طيوب عربية

مساحة شخصية (6)

غزة مقبرة للزهور

الاحتلال يقتل الأطفال (الصورة: من اختيار الكاتب فراس حج محمد)
الاحتلال يقتل الأطفال (الصورة: من اختيار الكاتب فراس حج محمد)

أطفال غزة- الشهداء والناجون 2023:

في هذه الحرب برز الأطفال أكثر من أية حرب أخرى، هذه الحرب كانت مسعورة لالتهام لحم الأطفال الطريّ، إحصائيات اليوم الثالث والأربعين تقول إن هناك “أكثر من 5 آلاف طفل” شهيد في هذه الحرب، عدا الجرحى والمفقودين والمشردين. في الحرب السابقة (2021) كانوا (67) طفلا، استشهدوا في أحد عشر يوماً. الآن العدد هائل. أكثر القصص إيلاما هي قصص هؤلاء الصغار واليافعين. كل أطفال غزة تضرروا من الحرب، لأنهم كلهم محصورون في بقعة جغرافية صغيرة، وكلهم- من لم يمت- فإنه عايش الموت، ورآه، ومرّ من جنبه. كل طفل في غزة أصبح له قصة شخصية عن الموت، ستساهم في تشكيل وعيه، وتَسِمُهُم بميسمها، لقد قتلت أحلامهم ودمرت مستقبلهم. إن هؤلاء الأطفال “كانوا يريدون أن يصبحوا أطباء وفنانين وقادة”، واليوم هم أرقام تتوارد على الفضائيات، وفي الصور، ونادرا ما يكون لهم قصص تُروى.

في أحد تلك الفيديوهات الراصدة لأحلام أطفال غزة التي يريدون تحقيقها عندما يكبرون. قال أحد هؤلاء الأطفال: احنا بفلسطين ما بنكبرش، احنا بأي لحظة ممكن ننطخ، ممكن نموت واحنا ماشيين، نلاقي حالنا مطخوخين. هيك احنا بفلسطين”.

طفل آخر من هؤلاء بعمر الحادية عشرة سنة يتحدث عن صاروخ، أخذ معه أمه وأبوه وإخوته، شهد هذا الهول ليبقى مع خالاته وسته (جدته). طفل آخر يصرخ ويبكي معاً، ويتوعد الاحتلال بأنه سينتقم ممن قتل والده. نعم سينتقم، فالمحتلون يخططون لمستقبل أكثر شراسة مما هو عليه الحاضر، سيولد جيل منا سيأكل الجنود أكلاً بأسنانه، أؤكد وهذا التعبير حقيقي وليس مجازيا، كيف سيخرج هؤلاء الأطفال وهم فقدوا أحبابهم أمام أعينهم.

تؤكد هذه الحرب أن الاحتلال غبيّ جدا، ويؤسس لمأساته الأشد عنفا، مأساة قادمة، إن خرج الاحتلال من هذا المأزق سالماً، سيعيش على قلق، لأن دماء الأطفال تحرك الريح من تحتهم، وسيعودون أقوى وأشدّ.

هذا المحتل غبيّ جداً، وهو يسير أعمى، يقوم على رجلين من خشب، واحدة تسمى الغرور والغطرسة والثانية تسمى جنون الأسلحة الفتاكة، ستأكل النار هذا الخشب المتآكل سنة بعد أخرى، وعلى أيدي هؤلاء الناجين وأولادهم. هذه حرب لن تُنسى أبدا، إنها “هولوكوست” الفلسطيني على أيدي الناجين من (هولوكوست) الألمان.

