طيوب عربية

بصمات في السماء

نورالدين بن بلقاسم ناجي (تونس)

من أعمال التشكيلي محمد التونسي
من أعمال التشكيلي محمد التونسي

ومرة خطر لي في أثناء بحثي عن بصمات حبك في السماء؛ إنك قد تكون غامرت بالرجوع الى الارض؛ قد تكون تركت جرحا على اديم الارض؛ في هذا الوقت المبكر خطر لي أن أقلامك الحمراء ربما تركت رسما على تلك الارض؛ ربما تركت بصمات ما تأخذني الى حب ما؛ بصمات عينيك في كل مكان؛ في كل زمان؛ انت تركت بصمة…بصمتين…انت تركتني ارسم نظرة …نظرتين؛ اشعر ان ازهارك تتفتح؛ اشعر اني ابحث  في تراب حديقتك عن حب اضعته؛ قد التقي بنظراتك…ببصماتك قد نلتقي بعطر ازهارنا أثناء بحثنا عن شيء اخر؛ قد اجد في الارض ما اضعته في السماء؛ كم وجدت من نقود ضائعة في التراب؟ كم وجدت من اقلام؟ كم وجدت من اقدام لا تدل على اقدامك؟ كم وجدت من ارقام ينقصها رقمك؛ ينقصها حبك؟ كم وجدت من عنوان لا يدل على عنوانك؟ كم وجدت من ورقة دون عنوان؛ كم وجدت من اشخاص دون احلام؟ كم وجدت من ازهار برية دون اسماء؟ لا يمكن ان اجد حبا انا صاحبته؟ لا يمكن ان اتفاوض على حب انت صانعه؛ انت صنعت العشق وانا صنعت الحب؛ الا يمكن ان اجد رقما انت صاحبه؟ كل العشاق يتركون ارقامهم؛ كل العشاق لا يتركون احلامهم؛ كنت دائما ارجع النقود الى اصحابها؛ الا يمكن ان ترجع لي حبا اضعته؟ الا يمكن ان تأخذني الى حب انت صاحبه؟ كم مرة اضعت نقودك؟ كم مرة اضعت وجهك؛ المهم خرجت ابحث عن شيء ثمين؛ شيء يقترب من الحب ولا يبتعد عنه.

   انتبهت الى نملة ضائعة تشق بصعوبة طريقها؛ هي امام هدف واضح تريد تحقيقه؛ هي تجمع القوت؛ هي تجمع الحب؛ خطر لي ان النملة تعرف مكان وجودك؛ تعرف رقمك وعنوانك؛ تابعت معها السير نحو هدف محدد لكنه لم يكن هدفا في غياب هدف واضح المعالم؛ اذا سألتني النملة لماذا تتبعين خطواتي؟ لماذا تقلدين حركاتي؟ كنت بالتأكيد سأجيبها؛ خرجت ابحث عن حب ضائع؛ تلك النملة هي املي الوحيد؛ اغوتني طريقتها في الحب؛ طريقتها في البحث؛ هي تشبه في رحلتها بحثا عن القوت؛ رحلتي بحثا عن حبك في أديم الارض؛ في اعماق التراب؛ تركت اكثر من حب لا يدل على حب؛ فكرت ان تلك النملة لم تخرج من غيرانها عبثا؛ بل خرجت تبحث معي عن بصمات رجل صحراوي؛ رجل اختفى في اعماق الارض؛ رجل مرت قافلته من هنا؛ خرجت ابحث عن بقايا حب صحراوي؛ لا دليل لي في تلك الصحراء الا تلك النملة؛ لم ترفض مساعدتي؛ لم يسال احدنا الاخر لماذا خرجت مبكرا؟ كنت اعرف ان الخروج في طلب الرزق باكرا يعطيك الرزق باكرا؛ كنت اعرف ان الخروج في طلب الحب باكرا قد يعطيني الحب باكرا؛ يخرج الحب من  اعماق الارض باكرا؟ كل العشاق يخرجون في طلب الحب باكرا؛ الم تدخل النشوة الى جسدي باكرا؟ الا تخرج الارواح من الاجساد باكرا؟ لماذا تركت النملة حبها؟ لماذا تركت صغارها ؟ لماذا تركت حبها؟ حينئذ فكرت لماذا انا عدت؟ لماذا انت خرجت ؟ لماذا غادرت الروح جسدي؟ لماذا هجرت الطيور في السماء فراشي؟ تحتاج النملة الى الخبز وانا احتاج الى الحب؛ تتشابه القصتان؛ كلانا على طهارة؛ خرجنا معا نبحث معا عن زهرة برية، اسمها زهرة القوت؛ او زهرة الحب؛ النملة تحتاج الى الخروج في الصيف حتى ترتاح في الشتاء؛ وانا احتاج الى الخروج بين أول الصيف واخر الشتاء؛ قد نلتقي؛ قد نلتقي مع حب اخر؛  الاصل في قد مع فعل مضارع انها تفيد الشك؛ وانا لا اشك انك خرجت ولم تعد؛ من حقي ان اجمع ما بقي من اقدامك في الصحراء، أو ما بقي في فراشك من احلام؛ من حقي ان اجمع ما بقي من حب تناثر مع الايام؛ تناثر مع الازهار؛ من حقي ان احميك من عواصف الصحراء؛ يأتي الحب مع عواصف الصحراء؛ تمشي قافلتي مع الصحراء جنوبا وقد تصل الى غرب الصحراء؛ هناك مناطق وعرة تسكنها الافاعي والعقارب؛ قد اجازف بدخولها؛ تحتاج الانثى من يجازف من اجلها؛ كيف لا اجازف من اجلك شرقا وغربا؟ النملة الضعيفة تغامر من احل صغارها؛ الا اغامر انا ايضا من اجل حبنا؟

