قصة

أبجدُ.. جيلٍ فجيلٍ

من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي

أ

ما هي إلا بعض الخطوات حتى كان خارج البيت ، وبعض أنفاسٍ مختطفة، مضى بخطوٍ متثاقل نحو شارع المنائر متحيراً كما تحيّر أمسه ،عينه ترنو للسحب في دجى المجهول يُبصرغيمة يسكنها الظمأ أنكرتها السماء ، فزّت في رأسه وشوشة القلق كالرعود ، كل وشوشة تُدَمْدم بعناء الخطو..و هذا رأسه يحتدم بخواطر تركض وتنزوي، حدّث نفسه : دهاني اليوم ما لست مُدركاً مصدره ولا برَّ يقينه؛ ربما آتٍ من فيافي المتاهات لا محيد لي عنه ، يخطو على امتداد خطواته يسكن الزمان ،يُخيّل اليه أنّ أحداثاً من أفق قصي قد تقع ولا يدري ما مصدرها، قد تكون نوعاً من العناد اليومي ، ربما لحظة رعناء ..  داهمه احساس مباغت بأنّه سيرى اليوم أمراً عجبا، لم ينمعن الغيم إلا أن يتجمع فوق الجميع مع الهواء الرطب، قطرات مطر خفيفة متوالية مرحة تصطدم بطين أرض الأزقة، رأى أن يمشي مع ايقاع الزمن المسحور، يغمره اِحساس بالخشية والترقب، سيزداد الغيم وربما سينزل المطر من المجهول أو من زمن اللهو.. هنا يشمله في مشيه بعض الأسى، بلغ بالقرب من فندق الخضار والذرة والصفصفة، يمتلئ أحياناً بالحكمة والحذر في عالمٍ جديدٍ متناحرٍ يسبح فيه الناس وهم ظامئون، أصواتٌ تختلط من بعيد، سأل نفسه: هل يمكن قراءة المكتوب من دون أعين؟ فإنّ المكتوب يراه نوعاً من إشارة خالدة.

ب

السحائب تركض نحو المدينة، قد تضيع ويبقى المطر في انتظار الغيم.. يمشي هادياً.. ومع أنّه لا يرغب في الخروجإلا أنّه خرج، شجعته وشوشة طيور السليوة بفوضى تغاريدها، خرج من بيته يخطو بخطوات متئدة، قد يكون يوماً مُمبتهلاً، لا يعرف إلى أين ولماذا، شوارد مُبعثرة تركض في جمجمته لا تعرف السكون من تعبٍ أو ملالأو زللٍ، يقف في مشيه برهةً يتحسس ذقنه الكثيف، يمشي بخطواتٍ ثابتة ملتمساً طريقه بنظرة زائغة من عينيه، لا يشك في أنّه خارج البيت.. عن بعد يترامى صوت ضوضاء الفندق، فندقُ الحشيش كما يسميه أهل المدينة  ، ثمة هواجزٍ تتزاحم في رأسه وما يجيء منها من ذكرياتٍ وما يجيء منها من شهد الحياة ، كيف هجره الذين التفوا حوله يوماً يطلبون صداقته وكيف تفرقوا، لا يعرف إنْ كان  خارجاً في نزهةٍ أو في سفرٍ ، يتبادل التحية مع بعض المارة، يستقرئ ما يرى وما يسمع ، ضوضاء تُقبل من بعيد  لا توحي بالأمان ، ربما خرج هرباً من الواقع الراهن ، لا يدري ، أي لحظاتٍ سعيدة ستكون في طريقه ، كثيراً ما يقول : للنزهة فضول لا تشوبها شبهة من شبهات الخوف أو القلق ، ستمر كدعابة أو كمرشدٍ يطرد اليأس أو كاكياس نذور تبرق للنجوم الرماديةو للأيام الرواحل والصباحات المترعة بالذبول.لا شيئ ، لاشيئ فرحاب الأزقة يحلف بعزة الإنسان الصامت وبما ليس يراه.

