النقد

“تمهيد للاشيء” ومحاولة القبض على الأحلام الهاربة

تمهيد للا شيء.. للقاصة آسيا الشقروني
تمهيد للا شيء.. للقاصة آسيا الشقروني

في العادة تخضع رغبتُنا في الكتابة عن عمل إبداعي ما، إلى الأثر الذي يتركه فينا هذا العمل، فكتابةُ نص أدبي يرتقي بالشروط الفنية ليس أمراً سهلا، إذ يعتمد على الكثير من التقنيات، إضافة إلى الاستعداد الفطري للكتابة، غير أن ما يمكننا أن نتفقَ عليه هو أن أفضلَ معيار لقياس جودة النص الأدبي هو مدى ما يتركه فينا من أثر وما يظل عالقاً بذاكرتنا من صور ومشاعر وانفعال وتوترٍ وتساؤلات، ببساطة النص الجيد هو القادر على أن يلامس فينا المشتركَ الإنساني، أن يجعلَنا نحزن أو نبتهج أو نتساءل أو نستغرق في حالات التوتر دون أن نستطيع منه الفكاك.

هذا الأثر يمكن أن نلاحظَه ونعيشَه بعد قراءة المجموعة القصصية (تمهيد للاشيء) للقاصة الليبية آسيا الشقروني، ليس فقط بسبب إيقاع السرد المتدفق المتناغم ولا بسبب رونقِ اللغة المتوهجة في بساطتها وانسيابها، ولا بسبب  الحضور الطاغي للذات الأنثوية  في جميع تجلياتها الشعورية، بل أيضاً بسبب تلك القدرةِ العالية للكاتبة على الغوص في الوعي الشعوري واللاشعوري للشخصيات، ورصد انفعالاتها وشجونها وذكرياتها ومطاردةِ الأحلام التي ما أن تستغرق في قراءة السطور حتى تهب عليك فجأة عاصفةٌُ من أحلامك المنسية، ثم تشعر بوخز ذلك الأثر المحزن واللذيذ.

تمهيد للاشيء، مجموعة قصصية تتكون من خمسة عشر قصةً تشكل في مجملها تجربةً من الانغماس في حالة من المتناقضات، فالعنوان مثلاً جاء غامضاً ومحيلاً إلى تأويلات مبهمة، تتفاجأ بعد الانتهاء من القراءة أنه يحمل نقيضه تماماً فهذا اللاشيء في الحقيقة هو سيرورة حياة المرأة وحالةُُ وعيها الذاتي بحركة إيقاع الحياة، والأدوارُ المتكاملة والمتوازية والمتقاطعة بينها وبين الشريك الرجل، التناقض يتمظهر أيضاً في متن السرد، ما بين إحساس البهجة والألم، وبين النوستاليجيا وسطوةِ الحاضر، بين العواطف المكتظة والثورةِ العارمة، كل ذلك على لسان بطلات ذوات خصوصية، فهن جميعاً نساء على اختلاف مستويات النضج، فالكاتبة لم تمنح دور البطولة لأي رجل على الإطلاق، حتى عندما جاء الرجلُ في القصة المعنونة بـ (يوم في يونيو) كان يستمد أهمية دوره من تلك المرأة الأربعينية الجميلة التي تفاجأ بوجودها في المكتب، المرأةُ الأنيقة الواثقة التي أربكته لأنها لم تعره اهتماماً، أما بقية بطلاتها فهن: الطفلة التي مازالت تلثغ بكلماتها، والتلميذةُ اليافعة في مريولها المدرسي، والفتاةُ في يناعة الصبا وعنفوان الأنوثة، الأم الشابة والجدة، والمرأةُ الناضجة أو التي تلاحق ما تبقى لها من حواف الخريف، إنها المرأةُ في جميع أدوارها وتحولاتها النفسية والجسدية والاجتماعية.. 

