قصة

الزلفوت

من أعمال التشكيلي الليبي جمال الشريف (من معرض دمى)
من أعمال التشكيلي الليبي جمال الشريف (من معرض دمى)

(1)

    سألني الشيخ (هاشمي) بعد ساعة من التمايل على إيقاعات الدفوف، ووسط ألسنة البخور المعربدة:

– كيف أحوال ليبيا؟

سأل وأطلق بصره نحو السقف، وكأنه ينتظر إجابة محددة.

– وسط حال أجبته أنا.

ما هي حاجتك؟ سأل هو.

في الواقع الصدفة وحدها من قادتني إلى هنا!

هو (أبوبكر) .. خمسيني بملامح سبعينية .. كان يدس حبات الشعير في ثنايا أرضه المحروثة، فيما عششت أغنية في رأسي (محلاها عيشة الفلاح).

    كنت أحاول إدارة محرك سيارتي، دون أدنى أمل .. أمر محير بالنسبة لسيارة بهذه الحداثة والقوة. لو كنت أؤمن بالعين لقلت إنها عين ذو الحواجب المقرونة في الديوانة، الذي عطلني ساعتين، لأنني لم أفهم معنى مصطلح (أفرح بية).

   أو لعلها دعوات صديقي (أشرف) .. الذي تركته يستمتع بنومه، وشددت الرحال بمفردي .. (أشرف) متأخر عن العالم بست ساعات .. كان ينبغي أن أخبره بأن ساعة الانطلاق إلى تونس، ستكون منتصف الليل تمامًا، لكي يكون جاهزًا عند الساعة السادسة صباحًا.

(2)

    ذابت طرقات حبات المطر على زجاج السيارة، وسط الضوضاء التي أحدثها الفلاح الذي عششت أغنية بيرم التونسي في رأسي لأجله.

(أبوبكر)، هكذا عرًف بنفسه، أحد المفرج عنهم في قضية الكامور، عامل سابق في مصانع الفوسفات .. أعادته الظروف مزارعًا بعد أن كان يحلم بالمال السريع، مسكين بح صوته وهو ينادي من خلف زجاج سيارتي المصفحة.

بعد أن رفضت عرضه باستضافتي .. اقنعني بالتوجه لمضافة الشيخ الهاشمي، التي لا تبعد أكثر من عشر دقائق مشيًا ..  هنا يحسبون المسافة بالزمن.

ولكنها كانت فكرة صعبة التنفيذ .. كيف لي أن أترك سيارتي هنا!!

– لا خيار آخر .. هنا الدنيا أمان .. ولا تتوقع أن يمر أحد ليجرك لأقرب مدينة.

يبدو أنني سلكت الطريق الزراعي ذات سهو.

(3)

    مضافة الشيخ (الهاشمي)، عبارة عن مزرعة تتجاوز السبعة هكتارات، يشقها طريق ترابي، يؤدي في النهاية لصالة كبيرة، وعدد من البيوت المتناثرة.

    استلمت إقامتي التي كانت أقرب لحجرات الإقامات الجماعية في بيوت الشباب .. سرير .. طاولة صغيرة .. مروحة في السقف يبدو أنها لم تعمل منذ أحداث قفصة.

في المساء قادني مشرف التسكين لحفل العشاء في الصالة الكبرى.

جئنا مشيًا، وزحفًا، وعلى الأكتاف .. يبدو أنني في ضيافة أحد الذين طالما كتبت عنهم في مقالاتي.

   ولجنا جميعًا إلى الصالة .. رجالًا ونساء .. حتى فصلوا بيننا بستار قماشي .. أخذت سحب البخور تعربد ورويدًا .. انسل الشيخ (الهاشمي) من وسط البخور، كأنه مارد المصباح .. أنا الوحيد الذي كان بحاجة للمساعدة .. الجميع يعرفون ما يجب فعله إلا أنا.

(5)

عاود الشيخ سؤاله:

كيف أحوال ليبيا ؟

– وسط حال يا شيخ .. قلت أنا مرة أخرى، ولكن بنبرة أعلى.

– حكيت له عما حصل لسيارتي .. فأمرني بشراء علوش من زريبة له، ليطعم ضيوف الغد .. أخبرته أنني لا أؤمن بكل هذه التفاهات .. ولكنه أجاب في هدوء:

– ستؤمن بها غدًا !!

قلت له أمي اسمها (فوز) وجدتي سالمة، رقم حذائي 41 وأطلقت ضحكتي الهستيرية، التي عانيت منها كثيرًا، خصوصًا وأنا طالب في الثانوية العامة.