ج

لم يبق من الوصول إلى شارع المنائر إلا القليل، يهذي عن النزهة وعن متاعبه، يتساءل هل هي طلباً للنجاة لهاربٍ من مواهبه، أم طلباً للحبو والمشي في الطريق الطويل، شدّ ما تزعجه هكذا اسئلةلا تهديه إلى معنى الهدوء ولا إلى مرسم الدنيا ولا حتى السعير في القفار.. على كل حال قرّر الخروج، دواء الملل المشي، سمع ذلك من أحد دراويش المدينة، أحد حكماء الدراويش المجذوبين، تنتابه وساوس غامضة ممتزجة بالحيرة اجتحاته رغبة في التفكير، يفكر في المدينة، أهلها، عُقّالها، غيومٌ متجولة في كل مكان نذير المطر الآتي من الصمت البعيد، أهو الأرق أم الخوف.. يتمتم بحرارة : لا ريب ، لحظتي هذه بلهاء ، كيف احْنَتْ المدينة رأسها وخضعت للحمّى الخبيثةالتي غزتها من فرائس الحرب والشرر والحقد ، كيف أزقة المدينة إنحالت غباراً ورماداً، كيف الصباح يتوارى كخوف النعامة ، كيف لمارق رعديد  يمزق مدينة و يتسلل في مخابئ الظلام ويحطم أبهى معالمها، كيف يهشم أزهى وأجمل بساتينها الباهرةوسواقيها السابحة مع صهوة الخلد منثورة المياه في كل بساتين المدينة ،كيف للأزقة أن تتنفس لظى التربِ ، كيف لها أن تهان تحت سنابك خيل الغزاة، كيف يحيا في مدينته غريباً مستضام ولا يملك إلا السير والمشي بعد أن عاشت مدينته قروناً راضية وربما عاشت خيالاً آدمياً من صنع خيال وتلاشى.

د

.. بدأ يقترب من سوق الخضرة بدأ يسمع ضوضاء عالية، بدأ يحس بعناء المشي، جلبةُ الناسِ ترسل معانيها ناشرة أصوات حروفها في وسط السوق، تختلط ببعض أصوات مكبرات الصوت لأغانيتسري قبض ريحٍ لا معنى لها، أدرك أنّه ما سمعها من قبلٍ حتى في الأحلام، تعجّب ها هي كأنها شجية ترددها حركة الناس.

إعتقد أنه يريد أن يمشي تلبية لنداء المشي لطرد الملل، لا شيء خارج خطيئة المدينة إلا الغبار المعتق والآمها الكاوية وبعض الذكريات في الراس، الريح تصفق كما تريد، وسواسهُ المتولية تقول له: ليس من حيلة مهما تحكّمتْ تجير من نزفِ خطيئةٍ ارتكبها أهلها في ليل مُباح.. جعل يمشي بخطوات ثقيلة جعل يقول في سرّه: الإذعان للقدر سر الخطيئة، طيف من الغمائم حلّ بالزقاق وغاب على الريح أن تمرح في عالمها الرحيب.

