النقد

بلاغة التكثيف وأفق التصوير الشعري في مجموعة “لمختلفين في نعناع النظرة”

محمد المسعودي | المغرب

لمختلفين في نعناع النظرة.. للشاعر الليبي محمد القذافي مسعود
لمختلفين في نعناع النظرة.. للشاعر الليبي محمد القذافي مسعود

من يطلع على مجموعة “لمختلفين في نعناع النظرة” للشاعر الليبي محمد القذافي مسعود يلفت نظره ميل الشاعر إلى تكثيف النص الشعري، واتخاذ بلاغة التكثيف منطلقا لكتابة نصوصه…

وتُسهم هذه البلاغة بقسط وافر في تشكيل الصور الشعرية، ووسمها بميسم خاص، كما أنها تؤدي دورا حيويا في بناء دلالات النصوص وإشاراته الرمزية. ومن ثم ستعمل هذه القراءة على تجلية مدى اشتغال بلاغة التكثيف في بناء النصوص، وإبراز جماليتها، ومدى قدرتها على بناء دلالات النص الشعري وأبعاده الرمزية.

في مجموعة نصوص قصيرة يسميها الشاعر “قصائد” نلفي بلاغة التكثيف حاضرة بقوة وتؤدي دورا فعالا في بناء عوالم شعرية متخيلة من خلال صور فنية مختلفة. يقول محمد القذافي مسعود في أحد هذه النصوص:

“ذات آهـة

أبعد من نجـم

في أقصاي

اشتهيتُ طعم التـراب”.

يتشكل هذا النص من صورة واحدة تبني رؤيته وتصنع دلالته. يُشخص الشاعر عمق معاناته وشدة ألمه من خلال الآهة البعيدة الغور، التي تهز دواخله إلى درجة اشتهاء طعم التراب، والرغبة في الفناء. ويحضر النفس الصوفي في هذا النص المكثف عبر التعبير عن هذه الرغبة الملتبسة في النفس الإنسانية بين التوق إلى السمو والعلو (استدعاء النجم البعيد) والرغبة في الركون إلى الثبات واليقين: يقين الفناء في المحبوب والارتباط به (اشتهاء طعم التراب). وبهذه الصورة الدالة، وعبر بلاغة التكثيف يقول الشاعر هذه المعاني في إشارات مختزلة ولمحات خاطفة. وعبر هذه الصورة المكثفة والمركبة يبني الشاعر رؤيته ويعبر عن ذاته.

ويقول في نص آخر مستدعيا صورة أخرى مشخصا ألمه في سواقي ماء تهطل معاناة:

“فكل غيمة وإن احتضرت

لن تهطل كسواقي ألمي”.

وفي هذا النص المكثف يحضر هذا التقابل بين الفناء والموت، وبين الارتفاع والسمو، ونرى أن الموت بدلالته الروحية هنا يحول شدة الألم إلى حالة شعرية رائقة، من خلال ربطها بالماء وارتباطه بالحياة لا الموت. وبهذه الشاكلة نجد هذه الصورة الشعرية تتميز بالطزاجة والابتكار وتتمكن من ترجمة عمق إحساس الشاعر بفداحة ألمه ومعاناته، وهي تكتنز نفحة صوفية ورومانسية جلية.

وفي نص آخر يقول محمد القذافي مسعود:

“وأنا أنتعل الجرح

ليصل الوجع فيك أقصاه

تقطع ناياتـك أوردتها

تدمعين جمرا

تستظلين بصمتي

عله يهبك عرجون

مذبوح الآهات”.

لا شك في أن الشاعر يخاطب أناه، ويجعل منها معادلا موضوعيا ليعبر عن عمق ألمه ووجعه، ها هو ينتعل جرحه ليصل بمعاناته إلى ذروتها. وها هو يخبر ذاته أنه يقطع أوردة ناياته، حتى لا تتغنى بأحزانه مفضلا الصمت لتستظل به النفس، ويصور هذا الصمت في شكل عرجون ذابل مذبوح الآهات. بهذه الصور المتعددة والمركبة التي تجمع بين البصري والسمعي، واللعب على دلالة الصمت وجمالية التضاد، يبني الشاعر عوالمه المتخيلة المعبرة عن ذاته، وعن رؤيته.

وفي نص آخر يقول:

“في صمتكِ أغنية

تعبُر ليل انتشائها

إلى صباح…”.

وهذا نص يحتفي بجمال الصمت الذي يصير أغنية انتشاء تصرم الليل إلى الصباح والإشراق. إننا أمام صورة شعرية مكثفة تُعبر عن جلال الصمت ونشوته التي تضاهي نشوة أغنية تُطرب الروح، وتَعبر بها من هول الليل إلى نور الصباح. ونرى الشاعر يخاطب مخاطَبا مجهولا لكن ملامحه الأنثوية كونية الطابع تلقي بالسكون والراحة في النفس القلقة المضطربة إلى درجة تحول هذا السكون إلى أغنية تتشربها الروح وتلقى فيها اطمئنانها. وبهذه الشاكلة تكثف هذه الصورة ظلال معاني يمكن حدسها بكيفيات عدة، وهذا التأويل الذي ذكرناه إحداها، خاصة أن هذا النص يحلق في أبهاء الترميز بشكل لا يخفى على المتلقي، بحيث ينتقل عبر صورته الحسية هذه إلى التعبير عن الروح في انتشائها بالصمت وجلاله، وتوقها إلى عبور برزخ الظلام إلى رحابة النور وبهائه. ومما لا شك فيه أن صورة هذا النص تتصادى مع دلالات النص السابق عليه.