– أنت مسحور، والسحر مدفون تحت جذع الزيتونة الغريانية المقابلة تمامًا لباب بيتكم.

رغم أنني استمعت للكثير من هذه القصص، في حياتي المهنية، إلا أن الأمر بدأ مشوقًا .. لماذا لا ألاعب الشيخ في ملعبي!

– سأخبر أحد إخوتي باقتلاع الزيتونة الغريانية، والبحث في محيطها.

– لا تتعب نفسك .. سأحضره الليلة من أجلك.

(6)

   ارتفع سقف التحديات، غير أن الشيخ بدأ واثقًا وأكثر .. كل ما طلبه هو بخور اسمه سبعة أيام وسبع ليال .. من عطار بعينه، يقع وسط القرية .. أنا تكفلت بالمال، وتكفل أحد أعوان الشيخ بالمهمة.

رغم الحيل والألاعيب، لم أر أحدًا بحجم (الهاشمي) يقف على دف، دون أن يسحقه .. ليست هنا المفارقة .. بل ما وجدوه تحت الدفوف بعد أن أمضوا نصف ساعة من التمايل .. خمسة رجال أقلهم يزن قنطارًا أو يزيد .. جاءوا لطلب الشفاء، والأبناء.

   إذا كان ما رأيته تحت الدفوف خفة يد .. فالشيخ هاشمي يستحق عملًا براتب مجز في أفضل سيرك عالمي.

جاء دوري، بعد تصفيات الشيخ (هاشمي) مع الفرق الصغيرة، الآن سنلعب على النهائي .. من منا يا ترى سيرفع الكأس!!

(7)

   رحل شتاء الصالة وعادت سماؤها صافية نقية لا تعكر صفوها سحب البخور، لتفسح المجال لأضواء السقف الخافتة، وأشار الشيخ (هاشمي) لكرة صغيرة من ورق الجرائد .. جريدة الجماهيرية.. نعم .. هو ذات العدد الذي كتبت فيه عن مشعوذ يبتز القاصرات في إحدى ضواحي العاصمة .. لا أعتقد أن الشيخ جلبه من سيارتي، فالعدد يعود للعام 2008 !!

امسكت بالكرة وإذا بها تقطر ماءً.

– لماذا هي مبتلة يا شيخ ؟ سألت أنا.

– يبدو أن لديكم مطر الآن في طرابلس.

اتصلت بأخي فورًا وأكد لي أن الطقس في طرابلس، يوحي بأن الصيف قد عاد !!

أخبرت الشيخ بذلك .. فيما طفقت أجهز له لكمة ثانية.

– اسأل أخاك من أين جاءت المياه.

قال هاشمي

عاودت الاتصال، وفتحت سماعة الهاتف، وطلبت من شقيقي إخبار الشيخ ألا أمطار ولا هم يحزنون في طرابلس.

قال أخي: نعم لا توحد أمطار، الآن الساعة الحادية عشرة ليلًا وكأنها نهار يوم قائظ، لذلك أقوم منذ ساعة برش المياه حول البيت، وحول خيمة العزاء .. لأن جارنا الحاج إبراهيم، والد خيري وعادل، قد توفاه الله.

الله أكبر

صرخ الحاضرون

نعم .. الله أكبر .. رفع الشيخ كأس البطولة.

(8)

   في الصباح حزمت امتعتي، بعد أن دفعت ثمن العلوش، وطلبت من الشيخ تكليف أحد مريديه لإيصالي لأقرب ورشة.

ابتسم في غرور، وقال لي أن السيارة لم تعد تعاني من شيء.

هل سنلعب على الكأس بعد أن فقدت الدوري !!؟

بالنسبة لي سأراهن على الألمان، لأنهم لن يصنعوا سيارة يوقفها القمر الصناعي، ويحركها الهاشمي.

بعد عشر دقائق رفع (هاشمي) كأس البطولة، بعد أن بات الدوري في خزانته.

غير ذلك وفيت أنا بما تعاهدنا عليه، أن أقلع عن معاداة من كنت أسميهم مشعوذين، ويسميهم هو، رجال الله، رغم يقيني أنه زلفوت.

هذه القصة مبنية على أحداث واقعية عاشها أحد الأصدقاء.

طرابلس 14 ديسمبر 2022

مقالات ذات علاقة

طفولة

جمعة الفاخري

أمام المرآة… أمام المحيط

جميلة الميهوب

عنْـــها

كريمة الفاسي

اترك تعليق