لكن غباء المحتل أنه ينتقم من الألمان بنا نحن، وليس ممن قتل أجدادهم. إنهم يظنون أننا فرائس سهلة، لقد أكلوا من لحمنا حتى أتخموا وتبشّموا. جاء وقت الحساب أو كاد، أو سيأتي في المستقبل، عشر سنوات على الأكثر وهؤلاء الناجون من القصف سيصنعون ملحمة انتقام جديدة، وعلى نفسها “ستجني براقش”، سيشكلون كتيبة كاملة، كل فرد فيها كان “ناجياً وحيدا” عام 2023، تقول إحداهن عن الطفل “أحمد أبو الروس” الناجي الوحيد من بين عائلته كلها: “احفظوا وجهه جيدا، فهو عائدٌ لكم من تحت الأرض ومن الأنفاق، أو طائرا بالمناطيد أو ضفدعا بشريا، سيعود… سيوقد النار شاملةً، ويطلب الثأرَ، ويستولد الحقَّ من أَضْلُع المستحيل”. فليتخيل المحتلّ الغبيّ كتيبة مكوّنة من هؤلاء كيف سيواجه ما زرعه فيهم من حقد وانتقام ورغبة مؤكدة للثأر.

أطفال غزة في الأغاني وفي الرسومات:

تصنع الحرب في كل مرة أيقوناتها العفوية، هذه الحرب هي حرب الأطفال بامتياز، الأطفال ليسوا ضحايا فقط، بل أيقونات فنية وشعرية وفي الأغاني، وهم قصص إنسانية، ومشاريع مستقبلية. أطفال لا يشبهون تماماً حنظلة ناجي العلي وإن لم يتخلصوا من ملامحه نهائيّاً، أطفال بتركيبة أخرى، تدير ظهرها لمن أسلمها للمدافع التي تشوي جلدها الرخو، لكنها تغذّ السير نحو المقاومة بكل جبروت وإرادة.

من تلك اللحظة الفاتنة في شعريتها ومقاومتها، وفي لحظة التعالي والتسامي القوي جدا، تتحول كلمة عفوية خرجت من قلب أبٍ إلى لحن وأغنية، هكذا أصبحت “معلش” مراسل الجزيرة وائل الدحدوح عملا فنيا مفعما بالصدق والحب والجمال، معجونا بالتحدي والتصدي والتجذر في الأرض، لتعلن أنه لا رحيل، “ينتقمون منا بالأولاد… معلش!”، هم ينتقمون من الأولاد أنفسهم لأنهم يشكلون المستقبل الذي يهدد وجودهم، وأمنهم وسلامهم القائم على الغطرسة والتكبر والمحو والإزالة.

هذا الجيل القادر على اقتناص اللحظة ليحولها إلى أغنية تكتسح منصات التواصل الاجتماعي لهو جيل عبقريّ عصيّ على الانكسار أو الانحدار أو التململ. إن هذا ليس كلاما إنشائيا رومانسيا نعزّي فيه أنفسنا عن مرارة الفقد في غزة، بل إنها حقيقة معيشة كل يوم نراها تولد أمامنا على الشاشات، إنها لحظات يؤطرها القدر لتكون علامة فنية وشعرية وإنسانية، وعلامة وجودية وسط موج متلاطم من الموت العشوائي.

إنه جيل لا يعرف الشكوى. فقط هو يعرف أن عدوه لا حول له ولا قوة إلا بمزيد من قتل الأطفال، لأجل هذا قرر ألا يشكو، فقط يتألم ويحزن، ويمسح دموعه ويواصل نضاله وعيشه. جيل أصبح يعرف أن العدو غاشم، قاتل، يفسد عليه خططه، بمنحه المزيد من القتل، أما أن يرحل فلا، حتى يوفر على الأمم المتحدة فرصة ولادة لاجئي اللاجئين. إنه يقاوم بشراسة ولادة مصطلح سياسي جديد، فبعد أن أصبح ضحية للضحايا الأغبياء، لن يكون لاجئاً بعد لجوء. هذا يزيد من سُعار آلة الحرب الهمجية لتلجّ في عنادها أكثر وأكثر، لتتوغل في اللحم الحيّ بعد أن عجزت عن التوغل في الجغرافيا، وعجزت عن التوغل في الروح لتصبح هزيمتنا أمرا مستحيلاً، مهما أهالوا علينا من أطنان القنابل المتقنة الصنع الدقيقة الهدف، الرحيمة في إنجاز المهمة!

