قصة

سيجارة على جسر التنهدات

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

كنت مارَّة بجانب خزانة صغيرة في بيتي تحوي ألبومات كثيرة لصورٍ بعدد رحلاتنا في هذه الدنيا الجميلة. كل محتويات هذه الخزانة من الصور كنت قد التقطتها بكاميرا كبيرة كلَّفت أهلي مالاً كثيراً وكانوا يعرفون عشقي للتصوير فيهدونني أحياناً كاميرات حديثة في أعياد ميلادي.

عندما فتحت الخزانة حدث أمرٌ مريبٌ أربكني..  لقد لمحت ألبوماً بعينه يتحرك وكأنه يدعوني لالتقاطه فاقتربتُ منه فاقتربْ ووجدته بين يدي يحتضنني بمودة ظاهرة. بادلتُه واجبَ المحبة.. فتسلل دفءٌ قديم كان بيننا ذات يوم، قلبته فرأيتُ صورة بعينها- (جسر التنهدات) – تتململ في غلافها، ترمقني بعتب أن خديني وتأملي ما كان منك ومني، فسحبتها وتأملت تفاصيلها مذهولةً وغائبة عن المكان حاضرة في زمانٍ ومكانٍ غيره.   أخذتني-ويا للعجب-وأنا أتبعها طائعةً إلى غرفة مقتنياتي الأثيرة وأمسكَتْ بيدي لتسلمني -بكامل ذهولي-إلى مطفأة سجاير كنت اشتريتها في إحدى رحلاتنا لفينيتسيا!! أرهفتُ السمع مرتعشةً ومسكونة بعجب التاريخ وتحولات الجغرافيا، فينيتسا هنا في بيتي في طرابلس!!نفس تفاصيل صورتي

مطبوعة على مطفأة السجاير تحدث أمامي جلبةً حيث أقف ولم يُعِرْ احدٌ ممن حولي انتباهاً لما يجري. إذن أنا من أسمع وحدي ويا لغرابة ما سمعت.

إليكم وقائع ما جرى في أحد أيام فينيتسا سمعته من مطفأة سجائر ذات صباح في بيتي في طرابلس يتحسس (ماتِّيو) جهة القلب وقد آلمه نثار رماد السيجارة فينظر إليها لائماً: حتى أنتِ؟ ويشيح بوجهه عنها علّ صاحبها يلتقطها ويلقمها فمه فينفث فيها ويغمر المكان برائحتها المزعجة ويتركه لحاله. ماتِّيو لا يعرف ما هذه ولم ير مثلها لكنَّ الرائحة دلّته عليها، هي قريبة من رائحة غليونه الأثير وحياته التي كانت وادعة قبل أن يحل ذلك النهار.

يعيد صاحب السيجارة الكَرَّة ويأتي الألم في البقعة ما بين الكبد والقلب فيبدأ ماتيِّو في الشتم والتهديد والوعيد. لكن صاحب السيجارة لا يسمع ولا يرى إلا ما يحيط به من جمال. مدينةٌ سلبته عقله وسجنت بدنه فيها وقد زارها منذ عشرات السنين، هي ثلاثون عاماً أو أكثر   فكبّلته بعشقها فحط رحاله فيها ونسى ما وراءه.

ما الذي جاء بك وماذا تفعل هنا؟ سمعها تهمس له بين نثرة رمادٍ وأخرى. فيردُّ عليها: هذا مساري الذي سلكته ذلك النهار وما زالت روحي تلبسه ولا أظنها ستغادره فروحي علقت هنا.. هلّا سمعني صاحبك الجالس لا يدري ماذا يفعل ولا يعرف في أي بقعة من الروح يطفئك.

هو لا يدري ما يفعل فعلاً، كان طالبُ هندسة يَدْرُس بالمدينة التي جاءها شاباً في الثامنة عشر من عمره، دخل كلية الهندسة ولم يخرج منها حتى ذلك النهار.. يقول لأهله كلما سألوه ما يفعل هناك ؟: لدي مكتب هندسي وأزاحم المكاتب الكبرى هنا ولي سطوة وقدرة، فأعمالي وشهرتها تسبقني، ومنذ ذلك التصريح صاروا ينادونه بالباشمهندس الطلياني

هو إيطالي الملامح وسيم المحيَّا طويل وأنيق وحوله تصطف المعجبات فمظهره يوحي بسعة الحال أو هكذا بدا لهنَّ.

يصحو ظهر كل يوم في مدينة يبدأ يومها مع خيوط الضوء الأولى فهي مقصد المحبين والعرسان ومتذوقي الجمال ومتابعي الحالة الفنية من معارض وفنون وكرنفالات وصناعات رقيقة كرقة أهلها، فنافخوا الزجاج لهم روَّاد يأتون إليها من كل فجٍ عميق، تذهلهم هذه التشكيلات المبهرة التي تصنعها نفخة العاشق، فتحيل الكتلة اللينة إلى أشكال عجيبة. لكنه بعيد عن كل هذا ولا يعنيه إلا طعام طيب وزجاجة نبيذ وهذه السيجارة التي تؤذي ذلك الطيف الذي انتفض من سبات الرسم على المطفأة فصار يحكي حكايته..

