شخصيات

توفيق البرقاوي.. صاحب جريدة الجبل..

الذاكرة الليبية

توفيق نوري البرقاوي (المصدر: محمد العنيزي)
توفيق نوري البرقاوي (المصدر: محمد العنيزي)

 توفيق نوري البرقاوي واحد من أبناء الجيل الذي شاءت له الأقدار أن يزهر شبابه أيام أن كان الوطن تحت حكم المستعمر.. فيتعرض للسجن في معتقل بنينا مع من سجنوا من أبناء المدينة.. وكان من الطبيعي أن يكتب البرقاوي وهو المثقف العصامي عن تجربته ومعاناته ومناهضته للسياسة الإيطالية من خلال المقالات التي نشرها في مجلة الفجر التي أصدرها صالح بويصير عام 1947 وكانت أول مجلة تصدر في مدينة بنغازي بعد انتهاء الحرب وزوال الاحتلال الإيطالي للبلاد..

شهدت عيناه النور عام 1902 م في مدينة الملح بنغازي.. وانصهر في هذه البوتقة البنغازية مثقفا عصاميا واسع الاطلاع على تاريخ البلاد وأخبار الساسة والأدب وكاتبا وصحفيا ووطنيا مناهضا لسياسة الاستعمار..

غادر توفيق البرقاوي البلاد بعد إطلاق سراحه من معتقل بنينا وسافر إلى تركيا عن طريق إحدى البواخر المتجهة إلى روما.. ليقضي سنوات عمره رحالة بين مختلف الأقطار من الشام إلى العراق والحجاز واليمن وجيبوتي ويعود إلى أرض الوطن في عهد الإدارة العسكرية البريطانية..

أجاد توفيق البرقاوي اللغة التركية واللغة الإنجليزية واللاتينية وعمل مترجما للسفارة التركية في السعودية.. كما نشر مقالاته في كل من جريدة (حضرموت) اثناء إقامته في اليمن وجريدة (العراق) وجريدة (صوت الشعب) وجريدة (صوت الحق) وجريدة (العالم العربي) الصادرة في بغداد اثناء وجوده في العراق.. وفي جريدة (الوفاء) الصادرة في عمان اثناء إقامته هناك ويعتبر البرقاوي من الصحفيين الليبيين الأوائل الذين كتبوا في الصحف العربية..

واثناء إقامته ببغداد صدر للبرقاوي كتيب بعنوان (البطش والكرب في برقة وطرابلس الغرب) عن مطبعة الفرات عام 1942 م.

جمعت البرقاوي علاقة مودة مع عديد الشخصيات المثقفة في المدينة منهم الشاعر عبدالرحمن بونخيلة الذي كان معتقلا معه في سجن بنينا والشاعر أحمد رفيق المهدوي الذي جرت بينه وبين البرقاوي مداعبات شعرية وردت في ديوان رفيق (الفترتان الرابعة والأخيرة) بعنوان (من رفيق إلى توفيق).. يقول فيها:

إن صح وعدك.. رغم كل مناوي     صلى عليك الله يا برقاوي

أمــــا أنا فبمعجزاتك مؤمــــــــن     ومصدق ما جـــــاء عنك وراوي

يا أيها المدثر المشهور قــــــــــم     يا سيدي يا (بو العبا الحمراوي)

ويقصد رفيق بأبي العبا الحمراوي توفيق البرقاوي عندما عاد بعد رحلته الطويلة من الشرق إلى أرض الوطن وكان يرتدي عباءة حمراء ويطلق لحيته وشعره طويل وراء ظهره.. وكان يغطي رأسه بكوفية وعقال.. وقد عاهد نفسه ألا يقص شعره حتى يتحرر الوطن من الاستعمار الإيطالي وبعد عودته قص شعره الطويل..

ومن درنة أرسل الشاعر إبراهيم الأسطى عمر أبياتا إلى الأستاذ البرقاوي يمازحه بها:

صحت وعودك أيها البرقاوي     فاحمد إلهك لا تكن (غلباوي)

فالمهدوي (بمعجزاتك مؤمن     ومصدق عنك الحديث وراوي)

كم كان يرجو أن يغني شعره     فيكم مغن اسمه الكحـــــــلاوي

وتذيعـــــــه بين الأنام محطة     في حفلة من مسرح الغـــــزاوي

تقلد توفيق البرقاوي عديد المناصب المرموقة في البلاد وهي:

متصرف منطقة الكفرة.. ومتصرف منطقة اجدابيا.. ومتصرف لواء البيضاء.. ومتصرف بنغازي.. ومدير إدارة المطبوعات بولاية برقة.. ومدير مصلحة الأملاك الحكومية بولاية برقة.. ومستشار شئون التسجيل العقاري..

توفيق البرقاوي في مجموعة من الأصدقاء (الصورة: محمد العنيزي)

أيام المعتقل:

بعد وصول الجنرال غراسياني إلى برقة عام 1930 م بدأت موجة الاعتقالات تطال أعيان ومشائخ مدينة بنغازي وشبابها المتعلمين وخاصة المناهضين لسياسة الحكومة الإيطالية. وكانت قوات الشرطة (الكاربينيري) تداهم المنازل ليلا وتعتقل المواطنين وذلك لبث الرعب في النفوس. وكان توفيق البرقاوي من ضمن المعتقلين الذين أودعتهم السلطات في معتقل بنينا الذي يصفه الكاتب وهبي البوري في كتابه (بنغازي في فترة الاستعمار الإيطالي) بقوله:

(وكان معتقل بنينا عبارة عن قلعة عسكرية صغيرة شيدها الإيطاليون بعد سقوط دور بنينا عام 1913 م ولم تكن صالحة إطلاقا لسكن البشر..)