    تحتاج النملة من يساعدها على حمل الاثقال؛ لم ادخر وسعا في مساعدتها؛ هي تتظاهر رغم ضعفها بالقوة؛ احتاج الى قوتك حتى أتجاوز ضعفي على فراشك الرملي، هي تكره الهزيمة امام صغارها؛ ألا احتاج انا ايضا الى مساعدتك؟ الا احتاج الى قوتها حتى اواجه حبك في تلك الصحراء القاحلة؟ أكره الهزيمة امامك؛ ابحث فيك عن انتصار ساحق؛ عفوا عن حب صحراوي ساحق؛ كم هزمتني؟ في الحب اكثر من هزيمة؛ لا توجد الا الهزيمة؛ مر امامي ثعلب صحراوي يطارد غزالا بريا؛ رفض الغزال الاستسلام؛ أعطى كل سرعته؛ اعطى كل حبه للحياة؛ فر هاربا من الحب حتى الموت؛ قاوم بصعوبة احتيال الثعلب عليه؛ اختار الغزال حتى ينجو بنفسه ان يقطع عدة مسالك برية ملتوية؛ استنزف الغزال عن قصد طاقة الثعلب؛ جره الى العدو؛ خارت قواه؛ احس الثعلب الماكر بطعم الهزيمة؛ فكرت ان الحب عدو ماكر؛ فكرت ان اثر خطواتك في الصحراء قد  تركت أثرا كالجرح، رسما كالحب لا يدل على الحب،؛ فكرت ان الثعلب اخذ كل ما أملك من ذكرى لا تدل على ذكرى، فكرت ان الثعلب صديقك؛ لن تدعني وشاني؛ لابد ان تاخذ بثأرك مني؛ تريد الانثى من يثار لحبها؛ تريد حبيبها حيا او ميتا؛ انت رجل صحراوي يرفض الاستسلام امامي؛ يرفض ان يعطي سلاحه وحصانه امام  انثى ضعيفة؛ مازالت تكتشف على طريقة الاطفال براءة النشوة، براءة حبها البدوي؛ هو حب بدوي لا يظهر الا في الصحراء القاحلة؛ يختفي وسط الرمال، يختفي في تلك الفيافي، حيث لا عشب ولا مرعى، فكرت ان الحب نبتة برية لا تظهر الا في الصحراء، فكرت لماذا تجردت الصحراء من ملابسها؟ لماذا كشفت الصحراء عن نهديها؟ أرى هضاب وتضاريس رملية، ارى نهدين معلقين في السماء، ارى ذلك الراعي يحلب تلك الناقة، أرى ذلك الذئب يترصد الراعي، أرى ذلك الراعي دون حب يطلب الحب من السماء، صعدت الهضبة بهدوء اراقب كثبان الرمل، لماذا كشفت الارض عن عورتها؟ لم ارفض ما طلبه الراعي، لم ارفض نظراتك؛ لم ارفض دعوتك الى الفراش؛ عفوا لم ارفض دعوتك الى الصحراء؛ لم ارفض دخول حصانك الى ارضي؛ لم ارفض دخول ناقتك الى المرعى؛ اعطيتها كل العشب والماء؛ اعطيتها كل الحب؛ صارت تحب ما احب وترفض ما ارفض؛ لكنها امتنعت رفضت ان تأخذني الى ارضك؛ هي تأخذ ولا تعطي؛ هي تحب وترفض ان ترى ما تحب؛ ترفض حزني؛ هي ناقة حساسة؛ فكرت ان ناقتك عاشقة مجنونة؛ انت هجرتها؛ انت تخليت عن حبها؛ هي تستبيح حدود ارضك؛ وهل يوجد بين العشاق ارض لها حدود؟ هي تشرب من انهارك؛ لم اعلن عليها الحرب لأنها كسرت بيض نعامتي؛ كنت متسامحة معها؛ دللتها؛ غازلتها؛ اعطيتها هودجي؛ اعطيتها مزماري؛ كانت تنظر الي بإعجاب؛ كانت تحبني باستغراب؛ صارت تغني؛ امتطيت على ظهرها ابحث عن بصمات يديك في الصحراء؛ تركت النملة وحدها؛ تركتها في رحلة الشتاء والصيف؛ تركت لها ما تبحث عنه؛ لكنها لم تترك لي اثرا يدل على حبك لي؛ صارت قريبة مني بعيدة عنك؛ صارت مثلي لا تفكر مثلي؛ هي لا تفكر الا في حبها الى الابد؛ هي تفكر في حبها لك الى الابد؛ ومن اهوال الرحلة الغامضة في جنوب الصحراء؛ عقارب صفراء اللون؛ لها اقران كالكباش؛ شنت العقارب عليّ اكثر من هجوم؛ لم تستسلم؛ لم افكر في قتلها؛ اعحبني اصرارها على الهجوم؛ لم تفكر في الدفاع عن حقها في الحياة؛ المهم ان تكسب المعركة لاني دخلت ارضها دون اذن؛ هي تريد ان تدافع عن ارضها؛ هي تريد ان تتمسك بحبها؛ هي تريد ان تبسط كل سيادتها عل الارض؛ اما انا فقد فقدت معك كل سيادتي؛ فقدت كل ارضي؛ فقدت كل نشوتي؛ لا استطيع مهاجمتك؛ لا استطيع ان اتخلى عن حبي لك؛ تعاملت مع تلك العقارب اللسّاعة بحذر شديد؛ تجنبت غيرانها؛ تجنبت الدخول معها في معركة خاسرة؛ كل معارك الحق في انتزاع الارض من اصحابها خاسرة؛ كل معارك الحب معك خاسرة؛ صرت لا اتحمل مزيدا من الخسائر معك؛ هي لا تفكر انها اذا لسعتني في هذه الصحراء ستقتلني؛ وانا خرجت حتى لا اموت؛ حتى لا افقد حبا انا بحاجة اليه؛ ولكن فكرت لماذا ارادت العقارب مهاجمتي؟ لماذا لم تفكر اني احتاج اليها حتى تدلني على غيرانك الصحراوية؛ انت من دربها على الهجوم؛ هي تحمل كل صفاتك؛ تمارس نفس افعالك معي؛ كانت عنيدة؛ تحتاج الانثى الى رجل عنيد لا يلقي سلاحه من اول نظرة؛ تحتاج الانثى الى رجل عنيد ينتزع منها السيادة على الارض بقوة؛ ارفض استسلامك بسرعة على فراشي؛ ارفض نداء خيولك تعدو بسرعة؛ لا احتاج الى حب سريع؛ احتاج الى حب صحراوي بقوة الرياح في السماء: احتاج الى نشوة داخل نشوة بقوة الامواج في الصحراء؛ لطمتني دواوير رملية؛ اخذت كل العقارب؛ اخذت كل ذكرياتي معك؛ غير بعيد شد انتباهي ان النملة لم تستسلم امام الرياح؛ لم تعطي قوت صغارها؛ شد انتباهي ان الناقة اعطت كل شيء؛ هي تعطي ولا تعطي؛ كأنها ناقة البسوس؛ لماذا منعوها من المرعى؟ لماذا منعوها من تحقيق حبها؟ لماذا منعتني من دخول صحرائك؟ لماذا رفضت ان ادخل ارضك؟ صحيح اعجبني ان ناقتك تصبر على الماء؛ هي تصبر على فراق من تحب؛ لكني لم اعد اصبر على فراق اصابعك؛ تتحرك على جسدي مثل دبيب النمل؛ تحركت نحوها؛ صحيح اني لم اعد اصبر على غياب وسط غيابك؛ لم اعد اصبر على حب وسط حبك؛ لم اعد اتحمل  فراقا وسط فراقك؛ دخلت النملة الى جحرها امنة مطمئنة؛ دخلت الى خيمتك؛ دخلت الى عمر اطول من عمرنا؛ دخلت الى تحقيق نشوة في غياب نشوتك؛ اهتزت اركان الخيمة؛ عصفت بها الرياح من كل جانب؛ تركتني بعد غياب وسط الغياب ابحث عن حب وسط الحب دون ان احقق الحب؛ تركتني بعد غيبة؛ بعد غيمة دون حب ابحث عن حب خارج الحب نفسه؛ تركتني في الفجر دون فجر ابحث عن فجر نشوتك؛ افترس الفجر  جسدي؛ رفضني حصانك؛ تجاهل نشوتي؛ رفض ركوبي معك؛ هو لا يطمئن الا الى ركوب صاحبه وانا لا اطمئن الا الى ركوب ناقتك الرملية.

