تاريخ

قلاع وأبراج طرابلس

شعبان التائب

السرايا الحمراء (الصورة: عن يوسف الختالي)

خلف أسوار طرابلس القديمة بُنيت في عصور مختلفة معالمها التي شكّلت نظاماً معمارياً متميزاً، ورسمت لوحة فسيفساء جميلة تتجسد فيها الأصالة والعراقة وتمازج الثقافات، وفي أزقتها وحواريها تعايش المسلمون واليهود والنصارى في انسجام وتناغم، وكان لكل منهم بصمته في رحلة المدينة عبر الزمن.

أم السرايا

خلف أسوار طرابلس القديمة بُنيت في عصور مختلفة معالمها التي شكّلت نظاماً معمارياً متميزاً، ورسمت لوحة فسيفساء جميلة تتجسد فيها الأصالة والعراقة وتمازج الثقافات، وفي أزقتها وحواريها تعايش المسلمون واليهود والنصارى في انسجام وتناغم، وكان لكل منهم بصمته في رحلة المدينة عبر الزمن.

أم السرايا

مفتتح الحديث عن القلاع لا بد أن يكون مع السرايا الحمراء التي اقترنت بمدينة طرابلس منذ آلاف السنين، وظلت حارسها الأمين وشاهد تاريخها الأقدم والأهم، لدرجة أن سميت طرابلس بـ”أم السرايا”، على جدرانها الشمالية والشرقية تستقبل أشعة الشمس الذهبية كل صباح لتتسلل من خلالها إلى شوارع المدينة وأزقتها العتيقة، وعلى جدارها الغربي والجنوبي ترتسم صورة الغروب البنفسجية كل مساء معلنة عن نهاية يوم من أيامها، فتقفل الأبواب ويصعد العسس إلى الأبراج وتخلد المدينة للراحة ويعمها السكون، هكذا هي العلاقة بين السرايا وأم السرايا.

شُيّدت القلعة على بقايا مبنى روماني، ربما كان معبداً أو أحد الحمامات حسب ما تؤكده الأعمدة والتيجان الرخامية الضخمة التي عُثر عليها أسفل الطريق الذي كان يخترق القلعة من الشرق إلى الغرب، وكانت محاطةً بقناة مائية من جميع الجهات وتشرف على الميناء، الأمر الذي جعل منها حصناً لحماية المدينة والدفاع عنها براً وبحراً.

سميت بالحمراء لأن الإسبان طلوا جدرانها باللون الأحمر، وعن موقعها واستخدامها يقول المهندس صلاح محمد حودانه ابن المدينة القديمة والناشط في مجال التراث لـ “مراسلون” إنها حظيت بتحصينات ساهمت كثيراً في حماية طرابلس، فكانت مركزاً للدفاع ضد الهجمات البحرية للسفن المعادية، واستخدمت خلال فترة العثمانيين والقره مانليين مركزاً للسلطة وسكناً للولاة.

وغير بعيد عنها بُنيت سرايا درغوث باشا، وحسب حودانه فقد كانت عبارة عن قصر ضخم داخل الأسوار محاطاً بحدائق وأكشاك، يمتد بين موضع القنصلية الإنجليزية الكائنة بشارع الأكواش وموضع القنصلية الفرنسية، شيده درغوث باشا بعد توليه حكم طرابلس بين 1553– 1565م، ولم يعد هناك أي أثر لهذه القلعة.

برج بو ليلة

الوظيفة الدفاعية للسرايا الحمراء لم تكن لتكتمل لولا الأبراج المنتشرة حول سور المدينة القديمة، وأهمها برج “بو ليلة” الذي شيده أحمد باشا القره مانلي عام 1711.

وقصة الاسم حسب جمال الدريدي المهتم بدراسة تاريخ وعادات مدينة طرابلس تعود إلى ليلة من ليالي عام 1685 نصب فيها المارشال الفرنسي دي استري مدافعه فوق جزيرة صغيرة على شكل نتوء صخري في البحر، وقصف منها طرابلس رداً من البحرية الفرنسية على قرصنة السفن الليبية للسفن التجارية الفرنسية، وحسب الدريدي فإن هذا النتوء يقع قبالة المدينة القديمة، ومنذ ليلة القصف عُرف بـ”صخرة ‫‏الفرنسيس”.

وفي عام 1711 شيد أحمد باشا برجاً فوقه وأسماه برج “بو ليلة”، استخدم كحصن للدفاع عن طرابلس من تهديدات البحرية الفرنسية، ويعتبر هذا البرج البحري من المعالم التاريخية التي تعرضت للإهمال والتشويه رغم أهميته، حيث استخدم – حسب الدريدي – في سبعينيات القرن الماضي كمقر للشركة التركية التي نفذت ‫حاجز أمواج ميناء ‫‏طرابلس، فقامت بردم المنطقة الواقعة بين البرج وطريق الميناء، مما أدى إلى طمر مدخله تحت مستوى الطريق، وفقد بذلك الكثير من معالمه، ثم خُصص لنادي الغوص الذي أقام فيه مصنعاً لتعبئة اسطوانات غاز الأكسجين، وصار لاحقاً مطعماً للأكلات البحرية.

البرج اليوم مهمل كغيره من المعالم ويقول الدريدي “حالياً لا أدري ماذا فعلوا بهذا البرج التاريخي العتيد، وربما أصبح ملعوناً من عفسة الجن التي في داخله والتي كنا نسمع عنها في حكايات الماضي” (المحرر: كان الأمهات يخفن أبناءهن من دخول البرج بادعاء أن الجن داس أرضيته).

