المقالة

في كينيا

واحد من أكثر المشاهد بشاعة في حياتي رأيته في كينيا.

تصوير محمد النعاس
تصوير محمد النعاس

نزلت في نيروبي لأيامٍ في فبراير 2020، في فندق بحي “الويست سايد”، كان الفندق عالياً يطلُ على إحدى الغابات الاستوائية بالمدينة، كنت في الطابق السادس، في غرفة بنافذة واسعة تطل على تلك الغابة المذهلة، في بداية الغابة، كانت هناك أكواخ للطبقة الدنيا من البلاد، ترتفع بينهم وبين الفندق والحي المحيط جدران عالية، تحتاج مهرة لتسلقها، كنتُ كلّ صباح، وبعد أن أتخلص من درني، أجلس على الكرسي أشرب قهوتي وأشاهد الناس في ذلك الحي العشوائي، “حي الأكواخ”، كنتُ أراقب كيف يعيش أهله، بتأملٍ لحالهم، وبشعورٍ مختلطٍ من الأمان المادي والشفقة على هذه الأرواح الهائمة في هذا العالم، نيروبي مدينة لا ترحم الفقير، تجعله ينبتُ مخالبه لينهش بها الغني، في وسط المدينة، زرتُ السوق الشعبي صحبة صديقة فلسطينية عظيمة، كان لوننا العربي مصب اهتمام اللصوص والنصابين والشحاذين والجميع، لم نتخلص من كل ذلك الضغط إلا بعد أن عدنا إلى الفندق. تركيب نيروبي، وخصوصاً “الويست سايد” تركيبة رأسمالية مقيتة، حقيرة ولا تعترف بالإنسان وحقه في الحياة، تطرد من تراه لا يستحق عطفها خارج أسوارها.

تصوير محمد النعاس
تصوير محمد النعاس

العام الماضي قرأتُ كتاب “عيال ربّي” لأجنِس كيث عن حياتها في كل من طرابلس وبنغازي بين منتصف الخمسينيات والستينيات، تحدثت الكاتبة عن حادثة شبيهة لحادثتنا بالقرب من سيدي المصري، أي على أعتاب الهضبة الشرقية فيما كان يعرف بجنوب طرابلس، كانت الكاتبة تسوق سيّارتها من مصلحة الغابات متجهة نحو “جورجنبوبولي” – حي الأندلس- حيث تقطن، ولكن يبدو أنّها ضلّت الطريق لتجد نفسها في أكواخ البدو الذين يحاصرون طرابلس من الجنوب في بوسليم والهضبة الشرقية، ليبيون جاؤوا من ترهونة وما وراءها بحثاً عن ثروة النفط المتفجرة في البلاد بعد أن عاشوا هم وأجدادهم الفقر المدقع والجهل، توقفت سيارتها، تجمع البدو عليها، كانت قلقة تبكي وتصرخ في وجوههم، كانوا يبحثون عن غنيمة منها، اجتمع عليها النصابون واللصوص، الفقراء بالطبيعة. لازال الكثير من أحفاد أولئك الذين عاشوا في الأكواخ جنوب العاصمة، يعيشون ملحمة درامية اجتماعية واقتصادية، يخاف الناس منهم ولازال أبناء المدينة القدامى يسمونهم بالبَدو، لا لذنب اقترفوه إلا لأنّهم أرادوا أن يبحثوا عن حياة أفضل لأبنائهم لكنهم لم يجدوها. ولن ربما، فالكثيرون، لازالوا يعيشون في “أكواخٍ خرسانية”.

تصوير محمد النعاس
تصوير محمد النعاس

في نيروبي أيضاً، تعرضتُ لأذكى إجابة جابهتها في حياتي، كنتُ في زيارة لمتحف التاريخ الطبيعي مع صديقتي الفلسطينية، دخلنا المتحف، اشترينا التذاكر، ومن ثم دخلت في حديث مع موظفة الاستقبال، امرأة كينية حقيقية، بكل تخيلاتك حول أشكال النساء الأفريقيات القويات، اللائي يرفعن الأمة الأفريقية فوق ظهورهن.

– مرحباً، أريدُ أن أرى الهوموسيبيانز؟

أخبرتها بإنجليزية ليبية. أردت أن أعرف أين يحتفظ المتحف بعظام أجدادنا منذ آلاف السنوات، فقد قرأت أن كينيا تحتفظ بمجموعة من أقدم العظام البشرية في التاريخ، عظام يصل بعضها إلى خمسين ألف عامٍ.

– ها أنا أمامك، نحنُ جميعا هوموسيبيانز. قالت لي، بثقة ونبرة بها بعضُ من السخرية، لكنها سخرية لطيفة.

انفجرتُ ضاحكاً، ” ادخل من ذاك الباب، بعده ستمر من بين الهياكل العظمية للحيوانات المحيطة وستجد باباً آخراً، هناك يمكث الجميع”. أضافت.

تصوير محمد النعاس

بالأمس، كنتُ أطالع أحد أعداد مجلة “لا”، مجلة ليبية مذهلة صدرت في تسعينيات القرن الماضي، جذبني مقال لمواطن ليبي من حي الأكواخ في بوسليم، كان يحكي قصة ضيف مصري له، سأله ضيفه لماذا يسمون حيهم بحي الأكواخ رغم ارتفاع العمارات الجديدة -ذلك الوقت- فيه، أجابه بالحقيقة، وظل المواطن يشتكي من سخرية أهل المدينة من حيّهم ومنهم. قبل سنوات، شهد حي الأكواخ واحدة من أعنف الحروب على مدينة طرابلس، كنتُ أزور صديقي في الحي المقابل له (فيلات بوسليم) أثناء تلك الحرب، وشهدتُ بأم عيني، كيف كاد يتحول ذلك الحي مرة أخرى، لمجموعة من الأكواخ.

لماذا أحكي هذا اليوم؟ لا لشيء، فقط تذكرتُ القصتيْن ولحظتُ لأول مرة الترابط بينهما.

مقالات ذات علاقة

بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان 10 ديسمبر 2006 دعوة إلى إقامة منظمات حقوقية

بشير الأصيبعي

مومياءات ليبيا أكثر قِدَماً من المصريّة

منصور أبوشناف

آل إبراهيم والعشر المباركات

زهرة سليمان أوشن

اترك تعليق