قصة

عبدالرحيم عُنيزة

موسى محمد الفاخري

من أعمال المصور الفوتوغرافي طه الجواشي

كان عبد الرحيم راعٍ مسؤولا عن كل راعيتهِ سواء كانوا أبنائه أو حتى إبلهِ وأغنامهِ، فهو في كل يوم يوقظ دِيكهُ باكرًا ليأذن لإعلان يومٍ جديد، يقفز داخل “الزريبة” بهمَّة، ويحلِب الماعز والإبل، ويدخل “بونيَّة” الدجاج ليسرق ما كان دافئ من البيض تحت أحضانها..  يوقظ زوجته البدينة صاحبة الوجه الشاحب والصوت المزعج والتجاعيد المخيفة لتحضر لهُ وجبة الإفطار، يتناول فطوره ويفتح باب “الزريبة” ليطلق حيواناته في المرعى، يصعد لخردتهِ اللاندروفر “ويولع الكوادرو ويدردحها وينزللها مارشة ثانيّة ويطلق الفرسيوني” فتنطلق اللاندروفر بين رمال الصحراء بخفَّة..

كان رجلا طاعن في السن، نحيلٌ هزيلٌ ضعيف البُنية، قصير القامة، وكان مظهرهُ دومًا يدل على ضعفه، إلَّا أنَّه ورغم ضعف بنيتهِ هذه يبثُ الرعب في زوجته أو أحد أبنائه إذ تجاوزوا حدودهم أو لم ينجزوا مهامهم، لا يستطيع أحدا منهم أن ينبس ببنت شفةٍ أمامه وقت غضبه، ولا أحد منهم يمازحه أو يضحك أمامه إلا في الصباح الباكر فقط، هكذا كانت طقوسه الغريبة، كما أنه أحد مشائخ قبيلته، يستعان به في الأمور الكبرى، كان رجلٌ سليط اللِسان في الحق، لم يهزم في حياته إلَّا أمام سخرية زوجته له على صغر حجمه، كانت زوجته في الشتاء تقول له “أربط حبل في كراعك يا حاق وأربطه في لاندروفر، اليوم الريح عالية أوي أوعى تشيلك وتضيع منِّنا” زوجته مصريَّة نصرانيَّة، و حين تهرُب عنزة عبد الرحيم يجنُّ جنونهُ ولا يستطيع كبح جأشه، فكانت زوجته تخاف غضبه أشدِّ الخوف وترسم علامة الصليب على جبينها وتردّد قائلة “يا قديسة بربارة لا حُّمى ولا خسارة”، وكانت هذه العنزة تقفز من “الزريبة” كلَّما أذنَ المغرب، ولم يستطع صاحبها يومًا اللحاق بها، فقرر ذات يوم ولأجزم أنَّه كان فاقدًا لعقله أو سكران حين قرر هذا الأمر وهو أن يربط هذه العنزة اللعينة في رجله وينام بجانبها خارج “الزريبة” فما أن تهمَّ بالحركة حتى يستيقظ و يمنعها من الهرب..

إلَّا أن تلك العنزة كانت تعرف أنَّه سيهزم حين تشتدُّ عليهِ السرعة، فها هي تقفز من “الزريبة” وتركض، ممَّا جعل الحبل المربوط يشتدّ على عبد الرحيم الذي قام بدوره وحاول أن يشدَّ الحبل بكل قوة، لكنَّه هُزم بسبب ضعف بنيتهِ أمام سرعتها، صارت العنزة تركض وعبد الرحيم مجرور خلفها، انتبهوا له أبنائه فقبضوا على العنزة ولكنَّهم و أمهم لم يستطيعوا أن يقبضوا على ضحكتهم، فأستند عبد الرحيم على جذع الشجرة وهو يتنفس بصعوبة بعد هذا الموقف العصيب، بعد أن تحوَّل إلا مفعول به مجرور وقال: “بَعد كنت راجل قويّ نقُود في عائلة، تمِيت شيخ ضعيف تجرّ فيّ بهيمة”..

مقالات ذات علاقة

جسد مُطفأ

وفاء البوعيسي

يحيا “ارجوبه”

عطية الأوجلي

قصتان قصيرتان

جمعة الفاخري

اترك تعليق