قصة

ضاوية

من أعمال التشكيلية حميدة صقر

كانت النافذة مثيرة، تغويها، تشرع في نفسها الكثير من المشاريع اللذيذة، لكن خطوة واحدة، كفيلة بأن تحطم عظامها الهزيلة المصابة بالهشاشة منذ تلك الليلة التي اصطادها فيها ابن عمها ووشى بها لأخيها، إنها تواعد المهندس الذي جاء للقرية المتوحدة في جوف الجبل، يفتتح الطريق ويعبدها، وكان أن رآها فجأة، تخرج رأسها الذي يحمل جديلتين من لون الحناء، فهرع دافعا باب حجرتها، وهي تستنجد تركها كومة لحم بلا عظام، جدتها العجوز تقبع في زاوية البيت، على كرسي بعجلات، تلتهم أناملها سبحة النور، ترمقها وهي تتذكر ذات الحدث حينما وشى الناس حولها أنها تلتقي بابن الصباغ، فأحاطها إخوتها ركلا وضربا وزُوِّجت لمختار المحلة، زوجة سابعة بعدما انقضى إرب من قبلها وانقطع حبلهن، وأفضين لما هن له، وصارت تربي أبناء ضرائرها مع أولادها الذين حملت بهم ولم ترغب، كانت ترمق الجميع بصمت، بينما ظلت تراودها النافذة وتسمع همسها، ها هي الستائر المسدولة عليها منذ حين ترقص مثل أنثى الغزلان، وهي تنحدر من أعلى التلة تراود فتاها عن نفسه، استجمعت قواها بدافع غرائز أنثى حين تحتدم فيها الرغبات والاشتهاءات ويُحْكِم الكيد سلطته، دفعت الستار، فانفرجت عينا جدتها المقعدة، كأنها ترى النور لأول مرة، وفتحت النافذة، وكأن الطريق ليس هو،  انبهرت بالدنيا التي صارت قطعة محبوكة الألوان والظلال، قالت في نفسها: ولكن أين هو؟!

التفتت نحو جدتها، رمقتها بقلق، هزت هي الأخرى رأسها، قالت: اذهبي لن أخبرهم….

بعد أيام قلائل، شاع في الحي زواج ضاوية من ابن عمها الذي بلغ من العمر عتيا، يعينه على الوقوف ابنه البكر!

مقالات ذات علاقة

مسعــودة

الطوفان

المشرف العام

قصص قصيرة

المشرف العام

اترك تعليق