النقد

احتفاء بـ(الخُرافة في الأدبِ الغدامسي) وغيرها*

متاب الخرافة في الأدب الغدامسي للدكتور الصديق الطيب البخاري
متاب الخرافة في الأدب الغدامسي للدكتور الصديق الطيب البخاري

بداية من غلاف واجهة كتابه يختصر الدكتور الصديق الطيب البخاري العديد من التساؤلات التي قد تعصفُ بذهن القارئ، وتزرعُ بعض التخمينات أو التوقعات حول محتواه ومضمونه. فصراحة العتبة الأولى لمؤلفه الصادر هذا العام 2021م (الخُرافة في الأدب الغدامسي) تعلن مباشرة عن موضوعه، وتوفر قدراً كبيراً من المعلومات الأولية التي تحدد جنس الموضوع وهو (الخرافة في الأدب) ومكانه الجغرافي وهو (مدينة غدامس)، مما تتيح له بالتالي مصافحة مفعمة بالدفء والتشويق للغوص في فصوله الثمانية عشرة، سواء مع المختصين في الأدب، أو المهتمين والعاشقين لحكايات التخاريف والقصص الشعبية والروايات والسير التراثية، والتي تكاد تنقرض في عصرنا الراهن بعد غزو التقنيات الحديثة على حياتنا المعاصرة، وتهديدها لمكونات الهوية الثقافية والكيانات الاجتماعية كافة، رغم بعض محاولات إحياءها والاحتفاء بها ضمن برامج الفضائيات الإعلامية كنوع من الفانتازيا المبهرة والعمل على تسويقها تجارياً بشكل تقني جذاب ومربح.

فالخُرافة (بضم حرف الخاء وفتح حرف الراء) تشير لغوياً إلى الخيالي غير الوجودي في الحياة وتصفه بأنه (خُرافي) أو (أسطوري) أي ليس له جذور أو حدوث أو حقيقة في عالم الواقع. أما الخُرّافة (بضم حرف الخاء وتشديد حرف الراء بالفتح) فهي تعني الحكاية التراثية التي رضعناها وعرفناها وسمعناها من قصص الجدات أثناء سني الطفولة البكر فكانت توطن فينا عالماً تتماهى فيه أحداث القصص المحكية المطرزة بنفحات من أخيلة خلابة حتى تكاد تصبح في معتقدنا واقعاً حقيقياً، نترقب ظهوره المادي مباشرة أمامنا، بمجرد الانتهاء من روايات قصصه الممتعة والمشوقة التي لا نمل سماعها من جداتنا.

وفكرة الخرافة تأسست على نسج خيالات لذيذة تنحاز إلى الإمتاع والتشويق، دون اعتبار لأي منطق علمي في تكوينها، أو عقلانية عناصر أحداثها، أو حقيقة وجود شخصياتها، وإن ظلت تنتمي إلى عوالم إنسانية مفعمة بمشاعر الخير والمحبة، وكل القيم التي تعمل المجتمعات على ترسيخها في ثقافتها وموروثها الشعبي وتراثها الفلكلوري، ولذلك فهي تصنف إرثاً تاريخياً يتناقله الناسُ جيلاً بعد جيل، استطاع أن يكتسي صفة أدبية وطدت علاقة الخرافة بالأدب حتى صارت عنصراً من عناصره التشويقية وروافده الإبداعية التي تتطور من جيل لآخر، لما تملكه الخرافة من خاصية احتضان الإضافات والتعديلات والتحويرات بما يتوافق مع معطيات ومستجدات ومتغيرات الأزمنة المتعاقبة، وبذلك استحدثت فرعاً من فروع المعرفة صار يعرف اصطلاحاً بعلم الميثولوجيا الذي يهتم بدراسة الأساطير وتفسيراتها وتتبع تبايناتها زمنياً في المجتمعات المختلفة.

وجاء كتاب (الخرافة في الأدب الغدامسي) للدكتور الصديق البخاري تماشياً مع هذا السياق ذي الغايات النبيلة الهادفة، واهتماماً وغيرةً على كنز الموروث اللامادي الذي تزخر به مدينته غدامس جوهرة الصحراء، من أجل تسجيله وتوثيقه وحفظه للأجيال القادمة. وهو يقول في مقدمته (ورثنا، نحن الأبناء، قدراً غير يسير مما خلّفه الأقدمون من هذا النوع من التراث، وإن ضاع جله، فإن ما أدركناه أو نحاول إدراكه كافٍ لبيان ما تمتعت به المدينة من تراث، وما لأهلها من ثقافة وتاريخ، دلَّ عليه هذا الكم الذي وصلنا من حكاوي وخرافات …).

ويلمح المؤلف إلى خطر يهدد هذا التراث فينبه قائلاً (من الواجب الاشارة لكون التراث اللامادي هذا كله في المدينة غير موثق وهو شفهي فقط، يتناقل بالتوارث) ولا شك بأن هذه الإشارة تمنح الكتاب أهمية كبيرة في تسجيله ما أمكن من التخاريف الغدامسية، كما يعكس دور الأدب في حفظ مقومات الهوية الثقافية للمجتمعات الإنسانية.

وتضمن كتاب (الخرافة في الأدب الغدامسي) للدكتور الصديق الطيب البخاري ثمانية عشرة فصلاً تصدرت بأسماء أماكن وشخصيات وحكايات، وتسلسلت عناوينها كالتالي: (قيزو، بابلال، امبرداز، دان ابونمزو “دار نمزو”، دان دا شميرة، آيت دن صالح، آيت دن زكري، قشة أد مشه، شانقليلت “فضمة نيفض”، دان باباني، كرمتو، امرأة دان اسقو باعلي، اككو إن لا شيخو، البنت والهرة والغول، السلطان ذي القرنين، اليهودي والخال وابن أخته، الوحشي، داج نلم “حوش الجمل”).

