الذكرى الـ52 لرحيل الفنان الليبي الكبير علي الشاعلية
الطيوب

في التاسع من فبراير، تحل الذكرى التاسعة والثلاثون لرحيل الفنان الكبير علي السنوسي الشعالية، أحد رواد الأغنية الليبية، الذي ساهم في الحفاظ على التراث الغنائي الأصيل. كان الشعالية، إلى جانب جيله من الفنانين العصاميين، وفياً للألحان الشعبية، محافظاً على هوية الغناء الليبي دون تشويه أو تحريف، مما جعله جزءاً لا يتجزأ من وجدان الشعب الليبي.
النشأة والبدايات
وُلد علي الشعالية عام 1919 في حي الشعالية المطل على بحر الشابي بمدينة بنغازي، وكان ثالث إخوته، خليفة وعبدالسميع. تلقى تعليمه الأولي باللغة العربية ثم الإيطالية، وتأثر بقراءته للقرآن الكريم ومشاركته في التواشيح الدينية، مما ترك أثراً بالغاً في مسيرته الفنية لاحقاً.
كان ابن عمه عبدالهادي عبدالله الشعالية شاعراً شعبياً معروفاً، كتب العديد من الأغاني الشعبية، مما أتاح لعلي الشعالية فرصة التعرف على الوسط الثقافي والفني في بنغازي خلال حقبة الاحتلال الإيطالي. كان يتردد على قهوة الشط، حيث استمع إلى أشهر الأغاني العربية، ما أسهم في صقل موهبته.
بدأ الشعالية مسيرته الفنية عام 1935 متأثراً بالأغنية الشعبية الليبية، مستلهماً كلماتها من البيئة والمجتمع. سافر إلى مصر عام 1928 مع أسرته، وعاش في الإسكندرية ثلاث سنوات، حيث تأثر بالموسيقى المصرية قبل أن يعود إلى بنغازي عام 1931.
المسيرة الفنية والإذاعية
في عام 1936، مع إنشاء أول محطة إذاعية في طرابلس، تم استدعاؤه للعمل بها، حيث قدم مجموعة من الأغاني وعزف على آلة القانون، بجانب فنانين مثل مختار شاكر المرابط والنطاح. عاد إلى بنغازي عام 1939، وأسس فرقة مسرحية ضمت مجموعة من المهتمين بالفن، قدمت عروضاً متنوعة، رغم معارضة السلطات الإيطالية لبعضها.
سافر إلى القاهرة مجدداً عام 1946، حيث تلقى دروساً في الموسيقى وسجّل أول أغنية ليبية أُذيعت عبر هيئة الإذاعة البريطانية. عاد إلى بنغازي عام 1949، حيث عمل في مهن حرة، منها افتتاح قاعة للحلاقة، مع استمرار نشاطه الفني.
مع انطلاق إذاعة بنغازي، التحق بها وساهم في تأسيس فرقتها الموسيقية إلى جانب نخبة من الفنانين مثل السيد بومدين، مصطفى المستيري، سالم بشون، علي أقدورة، حسن عريبي، صبري الشريف، سليمان بن زبلح، ويوسف العالم. لعب هؤلاء دوراً محورياً في تطوير الموسيقى الليبية رغم قلة الإمكانيات.
إرث فني غني وتأثير واسع
سجَّل الشعالية أعماله في عدة إذاعات عربية وأجنبية، منها صوت أمريكا، إذاعة لندن، وإذاعة ألمانيا، وتدرج في مناصب الإذاعة حتى أصبح رئيس قسم الموسيقى، حيث تعاون مع خليل بكري، أستاذ الموسيقى في الجامعة الليبية، والفنان المصري عطية شرارة، مما ساهم في تطوير الحركة الموسيقية الليبية.
شجَّع ظهور الأصوات النسائية الليبية في الغناء مثل خيرية المبروك وفكرية علي، كما كتب ولحَّن العديد من الأغاني لمطربين ليبيين وعرب، وألف مقطوعات موسيقية متميزة. غنى من كلمات نخبة من شعراء ليبيا، منهم عبدالهادي الشعالية، أبوبكر جعودة، أحمد رفيق المهدوي، بشير المغيربي، خديجة الجهمي، مصطفى القرقوري، محمد منصور المريمي، محمد القداري، عبدالسلام قادربوه، مسعود بشون، وعبدالحميد الشاعري.
الرحيل والإرث الخالد
في 9 فبراير 1973، توفي الفنان علي الشعالية بعد صراع مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً فنياً غنياً ساهم في تشكيل هوية الأغنية الليبية. دُفن في بنغازي، مخلفاً ولدين، السنوسي وعبدالهادي.
تبقى أعمال علي الشعالية شاهدة على إخلاصه للفن والوطن، حيث كان أحد أعمدة الغناء الليبي وأحد المحافظين على روح الموسيقى الأصيلة.
الصورة: استوديو الإذاعة القديم برأس أعبيدة في بنغازي عام 1958، يظهر فيها الفنانان الكبيران علي الشعالية (القانون) وصبري الشريف (الناي) خلال فترة العطاء الفني المخلص (الصورة: عن الكاتب والباحث والمؤرخ سالم الكبتي).