الأطفال والمدارس:

لم تعد الحياة الطبيعية المدنية ممكنة في غزة بعد هذه الحرب. الأوضاع كارثية بكل معنى الكلمة، لا بيوت، لا مدارس، لا مستشفيات، لا أسواق. دمر الاحتلال كل ما له علاقة بإمكانية عودة الحياة الطبيعية في غزة. في اليوم الثاني للحرب يتساءل المحللون ماذا سيجري، يتكهنون بشأن المقاومة والقطاع ومن يحكمه، ويرسمون السيناريوهات، لم يفكر المحللون السياسيون العباقرة كيف سيعود الناس إلى حياتهم الطبيعية في اليوم الثاني عندما تتوقف الحرب، النساء والأطفال والبيوت المدمرة، والبنية التحتية المهدّمة.

المدارس تضررت بشكل كبير ومهول، كثير منها خرج عن الخدمة، هل سيعودون… إلى أين سيعودون؛ لا مدارس، لا معلمين، لا مديرين، لا كتب، لا مكتبات، لا طباشير ولا سبورات، ولا حتى تلاميذ، أكلتهم الحرب في شهوتها المجنونة.

أنا أفكر في المدارس، أطفالي ما زالوا على مقاعد الدراسة، يذهبون يوميا تقريبا إلى المدارس، إنهم يتعلمون تحت القهر. يلتزمون بالجدول اليومي للحصص المقررة، ويؤدون الامتحانات، أطفالي يقاومون بصعوبة رغبتهم في التعليم، لأنهم أيضا يعيشون مع الحرب يوما بيوم، ولحظة بلحظة، وأنا كذلك أرى الوجوم قد علا الوجوه كلها، تواجهني علامات الاستفهام المرسومة على ملامح المعلمين والطلاب، إلى أين نحن ذاهبون من دون أن تكون معنا غزة، وأطفال غزة. كيف تتم هذه المعادلة نحن نتعلم، ونمارس حياتنا الطبيعة أما تلاميذ غزة فلا يدرسون، بل إن جلهم “عند ربهم يرزقون”، سؤال كبير لم ينجح أحد في طرحه، فكيف بالإجابة عليه. سيرتجلون إجابة ما عندما تكفّ الحرب أيديها عنا، ولكن ستظل الإجابات كلها غير مقنعة وغير منطقية.

الكارثة عندما يعود طلاب غزة إلى مدارسهم ليكتشف الناجون أنهم هم الوحيدون والباقي غائبون، متى سيأتون؟ لن يأتوا بالتأكيد فقد لبسوا أجنحة الملائكة وطاروا في السماء. هم الآن ينظرون إلى أقرانهم وإلى مدارسهم من علٍ، ويتفقدون الناجين ومقاعدهم الشاغرة. سيملؤها بلا شك جيل قادم مليء بالعزم والتحدي، أما هؤلاء المعتلون فوق السحاب فلا مجال لتحقيق ما حلموا به يوما إن تجرؤوا يوما وسمحت لهم الآلة العسكرية الهمجية أن يحلموا.

أسئلة كثيرة خلقتها الحرب لن يجد أحد عليها أجوبة، لكنّ أصعبها وأشد بؤسا وإشكالية هي أسئلة الأطفال. من يستطيع أن يقنع طفلا في غزة رأى الموت يسير على قدمين من لهب أنّ الحياة طبيعية هناك، أو أنها ستصبح يوما طبيعية؟ إنهم لن يفكروا بالمدرسة كما نفكر نحن على الطرف المنهوش من هذا الوطن المنتهك. فقط يبحثون عن مصدر الخطر القادم لاجتثاثه من جذوره ليحق لهم أن يفكروا بحياة طبيعية هناك في غزة، ويعودون إلى المدرسة والنشيد الصباحي وحل الواجبات البيتية دون خوف من صاروخ يقتحم عليهم سقف غرفة المعيشة أو صالون البيت.

مقالات ذات علاقة

فاطمة ذياب في بيت ساحور

المشرف العام

المركز والهامش؛ أيّ ثنائيّة ضدّية؟!

المشرف العام

متحف نجيب محفوظ.. مؤجل حتى إشعار آخر

المشرف العام

اترك تعليق