من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي

1

 مضى في الزقاق كما تمضي نجمة خادعة بلّلها التيه بكفّ ذاك البلد الجريح، مرةٌ أخرى قال في نفسه وقد أخلد للصمتوشظايا الحيرة: من يملك سرّ الخطئة ومن يعرف ما يخفيه أهل الغيب عن ذلك المجهول اللا مرئي، وعن الأمل القديم، ليس ثمّة من حيلة، يزداد الصخب وتزاحم الناس، الزاحم والمزحوم، يتوسل إلى الخطيئة الماكرة أنْ تختفي حتى يستطيع التنفس، لم يفقد الأمل، يعرف أنّها مدينة خير وخصوبة تعرف كيف تحزن وتعرف كيف تفرحولا يرهقها ليل السآمة ولا يخيفها حذاء ثقيلٌ عطنٌ قد تعلم الرفس في ظلام الأقبية.. تطل غمامة من بعيد من عالمها الرحيب تًندي الزقاق وتمسح عنه نشيج الليلالماكر.. لولا الصمت ما أحبّ المشي، الصمتُ، الصمتُ يرهقه الصخب، الصمت ذبلت أغانيه فذاببين الصندل المحروق والياسمين المشاكس، توسل بنبرة حازمة بعد هكذا صمتٍ مزهوٍّ بالصمت المُتألم، يتساءل ساخراً: قد يكون سبب بؤس وشقاء الإنسان المشي على الأقدام من دون نعلٍ.. هل لهذه المدينة نعلٌ وهل يمكن أن أهلك في هواها؟

2

تلاقيّ الغيم وبرود السحائب يزرعان الآماد مُزناً غامراً، والمطر لا يحب إلا سحائبه عبر العصور، عبر مفتتح الأوقات المرحة، رذاذ المطر دمعٌ من الفرح رغم ما في الغيم من غيم كسير ينثر دمعه على بوابات المدينة، تخيّل أّنّه قال ذلك، شيء غامض يأتيه من بعيد، تمتم ماشياً في دربه المتاح: سينهمر المطر، ستسوق رياح السحائب مزناً ستسوقه من البحر في بُردةِ غمائمٍ مظلمةٍ، تمتم: ما الذي سأخسر إذا خسرت الحزن والفرح؟

3

تذكر غرفته عجباً ، لا يدري لماذا تذكرها، انقبض قلبه، هل هي زاد المشي و ومونة الطواف ‘ هل فيها بعضٌ من آمالٍ قليلة أم حسرات على ما مضى وما فات، تمتم ، ربما بسبب المطر أتذكرها ولا أعرفها أو هكذا تتعثر أفكاري ،وفي سره قال هامساً : يا قدري السعيد لماذا تًرى طوّقتني هكذا غرفةٌفي زمني الغادر حتى غدت زادي اليتيم ، هل استطيع أن أفلت من قدري،أربعة جدرانٍ خرساء جوفاء في مدينة موهوسة بعشق ذاتها تعيشفي حلمٍ شفيفٍ مسحورٍ في المضارب العنيدة ، هل على هذا النحو ذاته يمكنني أرى هذا الحلم ، لا أدري إنْ كنت سأجني خيبة مريرة من ذلك ، يقال إنّ كل شيء مكتوب ، لكني أريد أنْ أسكت بل أصمت في نطقي.

4

أصاب المدينة صدمة قوية، كأنها تشتت في الآفاق، أشلاء متناثرة، كأن الزمن يعاتب شحّ السحر من عهدٍ لعهدٍومن الدهشة للروع تتكئ على صمتها المرّ تستنفر قديمها المنسي وهي تتأهب لجمع عطرها المتبدد، كأن الزمن يعاتب ذاك الشذا المعطر.. ها هو يثرثر مع ذاته، يخطو حائراً، محتاراً، توقف برهة، يتأمل حوله، لا قمر بازغ، ولا شمس مشرقةٌ، شرع يعبر الزقاق، يهبو في قفزٍ، يحث خطاه نحو الفندق المزدحم بالناس، يقترب أكثر من الفندق، الناس في المدينة يسمون الفندق سوق الحشيش، قديماً قالت الحكاية، ينصت للهرج والمرج، توقف في صمتٍ، سأل نفسه: ما الذي يمكن أن يضمره الناس للناس هذه الأيام؟

