طيوب البراح

رجل بقلب طفل

موسى الفاخري

من أعمال الفنان التشكيلي علي الزويك

إنَّ الشخص حين يُبعث يوم الحساب فإنَّه يبعث عل ما مات عليه، لذلك سيبعث بطلنا المغوار باكيًا كما عاش باكيًا.. لم يضحك كثيرًا في حياته وإن حسبنا الأيام التي كان ضاحكًا فيها لوجدنها قليلة جدًّا، قليلة لدرجة أن يحتشم المرء في ذكرها..

كانت طفولته بائسةٌ جدًّا، منبوذًا بين أقرانه لضعف شخصيته وعدم امتلاكه لشيء يتميّز به بينهم.. كان له أخ يكبره بثمان سنوات، لم يكن ينظر لأخيه يومًا بنظرة الأخ الأكبر فقط بل ينظر إليه بأنه القدوة وأنه بطلهُ المفضل وكان يحبه أكثر حتى من أبيه وأمه..

بلغ الأخ الأكبر السّن القانوني فألتحق بالجيش بعد سقوط حكم القذافي وكان جندي أول في كتائب المُشاة رغم قلة خبرته العسكرية والقتالية، إلا أن تلك الفترة كانت مدينتنا الحبيبة تحتاج فيها لرجال تنبض قلوبهم بالوطنيّة لا بالخبرة التكتيكية، فإما أن تنظف المدينة من خوارج الدّين أو أن تكون كرة القدم عبارة عن جماجم بشرية لا جلدٌا مدورا..

كانت حياة بطلنا الصغير في سنوات الحرب مقتصرةٌ على الأكل والنوم والتفكير في أخيه ومشاهدة كرتونه المفضل “هزيم الرعد”.. كان عند سماعه لأغنية كرتونه المفضل يغمض عينيه ويتصور نفسه بسلاحه في ميدان القتال، يرسم في مخيلته لحظة النصر يسمع الأغنية ويردد معها:

أبرقِي أرعدِي أبطالًا وعدُوك أنبل وعد

جاؤُوكِ بصوت الحقّ الهادر كهزيم الرعد

بسيوفٍ أقوى من نارٍ عرفت كيف الرّد

ما هنتِ ولن تهنِي بل من أجلك ثار اِشتد..

فيشتعل قلبه بالأمل ويشعر بأنه بطلًا مغواراً.

تشتد محاور الحروب كل يوم ويزداد عدد الشهداء والجرحى فيزداد بذلك اضطراب وخوف المدينة بأكملها على ابنائهم وفرسانهم الشجعان.. في ليلة اشتدت ساحات القتال في المحور الغربي بشكل لم يسبق له أن حدث، تراجعت قوات الجيش بعد أن أتى دعمٌ للعدو من خارج البلاد عبر الجرافات، وكان عدد الجرحى والمصابين تلك الليلة كبيرا جدًّا يملئ كل مستشفيات المدينة، كان بطلنا على التلفاز يشاهد ما يحدث ورأى أخاه مصابًا برصاصة من سلاح رشاش في عنقه وكان الدم يغطى كل جسده..

انقلبت أحواله في رمشة عين.. فتحول ذلك الطفل البريء صغير السن إلى رجل، رجل مغوار وكأنه ولد للحرب وصار يتمتع بروحٍ قتاليّة عاليّة بعد أن كان يدعو ربّه أن تتوقف الحرب صار يتمنى ألا يموت إلى في محور من محاور القتال

وبعد انقضاء عزاءُ أخيه وقدوته وبطله في هذه الدُّنيا تحجر قلبه رغم صغر سنه، فما أصعب أن تكون في بداية حياتك وتخسر فيها أغلى ما تملك.. فالتحق بالكتيبة الثانية الصاعقة مشاة نفس الكتيبة التي كان من ضمن رجالها أخاه، احترمه كل الجنود والضباط لشجاعته ولحقه في الثأر وقدَّر أمِر الكتيبة روحهُ القتالية، ولُقِب لشجاعته بـ”رعد بنغازي”..

دامت الحرب سنتين أخرى ولم يبقى على التحرير إلا شارعًا واحدًا، شارع يقف أمام فرحة شعب بأكمله، فقام الجيش بهجوم قوي جدًّا تشتت فيه العدو وحاصروهم في مبنى كبير في أخر حي سكني كانوا فيه، كان العدو في أخر الشارع والجيش في أوله فتجمعوا عند بناية أمامها سيارةٌ مدمرّة كانت متراس للعدو..

ذخروا بنادقهم واستعدوا لاقتحام آخر مبنى للعدو في بنغازي كلّها، كان الشعب كافة على أحر من الجمر والكل على أعصابه ينتظر هذه اللحظات والدقائق وما ستسفَّر عنه من نتائج، كان هنالك شاب صغير السّن رشيقًا خفيفًا يقفز ويركض من اتجاه إلى أخر دون أن تصيبه رصاصةً واحدة ولا يطلق النار من سلاحه إلا وأصاب به أحد الأعداء، كان رغم صغر سنه يجيد الرماية بالسلاح أثناء الركض ويتمتع بروح قتاليّة عاليّة، يتفحص الجثث من الطرفين ويلتقط منها القنابل اليدوية فقط ويضعها في حزام مخصص لها كان مربوطًا في خصره..

أتت اللحظة الحاسمة وأمر الضابط بالهجوم فتجاوز الجنود المتراس الذي كان يحجب عنهم الشارع، اقتربوا من نهاية الشارع وصار بينهم وبين مبنى الأعداء بضع خطوات لا أكثر، فسقطت أمامهم مجموعة من القنابل الدخانيّة تليها رماية قوية من الأعداء بشتى أنواع البنادق اليدوية والرشاشات الخفيفة فتفرق رجال الجيش يريد كل منهم أن يجد حاجبًا يحمي به نفسه، رأي الضابط أن أحد من رجاله سقط أمام ذلك المبنى وكان يضع يده على صدره وتارةٌ يضعها على جدار المبنى..

توقفت الرماية للحظات وبدأ الدخان يتلاشى شيئًا فشيئًا وبدون أي مقدمات حدث انفجار كبير داخل المبنى جعل الشارع كلّه يهتز، توقف غبار ودخان الانفجار أيضًا فأنتهز الجيش فرصتهم واقتحموا المبنى فلم يجدوا فيه شيئًا غير الاسلحة والدماء الملطخة على جدرانه، وأشلاء الجثث في كل مكان وزاوية، أمر الضابط بتفتيش كل غرف المبنى فلم يجدوا أحد على قيد الحياة..

خرج كل الرجال خارج المبنى ابتسموا، صار يحضن كل رفيق رفيقه يغنون يرمون أسلحتهم ويركعون ساجدين لله على نصرهم، تفقدوا رفاقهم المصابين بعد هذا الاقتحام شعروا أن أحدهم لايزال مفقودا، تذكر الضابط الجندي الذي رأه قرب الجدار الخارجي أمام المبنى و اقترب من الجدار رأى أسفل الجدار مجموعة تأمينات للقنابل اليدوية ودماء كثيرة على الأرض، نظر للجدار فوجد مكتوب عليه بالدماء:

ما عَاش الظالمُ يسبيكِ

وفِينا نفسٌ بعد

بحنيني بدمِي أفديكِ

بنغازي لتُنبتِ مجد

بنغاري الرعد.. بنغازي الرعد

مقالات ذات علاقة

اسمك الحب

المشرف العام

كثيرون يغادرون.. يعبرون دون أثر

المشرف العام

حينما قابلتك

المشرف العام

اترك تعليق