فنية متفردة في عالم الفن الحديث خلال العقود الأخيرة من القرن المنصرم حيث أبرز مجموعة من الفنانين اللذين يستقون من الحرف العربي ثيمات وركائز لموضوعات أعمالهم، وذلك بواسطة المزج ما بين التراث والمعاصرة حيث يتجسّد الحرف في أكثر من موضع مُشكلا خصوصيته الفلسفية وقصيدته التي يضفيها عبق اللغة عليه، وفي ليبيا نلتقي في هذا الحوار بأحد أهم فناني فن الحروفيات الفنان “محمد الخروبي” خريج كلية الفنون والإعلام جامعة طرابلس شعبة (تصميم وطباعة) الذي ترعرع فنيا على يد شيخ الخطاطين الراحل”أبو بكر ساسي المغربي”، والخطاط “إبراهيم المصراتي” فحسبما يشير الخروبي إلى أن حب الحرف قراءة وكتابة نشأ معه في بواكير حياته مصغيا لموسيقى الحرف في نفسه.
الجدير بالذكر أن الخروبي شارك في مجموعة من المعارض الفنية على الصعيدين المحلي والعربي والعالمي عبر عدة معارض منها إقامته لمعرضه الشخصي الأول المعنون (نقطة) عام 2010 بطرابلس ومعرضه الشخصي الثاني المعنون (أديم) عام 2021 بالإضافة لمشاركاته العربية والعالمية، كما نال الترتيب الثالث في الاتجاه المعاصر بمهرجان الجزائر الدولي لفن الخط العربي عام 2009 والترتيب الثاني من ذات المهرجان عام 2012م.

متى بدأت رحلتك مع الخط والحرف العربي؟
حب الحرف قراءة وكتابة نشأ معي مبكرا ، وككل شيء يزداد بالإدمان وينقص بالترك ، صقلت نفسي وتطورت معرفيًا من خلال دراستي الخط العربي بكلية الفنون قسم التصميم والطباعة، ثم صقلتها بدورة «ابن مقلة» على يد شيخ الخطاطين أبوبكر ساسي رحمه الله ،و الأستاذ إبراهيم المصراتي و محفوظ البوعيشي حفظهما الله ، وهو ما جعلني فيما بعد متذبذبًا في خياراتي الفنية بين الاتجاهين الكلاسيكي أو الحديث، ما قادني في النهاية لاختيار الفن الحروفي كمنطقة وسط تمزج بين تقنيات الأسلوبين، وكانت البداية بالحفر على الزنك ثم اتجهت إلى لوحة القماش، جامعًا في أعمالي بين الخط والتشكيل.

هل تأطير الحرف دخل اللوحة يحقق للحروفي الاتزان ما بين الوضوح والمعنى المستتر؟
حضور الحرف في اللوحة الحروفية و إن استمدت اسمها منه، لا يعني بالضرورة مقرؤيته، ولا يجب أن ننحى به نحو اللغة و الأدب بشكل مباشر مما يفقد اللوحة بعدها التشكيلي.


الفنان غالبا ما يعمد إلى ترك حلقة مفقودة في سياق عمله الإبداعي، أيتحقق هذا الشرط لدى الحروفي؟
يتحقق لكون الحروفي فنانا، ولكن ليس كما يقال بأن المعنى ببطن الشاعر، فغالبا ما يتداول بأن تأويل اللوحة الفنية بأكثر من شكل يعد تميزا ، وهذا مجانب للصواب إذ على الفنان أن يوصل رسالته للمتلقي من خلال لوحته لا أن يجعلها أحجية ورسالة مشفرة.


هل تطعيم الحرف باللون يجعل من اللوحة أكثر قابلية للمتلقي؟
الحقيقة أن اللون مظلوم جدا في ثقافتنا التشكيلية ، حتى من بعض الممارسين للفن للأسف ، فنجد لديهم تحليلات أدبية لكل لون ، فمثلا يبرر استعماله للون الأسود ليؤكد الحزن في لوحته أو الأزرق للصفاء و الأخضر للنماء إلخ ، فيذهب بعيدا عن مقاصد الفن الذي من غاياته تناسق الألوان وتناسبها في اللوحة ، وهذا ما على الحروفي أو أي فنان التركيز عليه .