4

 لا يعرف لماذا توقف، يمتلئ الفندق بالناس، يشترون، يبيعون بشغفٍ واهتمام، يتصايحون أكثر فأكثر عن جودة بضائعهم، وناس آخرون يرحون ويجيئون، يتحاور الناس بالكلام والصراخ والنظرات وعلو الأصوات، وأحياناً بخشونة وغضب، يعرف أنّ السماء تستأنس بالغيوم ولا تخشى السحرة ولا تبالي بغضب أو صراخ الناس، خيل اليه أنّ السوق يتبدى في صورة جديدة يتعثر فيه البعض والبعض الآخر يحالفه الحظ، لم يعرف كيف عرف ذلكقبل أن يعلو من الأفق علامةَ مُزنٍ ومن السوق علامة تتساقط منها الضحكات الفاترة.. يحبو، فيخطو مع لذائذ ابتهالات الغيم، انفاس صدره تنفث في رتابة طبيعية تتدافع بالآمال في وئام، غمرته الفرحة فجأةً من دون سببٍ، لم يعرف لماذا، أشعل سيجارة، راح يدخنها متمهلاً، يرشفها بعمق.. ينفثها بحرارة، يجتاحه قلقٌ، اِرتمى في أمنياته الصامتة.. يتهادى في خطوه، تساءل: ما فحوى الحياة؟ يعرف عبر رحلة حياته أنّه لا يعرف: معنى الحياة!؟  قال في سره: بعد قليل سينزل المطر بعد أنْ تومض الآفاق بالبرق.

5

  ربما ينزل المطر هكذا اِعتقد ، الزقاق يفتح على فندق ” الخضرة” ، الفندق يعج بالوافدين من حارته ومن أهل المدينة ومن القرى المجاورة، وقف عند نهاية الفندق، قرّر أن يخطو، خطا خطوتين ، رأى أمامه شارع ” المنائر” ، تذكر أنّ هذا الشارع كان جميلاً نظيفاً مريحاً تتناسق بين جانبيه اشجار الفل ، تمتد فيه ايدي الياسمين تتسلق جدران البيوت ، أشجارٌ كانت مسربلة بنوار العشية وأزهار الليلك والنّوار ، ورداً زهراً ريحاناً ، كم مرّ بها مرحاً صافي السريرة  يافعاً مُبتسماً واثق الخطو كناية بالأعداءإذيلاحق أحلامه دون خوفٍ ، يعرف أنّه كان تلميذاً بأحدى مدارس الشارع، لا ينسى كم هام في عشق بنات المدارس ونغج عيونهن السوداء وعواطفهن المتأججة ، أهي لذة عابرة أم استسلام لذاك الحُسنِ ، تتلقى أذناه كلمة من هنا وكلمة من هناك ، ابتسامة من هنا وابتسامة من هنا ، كم سيطر عليه من حُلمٍ نابع من مخيلته ومن العيون الحسان . توقف وأرسل بصره المُعنى إلى المجهول. أما الريح فكانت تسرح في الشارع تردي حلة من صخب السحائب.

6

 نظر من نافذة عينيه إلى الشارع علّه يرى ما يشتاق إليه ، فوق طين الشارع غمامة تترنح مع دندشة الريح ، كروم العنب وأشجار التوت وأشجار النوار، رأى ما طواه الزمن وحلكة الظلمة، تعجّب فلا يرى إلا الحطب اليابس وشارع أجرد مأسور تحفره نيوب الضيم  وطنين السيارات وضجيج مكبرات الصوت وموسيق صاخبةتنهمر فوق الكتفين تنشدُ في مواتٍسباتَ الكلمات البليدة ‘ الشارع لم يعد فيه لفاتنة أثر ، تلك كانت أنوار عطورٍ لم تعد تنمو فلا ظلاً ولا عرائشاً ، والمكان ، ليس المكان ،قال وهويتابع فوضى السّيارات والمارة والهرج والصراخ وشبح ثرثرة المقاهي المجاورة ، قال يستجدي خطاه : لا أدري لماذا يغيب وجه المدينة في السفوح القاحلة وتنغمس أناملها في وحلِ التراب؟

