سرد

رواية: اليوم العالمي للكباب – 1

رواية في الأدب الساخر

من أعمال الفنان محمد الشريف.
من أعمال الفنان محمد الشريف.

-1-

في  أخر أيام فصل الشتاء القارص ، وفي أحد الصباحات المتعرضة لرذاذ خفيف من بقايا أمطار ضعيفة في مدينة بنغازي المدينة المكافحة ، لا شيء كان يعكر صفو الرحلة، سوي أصوات لمدافع الهاوزر التي كانت تهدر بين الفينة والأخرى ،معلنة عن يوم أخر من أيام الحصار العسكري الذي فرضته القوات العسكرية حول منطقة الصابري الشاطئية، حصارا كان جزء من عملية عسكرية ، فيما يعرف بعملية الكرامة ،و التي أتخذها أخر العسكريون النظاميون شعارا لبدء حرب ضد جماعات دينية مسلحة، بدأت تتنامي منها ما عرف باسم  أنصار الشريعة ومنها ما عرف بالدروع ومنها ما عرف بالدواعش.

… وبينما حافلة الركاب تخترق الطريق لتعبر منطقة بودزيرة وهو المكان البديل للجنسية أو ما يعرف بمحطة الركاب والمسافرين برا الي مختلف مدن ليبيا عن طريق السيارات والحافلات، معلنة عن بداية رحلة شاقة الي العاصمة (طرابلس) عبر طرق اخري بديلة عن الطرق التي اغلقت نتيجة انقسام التوجهات والافكار والمصالح والمطامح بين سكان شرق البلاد وغربها وحتى جنوبها، وانجرار البلاد الي فوضي ادارية ومعيشية عارمة.

…. مع ابتعاد الحافلة عن وسط مدينة بنغازي بدأت تتضال أصوات أخري بالإضافة الي تضأل صوت مدافع الهاوزر، لم تكن تلك الاصوات سوي أصوات ابواق سيارات الاسعاف التي تنقل المصابين الي مستشفى الجلاء بين الحين والاخر، كان ذلك جراء إطلاق قذائف عشوائية من داخل منطقة الصابري، مستهدفة الأحياء القريبة ومن يعيشون بها دون سابق انذار، كانت الرماية، كأسلوب عنف وارهاب يستخدمه جماعات الشباب المسلح والمحاصر، بمختلف تسمياتهم ضد قوات الجيش المرابط حول المنطقة.

كانت تلك الاصوات تتلاشى تدريجيا، حتى لا يكاد يصل للمسافرين، المبتعدين رويدا رويدا وببطء تجاه العاصمة الإدارية الليبية (طرابلس)، وبالمقابل كان يعلو صوت راديو الحافلة الذي يبث برنامج مسموع كان يسمي (حديث الصباح) والذي تحاور فيه مقدمة البرنامج بعض من المواطنين المارين من أمام ناقل الصوت، الميكرفون عن أزمة المركزية، وكيف ينجز المواطن الذين يعيش بمدن خارج العاصمة (طرابلس)، إجراءاته ومعاملاته المهمة، والمشاكل المعرقلة لهم، فيصل إلي مسامع الركاب والحافلة تسير الحوار التالي:

.. ونستهل الحوارات والدردشات مع بعض المتواجدين حول ميكروفون برنامج (حديث الساعة) لنسألهم عن مشكلة المركزية وتداعياتها، ونلتقي بالمواطن /

السلام عليكم استاذ ….

يرد المواطن الذي وجه له السؤال:

وعليك السلام ورحمة الله والبركة.

المذيعة:

بالتأكيد سيدي الكريم أن لديك فكرة عن أزمة تعيشها بلادنا منذ سنوات طويلة، ألا وهي أزمة المركزية والبيروقراطية، فهل لامست أو عايشت حجم هذه المعضلة الادارية عن قرب؟ وماذا تري من حلول في سبيل تسهيل إجراءات خدمية لأبناء بلادك القاطنين في مدن منتشرة بعيدة عن العاصمة؟

 في هذه الأثناء يتدخل أحد الركاب وهو شاب مشاغب كان منهمكا في حشو لفافة من لفافات مخدر الحشيش المختلط بفتات التبغ، ليقاطع صوت مذياع الحافلة محدثا رفيقه باللهجة الليبية العامية الدارجة والتي يستخدمها بشكل سوقي:

هس هس اسسسسس

سمعت شن قالت البلعوطة (1) اللي تدوي (2) بتجعوين (3) في الراديو توا؟

وأضاف ساخرا مقهقها:

قالت شنو؟ هاهاها

قالت بير!!؟ هاهاهاها بير …. شنو؟! هاهاها

يجيبه رفيقه وهو شاب مشاغب اخر يحمل نفس الصفات:

بير و … طاقيه هاهاهاها

وأضاف:

أسكت أسكت يا دولة!!

الباين أنهم يشتغلوا في مصنع خياطة (4) وشكلهم (5) عندهم بضاعة ايسوقوا (6) فيها أكيد المذيعة دايرة (7) دعاية طاقيات راس هاهاها

باش (8) تمنع الضرب ع (9) الزنقيرة (10)! هاهاها.

…. كان هذا الحوار السوقي المبتذل يدور، ليمنع بقية الركاب من الاستماع بوضوح الي البرنامج المسموع الذي يبث من راديو الحافلة أثناء سفرها الي العاصمة طرابلس، مما أظهر الاستياء على وجوههم، تجاه سلوكيات الشابين المشاغبين.