ماهي المعايير التي يتم فيها التمييز بين لوحة حروفية وأخرى؟
تعطى الأولية للتوازن والتناسق وتوزيع الألوان و العناصر داخل اللوحة ، ولا علاقة أبدا للنص المكتوب حتى لا يقع الحروفي في عملية التوثيق و إظهار النص على حساب الشكل، ذلك أن الأول تنتهي مهمته في استثارة الخيال وتحريك كوامن الانفعالات وترك باقي المهمة للشكل الذي سيترجمها لصورة حروفية، فالغاية المشاهدة لا القراءة.

برأيك هل الحرف هو اختزال للخط؟
الحرف هو شكل الصوت ، والخط إصطلاحا هو الكتابة على نسق متقن بضوابط معروفة ، وأرى أن الاختزال يكون في كتابة المعنى ، فمثلا كيف تختزل كل معاني الحب في حرفين ؟.

أين تتوقف الذائقة ومتى يبدأ تحليل اللوحة الحروفية؟
أشدد دائما على عدم الخلط بين الرأي و الذوق، فالرأي هو انطباعك المبدئي، كهاو للفن أو مبتدأ، أما الذوق فهو مايتنمى لديك، بالمشاهدة والقراءة والسماع، الذوق إذا مكتسب ومعتمد على الفهم والخبرة و الدراية ، التمايز في الذوق هو في الميول، فذوقك قد يكون تجريدي وذوق غيرك واقعي، لكنه لا يكون تمايزًا بين القبيح والجميل، إذ أن الخط الفاصل بين الجميل والقبيح هو الخط الفاصل بين الفن وغيره.
أي قول أحدهم وهو غير خبير وغير عارف بعناصر وتكوين ومنظر اللوحة بأن لوحة ما لا تعجبه، هذا يعد رأيًا، أما الذوق فهو شأن أهل التخصص وإن اختلفت ميولهم .

ماهي ملامح تطور الفنان الحروفي؟
يمكن بالبحث السريع في الإنترنت أن نجد إجابة وافية لهذا السؤال، ليس هنا مجال الإسهاب فيها، ولكن السؤال الأهم ماذا بقي من مفهوم الحروفية اليوم ؟ وما الذي يمكن إضافته لها وكيف يمكن تخليصها من التشوهات التي طالتها ؟؟ ، تساؤلات ربما أجبت عنها ضمن ثنايا هذا الحوار.


هل اللوحة الحروفية تحمل خصوصية صاحبها؟
الحروفية فن فردي والخط الكلاسيكي فن جماعي، في الحروفية الحرف الذي ترسمه يعبر عنك أنت فقط، والألف والهمزة، تخصك أنت فقط، أما الخط العربي الكلاسيكي فهو خط جماعي، الواو هي ذاتها في لوحات كل الخطاطين بفروق فردية لا يلحظها إلا الخطاط، لا تختلف من خطاط إلى آخر، بقواعدها ومقاييسها، إنما في الحروفية كلما اتجهت إلى الفردية كنت متميزا، و في الخط الكلاسيكي كلما اتجهت الى القاعدة كنت متميزا أكثر. لوحات الحروفية لا ينبغي أن تشبه بعضها.

كيف تقيّم حركة الفن الحروفي في ليبيا اليوم؟
هناك اهتمام ملحوظ وتزايد عدد الممارسين للحروفية وإن كان يندرج تحت جانب الكم لا الكيف، كما أن ورش العمل و معرض دواية الدوري و المحاضرات ، كلها ساهمت بإنتشار الحروفية و زيادة جمهورها و متذوقيها، ولكن يبقى هناك استسهال وسطحية وتغليب الجانب التزييني لدى من يقفون على شاطيء الحروفية ولا يسبرون أغوارها ، متوهمين أن مجرد كتابة حروف فوق سطح اللوحة يجعلها لوحة حروفية.

كلمة أخيرة:-
تسارع الوقت وتعدد وسائل المعرفة تحتم على كل فنان أن يركز على نفسه ولا يشتتها وراء كل جديد وتجربة كل المتاح ، هذا سيجعله كسفينة بلا دفة مصيرها التحطم على الصخور.

مقالات ذات علاقة

القاص: أحمد يوسف عقيلة/ القصة بالنسبة لي متعة وممارسة حياة

المشرف العام

الشاعرة سعاد يونس: هدفي أن تصل كلمتي.

رامز رمضان النويصري

مشروع أقلامنا يسعى لتعزيز القدرات الكتابية لدى الكتّاب الشباب

المشرف العام

اترك تعليق