أنا مُجَدِّف!! نعم هكذا صارت مهنتي تُهمتي. لم يخطر ببالي يوماً أن تكون نهايتي هكذا ولا علمتُ يوماً أن صحبة عالم قد تُنهي حياتك بلا ذنب.

كنت أعمل لدى صاحب قارب صغير أساعده في نقل الناس والبضائع هذا عملي ومهنتي التي أحب. وبعد أن كبر الرجل صرت أعمل على القارب وحدي ونتقاسم المحصول اليومي. إلى أن جاء نهارٌ رأيته طيباً لكنه أدار لي وجهه وسلَّمني إلى نهارات أخرى طويلة وبائسة.

كنت أدور في قنوات فينيتسيا* متأملاً هذا الكون وأحواله، وأعجب لهذا الجمال الذي منحه الله لهذه المدينة. هذا الجمال الذي أراه كل إشراقة شمس وكأنني أراه لأول مرة. مدينة الماء كما أحب تسميتها. واذا برجل ملتحٍ يشير إلي أن أوصله فتوجهت إليه فركب وصار يحكي عن الدنيا وما فيها وعن حزنه لما يلاقيه من عَنَتٍ ومشاغبة من الكنيسة وتعب في معمله ولا معين له. لم أفهم لماذا تشاغبه الكنيسة وهل شاغب الله يوماً أحداً من عباده؟ هو هناك، كما يقول راعي كنيستنا ليحبنا ويحمينا، فما الذي جرى حتى يتعبه الله والكنيسة!! كنت أفكر فيما قاله لي واذا به يلتفت إلي ويسألني أن أتفرغ وأعمل معه سائقاً ومساعداً في بيته فأشفقت عليه ووافقت ويا ليتني ما فعلت.

لم يمض على عملي عنده يوم واحد حتى وجدت نفسي متهماً معه بالتجديف. يا إلهي لو يعلمون أنني لا أعرف مما يعرف شيئاً ولا أعرف حتى من هو وأنني رجل مؤمن وما غبت عن كنيستنا في آحاد الله أبداً. أحياناً كنت ألهو قليلاً وأعود بسرعة لأعترف لراعينا فيقبل ويصفح ويسعدني هذا وينظُف قلبي وبدني..

كانت الدنيا مظلمةً وظالمة تلك الأيام وأخذوني بجريرته ووضعوني في المحبس ونسوا أمري ونسيني صاحب عملي القديم بل وأنكر معرفتي فقد كان الرعب كبيراً..

أخذوني بصحبة الرجل مكبلين بالأغلال مشينا فوق الجسر الذي ينقل من يمشي عليه إلى الحياة الأخرى أو إلى السجن فلن يرى مرة أخرى ما يراه في هذه الخطوات.. مشينا بصعوبة وقهر والتفتُّ نحو فينيتسيا نحو سان ماركو والكمبانيلّو * وبحثت عيناي عن الكنيسة الرابضة هناك لأرجو الله أن يرحمني مما ينتظرني.. ملأت عيني وقلبي من الجمال وكنت أعرف أنني لن أراه بعد ذلك أبداً. نُسيتُ هناك وكان سُباتاً أبدياً لولا أن أيقظني منه صاحبك بهذا الرماد الذي يؤذيني.

كان صاحب السيجارة في عالمٍ آخر فهو- كما يُحَدِّثُ صَحْبِه- رجل مناضل مذ عرف الدنيا لا يشغله في حياته إلا حال بلاده وهاتف والدته.. تطلب منه بحزم أن يعود ويتزوج. فعمره على حافة خطر أن لا تقبل به امرأة ويعجب لطلب أمه لكنه يعدها بالعودة وبالزواج ولم يفعل لا هذه ولا تلك أبداً.

يتململ الطَيفُ في موقعة على المنفضة ويتساءل بحذر بعد أن يلتفت  بشوق الغائب الأبدي إلى   ساحة سان ماركو إلى البشر والحمام والدنيا التي تغيرت هي وأهلها ولم يعد يعرفها متسائلًا هل يستجيب هذا المخلوق الذي أزعج رقدتي هنا ويعود إلى أمه؟

أتمنى أن يفعل فأرتاح ولربما وجّهوا إليه تهمة التجديف هو الآخر ويمر على جسر تنهداتهم ولا يعود إلى سيجارته التي أطفأها هنا في موضع ما بين القلب والكبد… في الروح تماماً..

الروح؟ أين مهجة الروح يا فينتسيا كم أشتاق إلى (فيورا) هل مرَّت من هنا والتفتت إلى ذاك الجسر وبَكَتْ عَلَيّ؟!!

أيتها المدينة الجميلة الجاحدة الظالمة (أين من عينيك هاتيك المجالي) * أين منّي….؟ والتفتت الروح المشتاقة (علّ طيفاً سرى بين الكواكب في خفاء) *.


*فينيتسيا: فينيسيا كما ينطقها الإيطاليون

*(أين من عينيك …. من قصيدة للشاعر علي محمود طه

*(علَّ طيفاً….: من قصيدة حديث الروح لمحمد إقبال وترجمة الصاوي شعلان

مقالات ذات علاقة

صنعة اليدين

أحمد العنيزي

دكاكين…

جميلة الميهوب

جنية دزيرة الملوك

محمد دربي

اترك تعليق