… كان هناك شابا أخر يرتدي بدلة وربطة عنق ومنهمكا بقراءة رواية (كوخ العم توم )، لم يكن هذا الشاب المثقف سوي الشاب(مصباح ) رئيس تحرير صحيفة الأيام ، والذي تعرضت للتوقف نتيجة ظهور صحيفة حكومية اخري تحمل نفس اسمها ، وبالتالي لم يستطع (مصباح ) هو وبقية فريق العمل الصحفي، الذي تفرق كذلك نتيجة عدم قدرتهم علي الوصول للفندق الجديد (فندق الحاج انور ) للاستمرار في إصدارها من مدينة (بنغازي )،فعقد العزم علي الذهاب الي العاصمة( طرابلس) لمناقشة وزارة الثقافة التي أصدرت الصحيفة الدخيلة والموازية لصحيفته و دعمتها، دون اعتبار لجهده طيلة ثلاثة سنوات من التعب والانفاق المادي ، وتقديم احتجاجه بأحقيته هو رفاقه (نبيل ووليد وربيع وريحانة ونسرين وياسمين ) في استمرار  اصدار صحيفة الأيام.

كان (مصباح) جالسا في مقدمة الحافلة غير مبال، بما يقوم به الشابين من تشويش وسلوكيات دنيئة، فقد كان منسجما بقراءة كتابه، فلم يعجب الشابين المشاغبين!

…. أحد الشابين بدأ يبحث عن شريط كاسيت أو قرص (CD) في حقيبته، باحثا عن أغنية للفنان الشعبي المصري (سعد الصغير)، ليعطيها لمساعد السائق، ليستمعوا إليها عوضا عن صوت المذيعة وحواراتها في برنامجها الذي لم يتناغموا معه ويبدو أنه قد صدع رؤوسهم.

…. يتواصل الحوار في البرنامج المسموع رغم كل التشويش الحاصل، فيرد مواطن أخر مجيبا على سؤال مقدمة البرنامج:

المركزية هي في الحقيقة إجحاف لحقوق بقية المواطنين القاطنين خارج النطاق الإداري لأي عاصمة وتتسبب في الآتي:

١- عدم تكافؤ فرص تقديم الخدمات.

٢- إهدار لوقت المواطن القاطن خارج العاصمة، وكون المركزية أزمة عامة تتطلب حلا استراتيجيا عاما وشاملا، وأحد الحلول من وجهة نظري يتلخص في التالي:

١- عن طريق مشروع الحوكمة الالكترونية.

٢- العدالة في توزيع مقار الوزارات بين مختلف المدن.

٣- تعزيز دور ومهام وصلاحيات المحافظات في كافة أنحاء البلاد شرط ان لا يكونوا عمداء المحافظات من نفس المدن حتى لا تكون هناك ادارات قبلية وعصبوية داخل كل مدينة او محافظة

 ٤- تعميم فرص تحسين معيشة المواطن وتسهيل الاجراءات.

٥- الحرص على تقديم الخدمات لجميع المواطنين داخل البلدية الواحدة حتى لا تحتكر هذه الخدمات وتستحدث مركزية اخري مركزة داخل البلدية الواحدة.

…. فجأة يصيح أحد الشابان المشاغبان من ركاب الحافلة الي رفيقه ودون اي احترام لبقية المسافرين:

أوووووه عليك نفخ (11) اووووووه

يرد رفيقه باللهجة السوقية وهو يدخن سيجارة حشيش:

ننقالة (12) نفخ صحيح موش خبر نفخ.

ثم

… يصيح الاثنان معا بينما الحافلة تشق العنان ماضية في التهام الاسفلت نحو طرابلس قائلين:

صكر الهايك (13) صكر الراديو اللي يحكي امشرق وامغرب ياسواق …. رؤوسنا انتفخت واصدعت (14) من كثرة الوجيج (15)

ثم يلتفت بسرعة الي صديقه قائلا:

أنت فهمت حاجة؟

يرد صديقه بهزة من رأسه:

لالا

يلتفت لمسافر أخر ليسأله نفس السؤال:

أنت فاهم حاجة؟

يرد:

نعم

يعود فيهمس لصديقه:

داير روحه (16) فاهم

يقول صديقه مقهقها:

شوره (17) ايذاكر من ورانا هاهاها.

وتتناثر قهقهاتهم لتحدث مزيد من الصخب داخل الحافلة المتجهة نحو مشارف العاصمة طرابلس، وقاموا، فأعطوا مساعد سائق الحافلة شريطا لأغنية (اركب الحنطور) للفنان الشعبي المصري سعد الصغير وهو الفنان المحبوب لديهم.


هوامش:

1- البلعوطة: الكثيرة الكذب.

2- تدوي: تتكلم

3- بتجعوين: بدلع ونعومة زائفة

4- مصنع خياطة: مشغل حياكة

5- وشكلهم: يبدو أنهم

6- ايسوقوا: يعملون على تسويق بضاعة

7- دايرة: تقوم بفعل او تقوم بعمل.

8- باش: بسبب.

9- ع: علي

10- الزنقيرة: على الرقبة من الخلف.

11- عليك نفخ: تسبب في صداع كبير

12- ننقالة: أشهد بأنه

13- صكر الهايك: اقفل الشيء المعقد وهنا نعت المتحدث بأسلوب سوقي الراديو بالهايك.

14- اصدعت: اصابني الدوار في الرأس.

15- كثرة الوجيج: كثرة الفوضى المربكة.

16- داير روحه: يتظاهر

17- شوره: يبدو أنه.

يتبع

مقالات ذات علاقة

المدينة الدايخة

محمد الأصفر

رباية الذايح

حسن أبوقباعة المجبري

دموع العابرين

مهند سليمان

اترك تعليق