وعلي الرغم من القاسم المشترك الذي تنهض حوله هذه المجموعة، وهو المرأة، إلا أنها يمكن اعتبارها مجموعة مخاتلة، فكل قصة تجدّف في بحر مختلف، تتلاطم أمواجه النفسية والانفعالية ما بين عواطف مضطرمة كما في قصة ( ألست هنا أيها الوسيم؟) أو بؤس مدقع كما في قصة (محاولة) أو أمومة حانية كما في قصة (شكراً أمي) أو أسئلة وجودية كما في قصة (غمضة وسؤال). إنها باختصار مجموعة من اللهاث الأنثوي تحت سطوة قيود مجتمعية، استطاعت الكاتبة تفكيكها، من دون أن تحدث خرقاً في نواميس العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، هي فقط لامست الوجع الأزلى القائم على تلك الثيمة الجندرية، تاركة المجال للبطلات للتعبير عن هواجسهن وانفعالاتهن وأحلامهن دون قمع، وفي الوقت ذاته ورطت القارئ في هذا الأثر الذي سيلازمه وقتاً طويلاً متسائلاً أو متسامحاً أو ناقماً في أحايين أخرى.

لا يمكنني أن أخفي ارتباكي من فكرة الكتابة عن مجموعة قصصية بهذا التنوع، فالمجموعة تغطي شرائح عمرية واجتماعية متنوعة، حتى الأمكنة مختلفة، لكن يمكن القول أن الثيمة المحورية التي تقوم عليها القصص هي محاولة القبض على أحلام هاربة لدى كل امرأة من شخصيات السرد، فأحلام الأنثى هي الخيط الدلالي الذي يوحد الثيمات المهيمنة على المجموعة القصصية. ففي قصة (حلم)، تشير القاصة إلى حلم فتاة بأن تكون لديها غرفة خاصة، لم تستطع أن تحقق هذا الحلم في بيت أهلها، لأنها تتشارك نفسَ الغرفة مع أشقائها، فقررت تصدير هذا الحلم إلى حياتها الزوجية، لكن ذلك لم يتحقق طبعاً، فالزوج يشاركُها السرير ويجذِب اللحاف أثناء النوم، ويشخر عالياً طيلة سنين الزواج، لكنه يموت أخيراً، فتصبحُ غرفة النوم ملكاً لها وحدها، تتلمسُ خزانة الثياب كأنها تراها للمرة الأولى، تستمتع بصرير جارور الدُرْج الذي لم يعد يثير إزعاج أحد، تشعل الضوءَ للقراءة وتقوم بكل تلك الأشياء التي لم تستطع أن تحققها سنين حياتها الطويلة، لكن ذلك للأسف يأتي في وقت متأخر جداً، إذ أنها كانت ليلتَها الأخيرة في الحياة. 

هذا النص ليس مجرد حكاية عابرة، بل أزمةٌ عميقة تلازم الإنسان حول أمنيات صغيرة يحملها معه طوال حياته، وتحيلنا إلى سؤال صادم: ما الذي منع تحقيقها، هل يجب أن نقضي عمراً كاملاً من أجل تحقيق متعة بريئة ومحايدة! 

في قصتها (روح وجسد) وفيما المرأة الناضجة تقود سيارتها في الطريق فجأة تستيقظ في داخلها روحُ الطفلة، تتحرر من قيد الوقار وترتكب حماقات غريبة، ترفع صوتَ المذياع وتغني، تقود بسرعة جنونية وتقصد محلاً للبقالة بحثاً عن نوع من البسكويت تزعم أنها كانت تحبه قديماً، تنسلخ من هيبتها وترتدي مريول المدرسة وتركض في عوالم الصبا وتضع مساحيق الزينة، كل ذلك وشخصية المرأة ذاهلة مما هي فيه من عبث. قصةٌ قد نراها بمنظور ما حالة نكوص نفسي، لكنها في الحقيقة هي محاولة أخرى للقبض على حلم هارب، وهكذا تتواتر في هذه المجموعة أحلام الطفولة، أحلام الحب، أحلام النساء اللاتي يناضلن من أجل لحظات سعادة ودفء إنساني، الأحلام المنسية التي كانت ترقد في الأعماق البعيدة لكنها تستيقظ ما أن ينفض عنها أحدهم الغبار.

مقالات ذات علاقة

كتاب – “وزارة الأحلام” لمحمد الأصفر: الكتابة حلماً

منصور أبوشناف

تاريخ ليبيا من عمر المختار الى معمر القذافي

المشرف العام

السحاتي.. لغة الصمت والبحث عن نوافذ للضوء

عبدالسلام الفقهي

اترك تعليق