قراءات

رواية آلهة الشدائد للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا (محمد مولسهول)

الزهراء البُقار

غلاف رواية (إلهة الشدائد)

رواية تعتمد على حوارات فلسفية ورمزية مكثفة، يعرفنا الكاتب على مجموعة من الناس تسمي نفسها بجماعة “الحر” تقيم على شاطىء البحر الأبيض المتوسط بأرض مقفرة مليئة بالخردوات والقمامة، وبعيدة عن ضجة المدن والعيون، حيث تعيش هذه الجماعة المتشردة كإنسان بدائي في عصرنا اليوم بقناعة ومفاهيم غريبة.

من خلال نمط عيشهم وأفكارهم وأحاديثهم، تدرك أن الكاتب يسخر من نمط الحياة الاجتماعية والسياسية، ومن حياة الإنسان كمواطن له حقوق وتوجهات سياسية، ومن علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، ويرمز ربما لشعوب وحكومات بعينها.

ويتهكم الكاتب من إرادة الإنسان، وعجزه على تحمل المسؤولية وتنظيم حياته إلى أن أوصله لمنزلة أدنى من الحيوان، فكل ما هو غير منطقي تراه منطقي في الرواية من خلال الحوارات الدائرة بين “جونيور” الأبله و”عاش” الأعور اللذان يعيشان معا في هيكل لسيارة قديمة، فكلما اهتزت مبادئ “جونيور” بين الحين والحين، يقوم صديقه “عاش” شديد الانتماء (لأرض الحر) كما يسمونها بثبات ذلك الاهتزاز، كما هو مبين في الحوار التالي بينهما:

الشراء؟ إنه لا يدخل في عاداتنا، إنه بدعة،إنه عمل مناف للطبيعة. عليك أن تلغي هذه الكلمة من عقلك. أن تمسحها من ذاكرتك، أن تطردها الى الأبد. إننا لا نستخدم هذه الكلمة ياجونيور. كم مرة عليا أن أذكرك بذلك؟
بـ
هذا ليس جوابا. ماذا يفيد العلم إذا كنا لا نعيه في ذاكرتنا؟ قل لي أولا، ماهي الحرية الحقيقية ياجونيور؟

ها ألا
كلا، أسمعني الجملة كاملة، منذ بدايتها.

الحرية الحقيقية تعني أنك لست مديناً لأي أحد. قالها جونيور بعظمة.

وما هي الثروة الحقيقية؟

الثروة الحقيقية هي ألا تنتظر أي شيء من الآخرين.

اغتبط ” عاش” وانفرجت أساريره لوهلة، وأردف قائلاً:
“الحر” لا يشتري شيئا لأنه لا يملك القرش. إنه يكتفي بأخد ما تقدمه له الصدفة…”الحر” يأخد باعتدال. دون حسابات ولا فوائد، ميزته الزهد في المأكل…ماذا يعمل “الحر” عندما يجد ورقة نقدية ياجونيور؟

يبصق عليها يا “عاش”

لماذا يبصق “الحر” على الورقة النقدية يا جونيور؟

لأن المال هو مصدر كل المصائب يا “عاش”

“عاش” يعتبر شخص ذكي بالنسبة لـ “جونيور” الأبله، وباعتبار أن كل منهم ينقصهم شيئا تبادلا
المفقود؛ كي يشكلان شخصا واحدا، جونيور ينقصه العقل وعاش لا يرى جيدا، فيقوم “جونيور” بدور العين المفقودة لـ “عاش” فيرافقه طوال الوقت أثناء تجوالهم المحدود المسافة وينبهه من خطر هجوم “الباشا” الذي يعارضه “عاش” في كونه متسلط، ويتهمه بأنه قد يسبب نفور البعص يوما من الجماعة، وهكذا يعيدنا الكاتب إلى الزمن الأول لتنظيم الحياة الاجتماعية وتفويض السلطة، وإلى ما آلت إليه الحياة من صراعات سياسية وفكرية.