ويقول الشاعر في نص آخر، وهو هنا يخاطب أنثى معشوقة مصورا حضورها في وجدانه وكيانه:

“تمتديـن فيَّ من

بسملـة الصُبـح

حتى حمدلـة

المسـاء”.

بهذه البلاغة المكثفة والصورة المختزلة لحركة الزمن، يشخص الشاعر رضاه عن أنثاه وشغفه بها. إنها تسكنه من بداية نهاره: بسملة الصباح، وإلى نهاية يومه: حمدلة المساء. وبين بسم الله والحمد لله تطمئن النفس وتسكن الروح إلى وجود الأنثى البهي. ومما لا شك فيه أن هذه المعاني تتصادى مع ظلال معاني النص السابق الذي يعبر عن جلال الحضور الأنثوي وبهائه في صمته وسكونه اللذين يشبعان الروح ويلقيان بظلال السكينة فيها. وهذه صورة أخرى مكثفة تتصادى معانيها مع النص السابق، وترتبط به:

“بصحـوة عينيـك

يقبلُ صبـاح

يرفـع الليـل جفنـه

عن سهـد وساهـد”.

إن صحوة عيني المحبوبة نور يضيء الكون ويطارد سواد الليل، بحيث يرفع الليل جفونه عن الساهرين عشقا. وبهذه الكيفية يشكل النص كثافته من خلال صورة شعرية واحدة تؤدي دورا حيويا فعالا في بناء النص وتحديد عوالمه التخييلية. وبهذه الصنيعة الفنية الدقيقة يبني الشاعر محمد القذافي مسعود رؤيته الشعرية وجمالية نصوصه.

وفي حيز آخر من المجموعة الشعرية يقول الشاعر متطرقا إلى موضوعات أخرى، متبعا نهجه البلاغي في بناء نصوصه المكثفة على أساس صورة واحدة، أو صور مركبة مترابطة:

“همستُ في أذن الخريف:

توار عن سكينة الفصول

المطر يخيط الأرض ثوباً

لعُراة اليقين”.

بهذه الصورة الشفيفة يعبر الشاعر عن نظرته إلى فصل الخريف وتأمله في هذه الفترة الزمنية، راصدا تحولات الطبيعة، مبينا أن المطر يخيط ثوبا لمن يفتقد إلى اليقين. من يرى أن الحياة ثبات، وأنها سكون وموت. فها هو الخريف وهو يعري الشجر ويفرش الأرض بأوراقها لتصير بساطا أصفر يؤكد أن الوجود قلب، وأن لا سكون ولا ثبات. بهذه الكيفية تركز الصورة على دلالة التبدل والتحول، لتجعل منها أفقا لكثافة نصية وبلاغة شعرية تقول الكثير طي القليل من اللفظ.

وها هو الشاعر يقدم لنا صورة في شكل لقطة سردية نثرية مكثفة ليصور حالة فزع وخوف انتابته:

“ظننتُ العصفور رصاصة

فارتميت أرضا

حين طار هارباً..”.

إن هذا النص المكثف يبني شعريته على أساس صورة/لقطة تختزل وضعا مشتركا بين الشاعر والعصفور، فكلاهما في انطلاقه يختزن الخوف والهلع. وكلاهما يخشى الموت. الشاعر الذي حسب العصفور رصاصة تنطلق نحوه لتقتله، والعصفور الذي يخشى الإنسان ففر هاربا. وبهذه الشاكلة يصنع النص متخيله ويبني عوالمه ويشكل دلالاته وظلاله الترميزية ببلاغة التكثيف. وعبر هذه البلاغة يصبح العصفور بمثابة معادل لذات الشاعر التي تحيا في وضع غير سوي فتحسب العصفور (صورة الوداعة والرقة والجمال) رصاصة (رمز الدمار والموت). وبهذه الطريقة يعبر الشاعر عن حالة نفسية في وضع اجتماعي وسياسي غير طبيعي. وفي صورة شبيهة بالسابقة، يقول محمد القذافي مسعود:

“مشيتُ متعرجاً

أرمي الظل بحجر

فيرتد رصاصاً

وعراجين تنزف”.

هكذا تصور هذه الصورة معاناة الذات في واقع مضطرب، فها هو الحجر يرتد رصاصا وعراجين تنزف دما. وهكذا تستحضر الصورة دلالات الموت، وتكتنز في عوالمها التخييلية هذا التجاذب بين محبة الحياة والرغبة في مغالبة الموت، أو مواجهته. وعلى هذه الشاكلة يبني الشاعر جمالية نصوصه جاعلا من بلاغة التكثيف أفقا لصنع دلالات نصوصه وأبعادها التخييلية، مشكلا عوالمه الشعرية الخاصة، موظفا صورا مفردة أو مركبة تحمل رؤيته الشعرية إلى قارئه في ألفاظ قليلة، لكنها تختزن رؤى وأبعاد دلالية متعددة يستشفها المتلقي من تأمله في النصوص وتفاعله مع منطوقها وما تخفيه من ظلال معان ثاوية بين تضاعيفها.


القدس العربي، 17 أبريل 2022

مقالات ذات علاقة

سيميائية الفضاء في الخطاب السردي لقصة «الاقتناص»

أمينة هدريز

الدور الوظيفي للشخصية في قصص أحمد إبراهيم الفقيه

طارق الشرع

المقهور .. الذاكرة في نثر المدينة

عبدالسلام الفقهي

اترك تعليق