   من معاني الاداة الا ان تفيد الاستثناء؛ الم تكن في رحلتي؛ رحلة الشتاء والصيف ذلك المستثنى منه؟  الم يكن حبك هو الاستثناء؟ الم اكن  في حبي لك اداة الاستثناء؟ بحثت عن المستثنى؛ لم اجد الا تلك النملة حققت كل السعادة؛ لم اجد الا نفسي تعاتب نفسي؛ لم اجد الا حزني يعاتب حزني؛ لم اجد الا حبي يملا حبي؛ لم اجد الا فجري يملا فجري؛ حرف الحاء من الحب وحرف الباء من البعد وحين تلتقي الحاء مع الباء لا افكر اني ابتعد عنك؛ اضم كل حروفك؛ اضم كل شفتيك؛ أضم كل يديك على الارض؛ رفضت الباء حبي؛ لم اجد حرف الحاء؛ لم اجد حبك؛ لم اجد فجرك؛ اضعت ناقتك من جديد؛ اضعت طريق عودتك.

     فكرت ان النملة مخطئة؛ لا يمكن ان تجد قوتها هنا؛ هي اخذتني الى هنا خطا؛ لا يمكن ان اجدك في تلك الارض القاحلة؛ لا يمكن لتلك الارض ان تحمل في قلبها حبا بحجمنا؛ الحب لا يسكن الصحراء؛ حتى تلك البئر العميقة التي فكرت ان اسقط فيها جفت عينها من الماء؛ جفت من الحب؛ هي لا تصلح للحب؛انت تكره الصحراء؛ انت لا تحب الارض الجدباء؛  انت تحبني انا فقط؛ لا يمكن ان اجدك الا هناك؛ انت بالتاكيد تجلس هناك.

مقالات ذات علاقة

الإبداع يؤخلقه المعنى (2-7)

المشرف العام

دماء تشرينية

المشرف العام

رواية (كيلاّ) لأسعد العزّوني ونبوءة الانهيار الدّاخلي للكيان الصّهيونيّ

المشرف العام

اترك تعليق