طيوب عربية

البيت القديم.. بيت الطفولة

من أعمال التشكيلي عبدالرحمن الزوي
من أعمال التشكيلي عبدالرحمن الزوي

البيت هو ذلك المكان الذي تولد فيه مشاعر الطفولة، تلك المشاعر التي تبعث فينا دفء اللحظات الجميلة، وتؤسس فينا حقيقة الوجود وسط الأسرة الصغيرة التي تتشكل من الاب والأم والإخوة والأخوات، والأسرة الكبيرة التي تتوسّع لتشمل الأصول والفروع، وتظلّ صورة البيت تترائ لنا وسط تلك البيوت المحيطة بنا من كلّ جهة. إنّنا نحفـظ جيدا ملامـح المكان، وأصحـابه، ونحن ندرج خارج جدران ذلك البيت لتتسع الدائرة في الشوارع المؤدية الى الفسيح من المكان وسط.

تـلك الأزقـة والأحـياء، والبساتـين والحقـول، ومهـما حاولنا نسـيان تلـك الأمكنة والوجـوه التي ألفناها، كما لا يمكننا نسيان البيت الأول الذي ظلّلنا بالمحـبة وسط سرب من أسـراب طيور كنا نراها الأهل والسند الوحيد في طفـولتنا، ولكن كلّما امتـدّ بنا العمـر نتذكر تلك الثقافـة المحليّة التي نهلنا منها داخل جدران البيـت العتيق لتسلمنا إلى معـارف ومفـاهيم جديدة تؤسس فينا..

 روح الإنسان المعاصر الذي يحلم بثقافة كونيّة، ويطمح إلى عـوالم شتّـى كبقـية كل أبناء العالم. من خلال ما تقدّمه الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال ما تجود به علينا المدارس والمعاهد والمؤسسات الثقافية التي تنتشر في كل المدن. لكن للأسف لم يعد للبيت.

القديم من معنى عند جيل لم يعرف صورة للجد أو للجدة، ولم يحفظ لهما من الملامح غير ما رأته العين من تلك الصوّر التي علقت بالذاكرة، وقد يستثنى من هـذا الحكم كلّ الأطفـال الذين ولـدوا في حضن البيت القديم، البيت الذي تحكمه قواعد أسرية فروع من الأبناء والأحفاد. تلك صورة يحددها المكان، ويقرّ بوجـودها الزمن في دفئـها العائلـي، رغـم قسـاوة الطبيعـة، وشـدّة البـرودة.

من صقيع وثلج. دفء معـنوي يوقـد حـرارة الـنفوس في كل جانب، ويظـلّ البيـت القديم مركز الرعـاية والحمــاية والأمن لكـلّ الصغار من بـين وبنـات، رغــم أنـه بيـت من طـوب، أو حجـارة وسقفه من أخشاب وقرميد، أوقش وتراب. والأطفال يحلمون ببيت جديد فاخر العدّة والأثاث.

من أفرشة وأسرّة ولوازم حضارية، وطعام شهيّ لكنهم يظلون يحتفظون بتلك الصورة الرائعة للبيت القديم في بساطتها ودعـة صفائها، وينفرون من ضجيج المـدن الكـبرى، ومـن تعقيـدات الحـياة فيها، وهم طيّ الحنيـن الى الماضي بكل ما فيه من محاسن ومساوئ، وبكلّ ما فيه بساطة.

فالطفل الذي يظل مدى العمر يشده الحنين إلى المكان، ويظل وفيّا لسكان ذلك المكان، ووفيّا لقيم ومبادئ ذلك المجتمع، وهو يبدع أروع وأجمـل صورة لذلـك الوطـن الذي نسمـيه مجازا البيت القديم..

مقالات ذات علاقة

طفولةٌ تبتزُّها عناكبُ الشّياطينِ!

المشرف العام

بأموالكم سندمركم

المشرف العام

عباس والشّعلان ورواية “أدركها النّسيان” في ديوان الهريس الثّقافيّ

المشرف العام

اترك تعليق