حوارات

الشاعر الليبي عبد الله زاقوب الشعر يساهم في كشف الخطايا، وتعرية الطغاة و الجبابرة، و الرفع من مستوى معرفة الإنسان بذاته

الشعر يساهم في كشف الخطايا، وتعرية الطغاة و الجبابرة،

و الرفع من مستوى معرفة الإنسان بذاته

 

حاوره: إسماعيل القايدي

عبد الله زاقوب، من الأصوات الشعرية التي كثيرا ما تردد صداها في الساحة الثقافية الليبية،تفوح من كلماته رائحة نخيل واحة هون الجميلة، ينقلها لنا عبر مدينتها القديمة، وتضيء شمسها جنبات أشعاره. لعل الدفء القادم من كلماته هو سر أشعاره الجامحة التي تشعل فينا لهيب مشاعر تتوجه بنا الى المكان الذي شهد ولادة أشعاره، ويشدنا ذلك الحنين اللا متناهي الى الصحراء، والواحة والزغاريد الهونية، وكذلك هامات نخيلها الباسقة. للشاعر عبدالله زاقوب اربعة دواوين شعرية وهي : حالات _ صهيل الريح _الأشياء التي لا تضاهى _ سيرة غائمة.  كما تناثرت بعض باقاته في مجلات الفصول الأربعة  وصحيفة الشمس ومجلة الإذاعة وصوت الوطن وغيرها من المطبوعات الليبية والعربية.

الشاعر:عبدالله_زاقوب

لاحظت أنك تكتب قصيدة النثر منذ آواخر السبعينات أخبرنا كيف جئت إلى قصيدة النثر؟

جئت إلى قصيدة النثر، عبر قراءاتي المبكرة لشعر عبد الوهاب البياتي، وبدر شاكر السياب، وسعدي يوسف، وعلي قنديل وأمل دنقل، وإنصرافي المبكر لقراءة الشعر المترجم، لناظم حكمت، وبابلو نيرودا، وبول إيلوار ورامبو و أراغون. ثم إن قراءة الرواية بشكل مكثف.. منحتني الأفق الشاسع للسرد، والسعة الممكنة للمترادفات، وتعدد المستويات و المعاني للمفردات اللغوية، كما أنني لم أجد الميل النفسي و الذاتي للتعلق بالقصيدة التقليدية، بل وجدت نفسي مشدوداً ومنذ البدء للقصيدة الجديدة  سواءً ما تعلق منها بقصيدة التفعيلة، ثم الإنتقال سريعاً منها إلى قصيدة النثر.

هناك مجموعة من الشعراء في مدينة هون في الجنوب الليبي لهم حضورهم في المشهد الشعري الليبي السنوسي حبيب عبد الوهاب قرينقو محمد زيدان وعلى الربيعي وغيرهم السؤال كيف كان الشعر في هذه المنطقة قبل هذه الأصوات الجميلة؟

لا توجد أي أصوات شعرية بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة بالمنطقة، قبل أن توجد   هذه الأسماء الشعرية التي ذكرت، ولا بعد، بالشكل أو المعنى التنافسي أو التساوقي… رغم الفارق الزمني في ظهور بعضها عن الآخر، وتباين عطائها ثمة أصوات بعيدة وخافتة تتبنى القصيدة العمودية، أو قصيدة التفعيلة نجّلها ونقدر عطائها.. لكنها لا ترقى إلى مستوى الشعراء : حبيب وزيدان وقرينقو، والربيعيان.. محمد وعلي، وفياض وحنان يوسف و الحمروني، الذي خفت صوته منذ فترة.

عبد الله بمن تأثرت من الشعراء في بداية مسيرتك الشعرية؟

مبكراً قراءت، صلاح عبد الصبور و البياتي وسعدي يوسف وأمل دنقل ونازك الملائكة وفدوى طوقان ومحلياً علي الرقيعي وعلي صدقي عبد القادر ومن ثم محمد الفقيه صالح ومحمد الشلطامي، ومترجماً ناظم حكمت ورامبو وأليوت وبودلير ونيرودا ولوركا وأراغون.. من ذكرت من الشعراء كان لهم التأثير المبكر والمباشر في بداياتي  حيث إنكببت على قراءة أعمالهم الشعرية عبر المجلات و الصحف و المطبوعات الشعرية وإعادة تمثلها في الثورة على الذات ومحاولة تصحيح العالم، أو إعادة بناء الجسور المهدمة، وترميم العلاقات الرثة السائدة والقائمة بين بني البشر، ومن ثم إنطلقت أسعى في الأرض.. أبني لغتي التي كونتها من ماء وطين الأرض، من خلال تأسيس عمارتي الخاصة بي، ومفرداتي وصوري التي كونتها ولملمت اطرافها من جنبات  ومطالع الأرض الأربع.