ومن الأبراج البحرية أيضاً برج الفلفول ويقع قرب بوابة الفلفول البحرية داخل المرسى بين برج بو ليلة والمندريك، ثم برج المندريك ويقع أيضاً داخل المرسى، شيده أحمد باشا القره مانلي أثناء فترة حكمه 1711 – 1745م.

برج بوليلة (الصورة: عن الشبكة)
برج بوليلة (الصورة: عن الشبكة)

حول المدينة

أبراج طرابلس الأخرى وهي ثلاثة عشر برجاً بنيت حول المدينة في أزمنة مختلفة، يعددها حودانه تالياً حسب مواقعها باتجاه عقارب الساعة، وهي برج القديس جورج ويقع في الركن الجنوبي الشرقي لقلعة السرايا، ويتخذ شكل مقدمة السفينة ويطل على شارع الاستقلال، بناه الإسبان عام 1510م، وبرج القديسة باربرا يطل على ميدان السراي ويقع بين برج القديس جورج وبرج القديس جاكومو، ثم برج القديس جاكومو أو يعقوب ويقع في الركن الشمالي الشرقي من القلعة، وأطلق عليه جاكومو لأنه تصادف سقوط طرابلس في يد الإسبان مع عيد هذا القديس، وقد دمره الأتراك عام 1551 عند احتلالهم للمدينة ثم قاموا فيما بعد بترميمه وتعديله وهو لازال موجوداً.

وبالإضافة للأبراج الملحقة بالقلعة – يواصل حودانه – هناك العديد من الأبراج المنتشرة في المدينة وخارجها، أهمها برج دار البارود يقع غرب باب هوارة وغرب القلعة وكان في السابق مرتبطاً بالسور القديم للمدينة وإن كان به بروز للأمام صوب الجنوب، مطلاً على سوق الخبزة – ميدان الشهداء حالياً – بناه درغوث باشا وأكمله أولوج علي.

يأتي بعده برج الكرمة أو برج الدباغ والجلود، مكانه عند الزاوية الجنوبية الشرقية من السور وسمي ببرج الكرمة بسبب وجود شجرة تين بجواره، وببرج الدباغ والجلود بسبب قربه من مدابغ الجلود ولازالت زنقة الدباغ تعرف بنفس الاسم، وبرج السي عمران وموقعه عند منتصف السور الجنوبي بالقرب من ضريح السي عمران المعروف بالمرابط، أزالته السلطات الإيطالية عند إزالة السور الجنوبي، ثم برج باب زناتة ويقع بالجهة الجنوبية الغربية من المدينة قرب الباب الجديد أنشئ على مدخل باب زناتة.

ويليه برج التراب أو الطابية شيده درغوث ريّس باشا أثناء توليه الحكم 1555 – 1565م على ربوة السور الشمالي للمدينة، وقد اشتهر باسم برج التراب بسبب كميات التراب الكبيرة التي جلبت لتشييده، قام بتجديده سنة 1299 هجرية الوالي أحمد راسم باشا، واشتهر بعد ذلك باسم برج الفنار، وقد قامت سلطات الاحتلال الإيطالي بهدمه وتشييد نصب الجندي المجهول مكانه، ثم اشتهر هذا المكان باسم القبة بسبب وجود القبة المقام عليها النصب الذي هدم أيضاً في عهد الاستقلال وأقيم مكانه خزان كبير لتغذية المدينة بمياه الشرب سمي خزان القبة.

يليه برج الدالية أو برج فرارة سمي بالدالية لوجود شجرة عنب بجواره، شيده الإسبان عام 1510 عند الزاوية الشمالية الغربية للسور مقابل برج بو ليلة.

ثم برج السبانيول القديم وعرف بعدة أسماء وهي القديس بطرس ودرغوت والأحمر والطايح، يقع عند الزاوية الشمالية الشرقية من السور، أقامه الإسبان عند احتلالهم لمدينة طرابلس سنة 1510م وسموه برج القديس بطرس، ثم بنى درغوث باشا على أنقاضه برجه الذي عرف فيما بعد باسمه، واشتهر باسم البرج الأحمر لأنه شيدً بالطوب الأحمر، وبالطايح لأن جزءاً كبيراً منه تهدم نتيجة انفجار قوي في عهد الوالي محمود نديم باشا عام 1860م فسمي بالبرج الطايح.

وبرج الشريف شيده مصطفى الشريف داي 1629 – 1631م بالقرب من بوابة المرسى، وبرج المجزرة يقع عند السور الشمالي الشرقي بالقرب من ضريح الشيخ الشنشان والسرايا، يقال إنه أحد الأبراج الخمسة التي قام بتشييدها عثمان الساقزلي أثناء توليه حكم طرابلس بين 1649 – 1672 واشتهر باسم المجزرة بسبب وجوده بالقرب من سلخانة المدينة وأخيراً برج الساعة وهو لا يدخل ضمن تحصينات المدينة ولكن ربما استعمل كبرج للمراقبة بالإضافة إلى وظيفته الأساسية برجاً للساعة، يقع بالجهة الشرقية للمدينة عند مدخل سوق الترك وسوق القزدارة شيده علي باشا الجزائري 1866 – 1870م.

مقالات ذات علاقة

رحلة مع الزمن عبر أبواب طرابلس

المشرف العام

الحكاية المنسية في الأخبار الطرابلسية 1880 – 1950

المشرف العام

فى ذكرى الجيش الليبى 1

سالم الكبتي

اترك تعليق