ونلاحظ أن المؤلف لم يكن وفياً لتراث مدينته فحسب، حين حافظ على عناوين فصول كتابه وأسماء شخصياته باللغة الغدامسية الأصلية القديمة فوطنها بين صفحات تراثنا الأدبي، وكتبها بالحروف العربية، في سفرٍ أدبي تاريخي، إسهاماً في زيادة انتشارها والتعريف بها، وإتاحة الفرصة للدراسين بتناولها، وهو عمل وصنيع سيظل يحسب له، بل نجد وفاءه قد امتد واتسع ليشمل المناهل والمنابع التي استقى منها شخصيات تخاريفه ومن بينها جدته المتوفاة سنة 1972م حين أشار إليها في خرافة (اليهودي والخال وابن اخته) التي تعالقت مع شخصية اليهودي “شايلوك في مسرحية (تاجر البندقية) الشهيرة للأديب الانجليزي وليم شيكسبير.

الكاتب يونس الفنادي صحبة صحبة الدكتور الصديق الطيب البخاري
الكاتب يونس الفنادي صحبة صحبة الدكتور الصديق الطيب البخاري

كما تجسد وفاء الكاتب لمدينته وأهله وتراثه كذلك في انشغاله بها، وغزارة إصداراته حولها، والتي من بينها كتابه (الطريق إلى غدامس) باللغتين العربية والانجليزية، وأيضاً كتابه (غدامس “عديمس” الجوهرة الفريدة “تجمنت ايفرزن”) الذي يتناول فيه أسطورة اسم مدينة غدامس، وعين الفرس الأزلية “غسّوف”، واللغة الغدامسية الفريدة، ومدينة غدامس القديمة “عديمس”، ومعمار البيت الغدامسي، ونوادي النساء المعلقة، وطقوس المناسبات الدينية والاجتماعية، والمأكولات الغدامسية، وتاج المرأة الغدامسية، والفنون الشعبية والعرس والزينة والمصنوعات التقليدية الغدامسية، وبريد وهايد بارك المدينة، والمخطوطات التاريخية التي تكتنزها البيوت الغدامسية العريقة.

أما كتابه (القادوس: ساعة غدامس المائية) فهو توثيق لنظام إنساني بديع في توزيع المياه بكل دقة سواء من حيث الكمية أو التوقيت على جميع مزارع ومساكن مدينة غدامس القديمة. إنّ هذه الآلية الفذة التي ابتكرها أهالي غدامس منذ آلاف السنين تؤكد وتبرهن على حضارة المدينة وثراء الفكر الإنساني بها، وفطنة أهاليها في ابتكار نظم ري وسقاية دائمة وعادلة بينهم، ونبوغهم في صناعتها وإدارتها بكل قبول ورضى من الجميع، وفاعلية في استمرارية الحياة والمحافظة على البيئة.

خلال زيارتي لمدينة غدامس وقعتُ في غرامها وعشق بيوتها وزقاقها ودروبها وممراتها الضيقة، وكثبان رمالها الناعمة، وانبهرتُ ببراعة الفكر الغدامسي في توظيف ضوء الشمس والتهوية الطبيعية من خلال فتحات معينة وانعكاسات لمرايا متعددة مثبتة في جوانب وأركان محددة، لتوزيع الإضاءة وسط البيوت والطرقات والممرات. كما آسرتني الزخرفة الغدامسية الجميلة، وهندسة المثلثات، وألوان النقوش والرسومات والخطوط، التي جميعها تمثل هوية للحضارة الغدامسية بكل تميز وتفرد.

وبعد مطالعتي لإصدارات عديدة، كانت كلَّ ما غنمته من تلك الزيارة، إضافة إلى تقديرٍ واحترامٍ وصداقاتٍ حبيةٍ خالصة، أيقنتُ أن مدينة تستمد حضارتها من تراث يرجع إلى أربعة ألاف سنة مضت، وصوت الحق فيها يصدح به أعرق وأقدم مساجدها وهو “الجامع العتيق” منذ تشييده سنة 44 هجرية، لجديرة بهذا الحضور والألق الإبداعي والتراث  التاريخي، وكذلك بأبنائها البررة الأوفياء، والذين من بينهم الدكتور الصديق البخاري الذي وطن وفاءه لأهله ومدينته وبلده وربط السلف بالخلف كما يؤكد في إهداءه (إلى روح أسلافنا رحمهم الله جميعاً، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأسكنهم فسيح جناته. إلى أبنائنا حفظهم الله ورعاهم، عل هذا يعرفهم تاريخهم وحضارة مدينتهم فيفخرون بها وينتمون لها. آمين.. آمين.. آمين يا رب العالمين.) وبالتالي جسده في جملة من الإصدارات القيمة التي يستحق عليها كل التحايا وأجمل التمنيات بدوام التوفيق والإبداع.


(*) كلمة ألقيت في حفل توقيع الدكتور الصديق البخاري وآخرين بعض إصداراتهم، فندق هارون بمدينة طرابلس مساء يوم الثلاثاء الموافق 14 ديسمبر 2021م

مقالات ذات علاقة

نهر حكايات يغمر «نهارات لندنية»

المشرف العام

عبدالله القويرى.. سيرة صاحب الكلمة

أحمد الفيتوري

جماليات السرد وآفاق التأمل في الرواية الليبية – 2

عبدالحكيم المالكي

اترك تعليق