والأن بعد أكثر من ثلاثين سنة من كتابة الشعر من يشدك من الشعراء ولماذا؟

كان وإلى عهد قريب، الشاعر محمود درويش من يأسرني بلغته، وصورة الباذخة وغنائيته المترعه – التي يراها البعض عيباً، وأراها كما يراها غيري ميزة. كذلك الشاعران اللبنانيان : شوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين، ومحلياً لازلت أقراء وأستمع بشغف للشعراء : مفتاح العماري، محمد الفقية صالح عاشور الطويبي، محي الدين المحجوب، السنوسي حبيب، كما أنني لازلت متعلقاً برامبو ونيرودا.. وديوان مائة قصيدة حب لماتيلدا.. لازلت اقراءه من حين لآخر، وهو ديوان بحجم كف اليد ‘لنيرودا’ لكنه مشحون ومكثف بمشاعر وجدانية، وصور إنسانية جميلة ومشاكسة.

كيف تعرّف الشعر أو ما هو دور الشعر؟

الشعر رؤيا وشهادة في الإنسان و الكون و الحياة وهو ‘الجوهر و الوجه المضيء للعالم’ و الشاعر الكائن الوحيد الذي يملك الرؤيا و النبؤة، لما سيكون علية الغد

دون إدعاء بالنبؤة و الرؤيوية المخاتلة. أما دور الشاعر فهو خلخلة الواقع، و الثورة عليه، وتجاوزه، والحلم بغد يتمكن من خلاله بسطاء الناس من العيش بحرية وكرامة، وفاعلية الشعر في أن يساهم في كشف الخطايا، وتعرية الطغاة و الجبابرة، و الرفع من مستوى معرفة الإنسان بذاته  والكون المحيط، والمساهمة في إعلاء قيم الحب و الحق و الخير و الجمال، ونبذ العلاقات المشوهه، بإزالة القبح و إشاعة السلم الأهلي بين مكونات المجتمع، وإدانة الحروب و التشابكات الإنسانية المختلقة و إحلال العلاقات السوية بين تلك المكونات و الأطراف.

لكن الا تلاحظ معي أن دور الشعر يتقلص ويتراجع ليس لدينا فقط بل على مستوى العالم لماذا برأيك؟

هذا صحيح، يتقلص دور الشعر بسبب هيمنة القوة و النفوذ و الجبروت و لإستكبار واللهاث، وتعالي وتيرة  حب التملك و الإستحواذ على كل شيء و التنافس الرهيب بين أفراد المجتمعات، للسيطرة على موارد ‘الغابة’ و الهيمنة على مناطق النفوذ  كذلك طغيان الطوائف و المافيات وزعماء الحروب ‘و التجار متعددي الجنسيات’ على المشهد الثقافي وبكافة تفاصيله من هنا بدأ دور الشعر في الإنحسار، والتقلص شيئاً فشياً  ومن خلال هذا التغول و الإستأساد، بدأ صوت الشعر يخفت وينأى لكنه كان دائماً ينتصر، عبر الزمن، فهو يخفت ويتضاءل، لكنه ينهض من جديد قوياً ومعا فى… في كل مرة.