7
خرج من بهو الفندق إلى الشارع.. تسمّر في مكانه، الشارع يُلملم ما تبقى فيه من حياة، الغبار والضوضاء يسيران جنباً إلى جنب.. مثل حُراس الأسواق أوقفه درويش أشعث الشعرأسوده أسمر الوجه ، ظهر أمامه ، أوقفه بعد أن رآه يُسرع السير شارد الذهن أسير الحيرة مُعذبها ، في نظراتِ المجذوبِ تحذيرٌ من ايقاض الحيرة والطلاسم التي في داخل هارون ، هكذا تيقن هارون خلسةًعندما ظهر عليه الدرويش كأنه يرىهذا الوجه أول مرة، بدا له غريباً واقرب إلى مجاذيب الزوايا ، نظر الدرويش إلى هارون صامتاً ، تقدم منه أكثر ، حدق في عين هارون طويلاً قبل أن يسأله: خارجٌ لتوك من البيت وتعرف أن السماء ستمطر وأنك ستصل شاطئ البحر، ستصل تماماً ساعة نزول المطر وانهماره ، صعق هارون خاصةً أنه يعرف هذا المسكين ، أحد أشهر ضحايا التنمر في المدينة ، هواية المدينة المفضلة ، تلفّت حوليه ، كثيرٌ من الناس ، يتزاحمون ، صيحات من الفندق هاجت ثم ماجت، حدق في الدرويش باستغراب ، سأله وهو يغمغم : كيف عرفت هذا ، ابتسم الدرويش وقال : دعك من هذا ، أعرف أنك توقفت عن السير في البحث عن معنى الحياة في هذا العالم المغشوش .. قال هارون متسائلاً : لماذا تعرفني ولا أعرفك ؟ .. قال الدرويش بصوت هادئ : ها أنت من بابٍ لباب  قد طال بحثك ببطن البيد ، أما سمعت من قال : ” إنّ السرابَ ببطن البيد ختال” .. أضاف الدرويش بحرارة ساخرة: أنت من حطت أثقاله في غير مقرٍ في الفراغات البليدة.

8

فليكن إنّه تكفير عن الإحساس بالجهل، الوسوسة من طباع هارون، أحسّ بأنّه ضلّ وجه الطريق، تنهد بعمق، سخر الدرويش المجذوب منه وقال: من الطبيعي أن تشك لأنك رهين عاداتك وأسير ذهنك المغمور بالتّحير في كل شيء.. يحاكي هارون ذاته هلعاًكأنّه وقع تحت سطوة جنٍّ سائلاً ذاته: أتراه يقرأ الغيب ويدري ما يدور في رؤوس الناس هل يعرف أكثر مما ينبغي؟ تشبث الدرويش بالصمت قليلاٍ، التفت هارون حوله، رذاذ الغيم على الشارع منثورة، قال هارون بقلق وبصوت خافض: لكنك رجلٌ تَرى ولا تُرى”، صاح به المجذوب مدهوشاً باسماً: دعك من هذه الخرافة وهوايات هذه المدينة، قُل لي ما هواياتك؟ استغرب هارون، فاجئ بالسؤال، لم يتوقعه، خيم الصمت بينهما برهة، شعر بحرجٍ، زفر بعمق قال بصوت مرتجفٍ: ما شأن هذا السؤال المُصفر وما معناه!، نظر المجذوب إلى الأفق المغمور بغمائم السحائب وقال باِستخفاف بصوت عميق هادئ: أجبني وحسب فأنت احدوثة نادرة.. مرّت في ذهن هارون هوايات كثيرة شغلته ردحاً من الزمن يحار لها الخيال، الريح لم تستأنس بالصمت ولا بمغاليق التفكير، عليه أن يذكر هواية واحدة على الأقل حتى وإنْ كانت مجهولة الهوية.. أجاب هارون لا شعورياً وقد أفاق من هيام الظلماء واحلام السراب: هوايتي المفضلة الركض خلف الضفادع. قال الدرويش مُبتسماً: فلِمَ الركض وليس هناك معنى تستحق أن تعيش من أجله.