“عاش” يخاف خطر التمدين لـ “جونيور” فبعد إقناعه بأنه شخص أبله وينقصه العقل، يعيد على مسامعه مبادئ وقانون العيش في الأرض المقفرة بالحجج و(المنطق) وتزيين العيش فيها، فيذكره بأن الضوء طبيعي يجيء من القمر والنجوم، والموسيقى تحدثها تلاطم الأمواج، ففي صداقة “عاش” و”جونيور” يشير الكاتب للتضاد بين الشعوب المتحضرة والنامية، والعلاقة بين الحكومات وشعوبها في الدول النامية.

كل الأشخاص لم يذكر ماضيهم وأسباب وجودهم وعيشهم بين الخرائب، وهناك كثيرون بطبائعهم الغريبة، ” هارون” العجوز الذي لا يكف عن أكل وشرب كل ما هو قذر وملوث حتى مات، وهناك بجانب الجسر العائم” الباشا”وعلاقته الغريبة بصديقه” بيبو” وجماعته التي تحرسه وتخدمه لأجل لا شيء إلا لكونه الباشا الذي حدثهم عن شجاعة عظيمة وقدرات لم يروها. وأيضا حوله العسكري الذي يحلم بالسيطرة على العالم، يحمي” الباشا” رغم كرههم المتبادل، ويخاف “الباشا” تعيينه كقائد يحتمل انقلابه يوما.

أفرط خضرا في الرمزية للأشخاص والمواقف أيضا.. فكل مشهد في الرواية أصبح لغز محير؟!!
هناك الـ “ماما” المرأة الوحيدة التي تعيش في الأرض المقفرة بضهورها الغريب بين الحين والآخر. تعيش “ماما” بصحبة صديقها”ميموزا” الذي لايصحو من الثمالة، “ماما” لا أذكر أنها تكلمت في الرواية، ظهورها قليل وبصورة بعيدة، أغلبه اقتصر في مشهد متكرر وهي تجر “ميموزا” للشاطيء كي يصحو، بالإشارة إلى نساء اقتصرت أعمالهن وضاعت حقوقهن في زمن سلطانه الرجل..

فجأة يظهر شخص من المجهول وكأنه رسول إليهم. يقول أنه يعرفهم ويعرف من عاشوا قبلهم وأنه جاء ليخرجهم من ظلمهم لأنفسهم، يقتنع به”جونيور”.، ويسترجع “عاش” الماضي الذي هرب منه إلى الأرض المقفرة، حتى يعترف بحقيقة تواجده في أرض الحر لصديقه ” جونيور” ويوصيه بأن يجرب حظه في العيش كحضاري في المدينة، رجل طبيعي له بيت وأسرة، بذلك، يكشف الكاتب (خضرا) سبب تواجد أحدهم، فيتضح بأن “عاش” بعد فشله كأب أسرة وخيانته لزوجته مع ابنة عمها غادر المدينة إلى موطنه الآخر ( أرض الحر) الى الأبد .

في الختام، رحل “جونيور” صباح يوم فجأة… افتفدوه… ضاعت أخباره… فيبكيه “عاش” الذي شعر بالذنب وأنبوه… اعتقدوا أنه عاش في المدينة، ثم يعود… يستقبلوه بفرح… يحكي أنه لم يرى المدينة جيداً… في لحظة وصوله لها، أخذوه ورموه في السجن لكونه متشرد، ثم حكموا عليه بالأعمال الشاقة، بعد سنوات قضاها في السجن عاد “جونيور” لكنه بيد معطوبة، هنا يظهر الكاتب إنسانيته بالإشارة إلى الطبقية الاجتماعية والعنصرية وغيرها من الفروقات التي تفصل بين الإنسان والإنسان، وحق العيش كإنسان ومواطن يتمتع بأبسط الحقوق، مبيّنا جزاؤه (لو تمنى العيش كالإنسان الآخر؟!).

مقالات ذات علاقة

(خرّيجات قاريونس)… روايتان في رواية

يونس شعبان الفنادي

وجع الفرح للقاص طاهر بن طاهر

عبدالله الغزال

علكة بوشناف والمشروع النهضوي العربي

المشرف العام

اترك تعليق