هل برأيك أن الشعر ما يزال يحتفظ بقدرته على التغيير والتغيير هنا اقصد به احداث التأثير التراكمي في نفوس الناس حتى يغير طبيعتها ونظرتها إلى نفسها وإلى الأشياء من حولها؟

إن المشكلة الكؤود ليست في الشعر نفسه، فهو كأمواج البحر في حالتي مد وجزر لكن المشكلة تكمن في إنحسار فعل القراءة، وتضخم مشكلة الأمية، أمية عدم المعرفة  وأمية عدم التثقف أي إنكماش و تضائل التعلم الذاتي ‘ الإطلاع الدائم’ وكما أشرت ونظراً لإزدياد التسرب المدرسي وتضخم حجم البطالة و الفقر والأمية  واللهاث من أجل لقمة العيش، وإنحسار الحريات العامة و الخاصة، وتسلط الحكام  وتغول المتنفذين، وهيمنة الإعلام السياسي، وإحتدام موجة الرقص الشرقي و الغربي  المفضي إلى التسطيح الإضطراري، والهبوط القاتل، وإنتهاكنا من قبل سلبيات التقانه الحديثة، كل هذه المفارقات و المتناقضات، ساهمت في الحد من دور الشعر و الشعراء في التغيير، بل ستؤدي هذه المفارقات مستقبلاً – إن إستمرت بذات القوة و التوجيه، إلى إعاقته وشله عن لعب أي دور من شأنه أن يساهم في تنمية المجتمع وتقدمه.

تحدثنا كثيرا في المرة السابقة في مقهى الفوانيس عن المهرجانات الشعرية هل تتمكن هذه المهرجانات من ازالة الحواجز بين الشعر والناس وخاصة لديك تجربة في مهرجان الخريف الذي يقام كل عام في مدينة هون؟

إن من شأن الإنتظام و الإستمرارية، والنقد الذاتي، وتثبيت المواعيد وإختيار الأصوات الشعرية ذات القيمة والأهمية العالية و الفعالية المتوخاة بالمشاركة في تلك المهرجانات  والفعاليات الثقافية.. الدور الكبير و العطاء الأوفر، في إنجاح تلك التظاهرات  وإنتظار المردود الإيجابي لها، بإنجذاب الجمهور وتفاعله، وترك البصمات المطلوبة على تلك المشاهد الثقافية، التي يؤمل أن تكون دورية، كي نضمن لها النجاح، من خلال التخطيط المنهجي الجيد، والإشهار المبكر،و المراجعة الدورية و السعي إلى توفير كافة الإمكانات و السبل التي تسهم في خلق متلقٍ ذو ذائقةٍ ثقافية راقية.

كيف ترى إلى المشهد الشعري في ليبيا وما هو سبب عدم انتشار القصيدة الليبية على المستوى العربي؟

سبق لي القول، أن المشهد الشعري الليبي، جميل ومتنوع، ومتباين فثمة من يكتب القصيدة العمودية، وآخرون لا يزالون متمسكين بقصيدة التفعيلة، أما الغالبية العظمى من الشعراء فهم كتّاب قصيدة النثر وهم الذين يصيغون لوحته الشعرية برؤية جديدة  وبمعاني لغوية مبتكرة، وبشعرية عالية وحساسية نفاذة، وبتقنيات وجماليات مؤنقة وعبر طرئق مبتكرة وخلاقة، وإن فقدنا في المدة القريبة الماضية ثلاثة من الشعراء الرائعين، أحدهما يمثل المدرسة التقليدية الشاعر الفنان حسن السوسي، والأخران هما علي صدقي عبد القادر و الجيلاني طريبشان، الشاعران اللذان تركا بصمة جميلة لا تمحى في المشهد الشعري الليبي. أما عن عدم إنتشار القصيدة الليبية عربياً، فلقد لعب في ذلك الإعلام الليبي، دوراً كبيراً في تهميش صورة المبدع الليبي بشكل عام بتركيزه على الإيديولوجيا، حيث طغت على المشهد الثقافي و الإعلامي الليبي في العقود الماضية بكافة صورة المرئية و المسموعة و المقرؤه كما أن محدودية نشر الكتاب في تلك السنوات ساهمت بشكل لافت في تقوقع صورة المبدع الليبي وإنكماشها محلياً، وعدم معرفته عربياً.