9

تنفس الدرويش بعمق، ينظر بعناية إلى وجه هارون، قال بنبرة حازمة: أركض خلف ماشئت فركضُك قفزٌ خلف قفزٍ ستلهث بأقصى سرعة تطارد سراباً في بطن بيدٍ حارقة.. شعر هارون بالانقباض والخوف، قال ببرود: سأهرع الآن إلى البحر طلباُ للنجاة، ساد صمت قبل أن يقول الدرويش: اهرع وبثّ نجواك لإمواج البحر الغاضب. بوسعك أن تستسلم وتنسحب وتتراجع وتراجع ذاتك إلى أنْ تُشفى من تعبك وتباشر رحلتك من جديد.. تسمّر هارون منذهلاً في مكانه فعاجله المجذوب: أنتَ عنيد حرون، استهنت بالحياة كثيراً شأنك شأن أقرانك الأذكياء في هذه المدينة عبدة النحو ومنافي الفلسفة فاخرة الأثاث، جميعكم وقعتم تحت سطوة العناد كما يقع فأراً مرتجفاً تحت سطوة خوفه من قطط الجيرانالمتشردة.. ومضة برقٍ سرعان ما إنطفات أضاءت لوهلةٍ وجهَ الدرويش، انهمر صمت ثقيل وما يخفيه أهل الغيب على كفّ الزمن.

10

للحظة خاطفة التزم المجذوب الصمت دون أنْ يفتر حماسه، لكنّه اِستدرك بسرعة بأنّ هارون يروغ بأنْ يروم النفاذ إلى أعماقه، امتصّ المجذوب حيرة صمته.. ثمّ تابع ببرود: تذكر جيداً أنا إمرء درويش مجنون كما تراه أمامك لا يعنيه إنْ كان للحياة معنى! أنا مجنون وأنت من عقلاء المدينة ، غير أنّه لن يشفيك من تعقلك المغرورالمتبجح أكثر مما ينبغي سوى الخلاص من عقلك المزدحم بالقش والتبن كالذي يزدحم بذهنيات أقرانك وبالأزقة والجمهور الكريم حسب التوقيت الصيفي والشتوي وحسب اللبلاب في العاصفة ومدرجات الكليات وحسب تفتح أبواب القضاء والقدرأحسّ هارون بالغضب ، باشره الدرويش قائلاً : اِغضب كما شئت غير أنّي أتوسل اليك أنْ تتخلى عن عنجهيتك واتبع في حياتك سبيلاً أخراً عرفه الأقدمون ، صمت حمدون فواصل المجذوب: أجل اتبعه أقدم الأقدمون عندها عساك أنْ تبلغ درجات المعرفة والحكمة والبصيرة .. تلاشى الدرويش فوراً.. في البعد ظهر نهاية الشارع ، هارون يخاطب ذاته : درويش غريب يبطن ولا يظهر يخفي ولا يعلن ، ومضات بروقٍ متسارعة ورعدٍ مجلجلٍ بالعلعة ، تجمعت في الحين غمائم السحائب السوداء الغاضبة، السماء المتسارعة  ، السماء تجود بالجود ، هطل المطر كما لم يهطل من قبل، ومضى هارون تحت قصف المطر دون أيّ كلمة أخرى سواء أنْ سمع الدرويش يقول من فوق قمة قبة الغيم والمطر يغطي هامة هارون : يا هارون لقد تاه عنك العنوان فلا معنى لحياة هذه المدينة وقد غاب عنها أنْ تعرف هدفها البعيد وتخرج من طيف الوهن والخرافة وعواطفها المحمومة.

مقالات ذات علاقة

ونصوص قصصية ساخرة

حسن أبوقباعة المجبري

“الست” في مبنى “البركة”

عزة المقهور

نياندرتال !!

الصديق بودوارة

اترك تعليق