يصف البرقاوي عام 1931 بأنه عام المحن على برقة المجاهدة بعد أن اشتدت فيه وطأة العدو ويقول: حل ذلك العام المشئوم وأنا رهن معتقل بنينا في رفاق زهاء ثلاثمائة من مواطني جلهم من خيار وسادات قومي وابطال الجهاد منهم..

كما يصف اعدام الشهيد عمر المختار فيقول:

في ساعة مبكرة من يوم الأربعاء 16. 9. 31 ذهب الأعداء بنا ونحن مصفدون في الأغلال إلى المكان الذي نفذ فيه حكم الإعدام على بطل برقة وشيخ شهدائها عمر المختار شنقا بظاهر سلوق لنشهد ذلك المشهد حوالي الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم الأسود..

ويواصل قائلا:

ولم يمض على هذا الحادث أكثر من نحو شهور أربعة حتى أمرنا بالاجتماع بفناء المعتقل مساء ذات يوم فتوسط حلقة جمعنا بعض موظفي المستعمرين يحملون صفيحة من صفائح البترول ووضعوها أمامنا فتقدم أحدهم في مهارة أمهر الحواة وأخرج منها شيئا ملفوفا بالقماش ثم أزال اللفة فانكشف عن معروض سألنا أولئك الخصوم عما إذا كان بيننا من يعرفه فكان أسرعنا في الجواب الشيخ يوسف المرتجع حيث أجاب على الفور (إنه رأس السيد يوسف بو رحيل)..

وعن إطلاق سراحه من معتقل بنينا يقول:

في ساعة مبكرة من يوم 2. 2. 1932 م وبعد مضي 568 يوما على اعتقالي أخذت من معتقل بنينا في فريق من رفاقي من أهالي حاضرتي وجيء بنا إلى ميدان بلدية الحاضرة فأوقفونا قبالة شرفة دائرتها.. وكان احتشاد الأهالي في الميدان كأنه ليوم زينة يسود الوجوم الجميع.. ثم أطل علينا غراسياني من تلك الشرفة يحيط به أعوانه وصنائعه فألقى كلمة زمجر فيها كثيرا وأرسل في الفضاء من صواريخ التمشدق الإيطالي مهددا متوعدا حتى إذا انتفخت منه الأوداج ختمها بالأمر إلى الحراس من الشرطة بفك الأغلال عن أيدينا مطلقا سراحنا..

صحيفة الجبل الأخضر (الصورة: محمد العنيزي)

صحيفة الجبل الأخضر:

بعد العودة من رحلته المشرقية إلى أرض الوطن أسس الأستاذ توفيق البرقاوي صحيفة الجبل الأخضر عام 1948 م ليمارس مهنة الكتابة الصحفية ويساهم بقلمه في تذكير القراء بأهمية التمسك بمطلب الاستقلال التام ورفض أي وصاية أجنبية في فترة شهدت مخاض الاستقلال وأحداثه المتسارعة من طمع الدول الكبرى في الوصاية على ليبيا إلى اللجنة الرباعية واتفاقية بيفن سفورزا لتخرج الدولة من عنق الزجاجة متوجة نضال أبنائها بإعلان الاستقلال..

وكان البرقاوي ينشر مقالاته في مجلة الفجر وجريدة برقة الجديدة إضافة إلى تحرير جريدة الجبل الأخضر التي نشر فيها عديد المقالات السياسية وخاصة ما يتعلق بقضية استقلال برقة ونضالها والوفد البرقاوي الذي سافر إلى الأمم المتحدة..

انتقل الكاتب والصحفي ورجل الدولة المثقف المناهض لسياسة الاستعمار توفيق البرقاوي إلى جوار ربه بتاريخ 8. 10. 1965 م.. بعد حياة حافلة بالعطاء لهذا الوطن ليترك لنا ثلاث مخطوطات من مؤلفاته وهي:

ــ اللآلئ البهية في العلوم الكونية

ــ سفينة الطوائف في بحر اللطائف

ــ الكواكب الدرية في مختصر تاريخ وجغرافية البلاد الليبية (من فجر التاريخ لغاية سنة 1911 م)..


المصادر:

ــ مقابلة شخصية مع الأستاذ صبيح البرقاوي نجل الراحل توفيق البرقاوي ــ يناير 2022

ــ جريدة الجبل الأخضر.. الأعداد (الأول ــ الثاني ــ الثالث ــ الرابع ــ الخامس ــ التاسع ــ العاشر)

ــ مجلة الفجر الليبي (الأعداد من 1 ــ 8)

ــ كتاب (بنغازي في فترة الاستعمار الإيطالي).. وهبي البوري

ــ ديوان أحمد رفيق المهدوي

مقالات ذات علاقة

حديث للذكرى والتذكير.. الأستاذ عبدالله القويري

المشرف العام

مصطفى المستيري معلم العود ..

محمد العنيزي

تسعينية المصراتي

المشرف العام

اترك تعليق