في الوسط الثقافي الليبي هناك الكثير من الهجاء للمؤسسة الثقافية كيف ترى هذه الحوار المأزوم بشكل مستمر بين المؤسسة الثقافية والمثقف؟

إن غياب الحوار، والحوار الصادق، المبني على الثقة و الندية وإحترام الرأي الآخر المختلف و الوضوح و الشفافية.. بين المثقف و المؤسسة الثقافية، أدى الى هذا التأزم. و الجفاء و الذي أفضى بدوره الى عدم الثقة بين الطرفين.. حيث كان دائماً ثمة قرار مطلوب تنفيذه، وكان ثمة شبهة ونظرة مريبة من كلا الطرفين أحدهما للآخر  أدت بالمثقفين في نهاية المطاف إلى الجلوس على كراسي المتفرجين، وأحياناً المشاركة بإدوار هزيلة وغير مقنعة، وليست إيجابية، نتيجة لضغوطات أو لملء الفراغ أو تحسيس الأخرين بالأهمية، أو للعب دور ما. كل ذلك نتيجة لإنعدام الحوار وإنقطاع التواصل، ووهن الحبل  الواصل و الرابط بين المؤسسة الثقافية، والمثقف أياً كان انتماؤه وأياً كانت ثقافته.

لدي سؤال كثيرا ما يؤرقني كيف يتعامل الشاعر مع واقعه اليومي الرتيب والملتبس؟ هل على الشاعر أن يتجاوز واقعه المظلم كما يحدث عادة لدى الكثيرين لدينا أم عليه أن يعيد صياغته من جديد؟

إن المطلوب و المعول عليه من المثقف، أن يتجاوز واقعه، وذلك برسم خارطة طريق لمستقبله، تتناسب ودوره في المجتمع، وتختلف بالضرورة عن السياقات الجامدة  و الضحلة السائدة من حوله،كما أن محاولة إعادة صياغة برنامجه يسهم في تحطيم الإلتباس وفك الإشتباك القائم من خلال العلاقة المتكونة بين المثقف ومحيطه. تساعده في النأي عن لعب دور المتفرج – الساخط على المجريات من حوله والإنتقال به إلى الدور الفاعل، و المنتج والمؤثر.. بما يملك المثقف من أدوات و أمكانات وطرائق وميكانزمات الحوار و الإقناع وإبتداع البدائل و الخيارات، التي تمكنه من إعلاء قيم الحرية و الحوار و الرأي الآخر وإجتراح البدائل التي تنفع الناس و تساهم في تنمية المجتمع، والتي تؤدي في ما بعد الى تقدمه.

 

عبد الله من يهتم اليوم بالأدب في ليبيا على الأقل؟ الرؤى والتصورات التي طرحها الشعراء على اختلاف مراحلهم يبدو أنها ذهبت سدى إذ ما تزال صناعة الكتاب لدينا ركيكة وبدائية لأنها تخضع للعلاقات والمجاملات الجانبية والمهرجانات تواجهها العراقيل والمجلات تومض مرة وتختفي سنوات طويلة برأيك ما الذي تحتاجه الحياة الثقافية في ليبيا؟

إن ما تحتاجه الحياة الثقافية في ليبيا، في رأي.. هو وضع إستراتيجية عميقة  متكاملة البنيان، يشارك فيها كل من له علاقة بالثقافة و الفن و الأدب من خبراء و مختصين  يُعاد من خلالها، معالجة كافة المشاكل و السلبيات و التشوهات و الإرباكات، التي شابت هذا المشهد لزمن طويل في كافة مكوناته :المسرح والكتاب و الموسيقى.و الطباعة و الفنون التراثية و التشكيلية و الصحف و الدوريات و القنوات المرئية و المسموعة، وذلك بوضع جداول زمنية وتوقيتات محددة، وتثبيت مواعيد زمنية و الحرص على تنفيذها بدقة ! وتمكين المختصين و الخبراء من شغل الوظائف المديرة لهذه الفعاليات ونبذ التخوين و التشكيك  والركون الى الأحكام القبّيلة و المسبقة على الأشخاص و المواقف الفكرية.. هذا باختصار موجز، ما تحتاجه الحياة الثقافية في ليبيا  مع ضخ الأموال اللازمة لأنجاح هذه الإستراتيجية، وقبل كل شيء توفر النوايا الصادقة.

مقالات ذات علاقة

الأستاذ الدكتور “فتحي الغماري”: قد يكون الإنسان مبدعا أو فنانا وهو يمارس عملاً لا علاقة له بالفن أو الأدب والإبداع

رامز النويصري

الجيهاني: ليبيا الآن بحاجة إلى السلام والحب والفن

نهلة العربي

تشكيلي ليبي يتألق بين الحروفيات وتصميم العملة

المشرف العام

اترك تعليق