طيوب النص

كتاب عن وزراء الملك إدريس السنوسي وآخر عن وزراء القذافي

كتاب من وزراء الملك
كتاب من وزراء الملك

كتاب ” وزراء الملك إدريس السنوسي ” للأستاذ أبوبكر علي الشريف الصادر حديثا عن دار تيرا للطباعة والنشر ، يسلط الضوء على جانب مهم من فترة العهد الملكي ، هذه الفترة التي شهدت تعتيما وأحيانا تشويها وتناولا بعيدا عن الموضوعية والإنصاف في أجهزة نظام القذافي وصحافته طيلة العقود الأربعة الماضية ، وذلك لأغراض سياسية تستهدف الدعاية لنظام سبتمبر ، وتجريد النظام الملكي من أي إيجابيات ، الأمر الذي يخلق تشوشا وتشويها في صورة العهد الملكي في أذهان الناس ، مع العلم أنه لولا النظام الملكي لما كان لنظام سبتمبر أي وجود ، فقد درس القذافي ورفاقه في المدارس التي أنشأها النظام الملكي ولم تكن موجودة قبله ، وتخرجوا من الكلية العسكرية وعملوا في الجيش الذي أنشأه النظام الملكي ،

لا يعني هذا خلو العهد الملكي من السلبيات وأنه كان عهدا ذهبيا على كافة المستويات، لكن هذه المرحلة لم تنل حقها من الدراسة العلمية الموضوعية، ولذلك فإن أية كتابة في هذا الاتجاه تستحق الإشادة والاحتفاء بها، ومن بينها كتاب ” وزراء الملك إدريس السنوسي ” الذي يعتبر في نظري غير مسبوق في مجاله، فلم تعرف المكتبة الليبية كتابا من هذا النوع حسب معلوماتي.

والكتاب يندرج ضمن كتب التراجم التي تهتم بتقديم المعلومات المتعلقة بالشخصيات ، والشخصيات التي تمحور هذا الكتاب حولها هي كما جاء في العنوان وزراء الملك إدريس السنوسي ، منذ الوزارة المؤقتة التي ترأسها محمود المنتصر في 29 مارس 1951وحتى الوزارة الحادية عشر التي ترأسها ونيس القذافي في 4 سبتمبر 1968واستمرت حتى 31أغسطس 1969 ، وانتهت في اليوم التالي وانتهى معها النظام الملكي ، ليحل بعدها النظام الجمهوري ثم الجماهيري والتي جاء بمعمر القذافي إلى الحكم وظل حتى 20  اكتوبر 2011 حيث انتهى مقتولا على أيدي ثوار فبراير .

يقدم الكتاب معلومات وبيانات عن عدد 104 وزيرا، هم وزراء العهد الملكي الذين كانوا ضمن 11 وزارة تولت إدارة شؤون البلاد طيلة مرحلة العهد الملكي، يقدمهم معد الكتاب وفقا لترتيب الأسماء الأبجدي (ونقول معد الكتاب وليس مؤلف الكتاب كما جاء على الغلاف فهذا النوع من الكتب لا تدخل في إطار التأليف بل الإعداد).

 تبدأ قائمة الوزراء بإبراهيم بن شعبان، وتنتهي بيونس بلخير، يلي ذلك قوائم بأسماء وزارات العهد الملكي منذ وزارة المنتصر المؤقتة في 51 وحتى آخر وزارة للعهد الملكي، وزارة ونيس القذافي، تشمل كل قائمة اسم رئيس الوزارة ثم أسماء الوزراء بما في ذلك التعديلات الوزارية التي حدثت.

وعقب القراءة الأولى للكتاب نكتشف حاجة الكتاب إلى مقدمة يسلط فيها معد الكتاب المزيد من الأضواء على ماورد في كتابه  ،لتزداد الصورة وضوحا لدى المتلقي ، على سبيل المثال  من حيث طريقة اختيار رؤساء الوزراء وإقالتهم أحيانا من قبل الملك ، أو استقالة هذا الوزير أو ذاك وخروجه من الوزارة لسبب ذاتي ،أو لسبب آخر ،  وهي معلومات موجودة داخل الكتاب ، كذلك وجود عدد من أصحاب الكفاءات العالية التي توضح أنه على الرغم من قلة عدد المتعلمين وحملة الشهادات العليا فإن اختيار الكثير من هؤلاء كان معيار المؤهل العالي موجودا ، مثل محي الدين فكيني ومصطفى بعيو ،ووهبي البوري، أيضا نلاحظ وجود عدد من الشعراء والأدباء والكتاب عملوا في الوزارات مثل خليفة التليسي ورجب الماجري وفؤاد الكعبازي إلخ أيضا هناك عدد لابأس به من الوزراء كانوا يجيدون أكثر من لغة أجنبية ، وكذلك نلاحظ تنوع التوزيع الجغرافي والقبلي للوزراء.

هذه الملاحظات وغيرها كان من الممكن حصرها وتوضيحها في مقدمة الكتاب ليتعرف القارئ على  سياسة الملك في اختيار وزرائه ، وإلى أي مدى كانت استقلالية هذه الوزارات في اتخاذ القرارات ، وإلى غير ذلك من الملاحظات الواردة في الكتاب وكان يمكن تجميعها في المقدمة لتعطي لمحة عامة عن طبيعة تلك المرحلة أيضا هناك ملاحظة على طريقة تقديم الكتاب للوزراء ،فبعضهم اكتفى الكاتب بسرد معلومات محايدة عنهم : سنة الميلاد ، مكان الميلاد ، المؤهلات الدراسية، المناصب التي تولاها ، الوزارة التي ترأسها ، تاريخ خروجه من الوزارة إلخ ، والبعض الآخر لم يكتف الكاتب بمثل هذه المعلومات الحيادية بل أضاف  بعض الآراء عن طبيعة شخصية الوزير ، وهذه الآراء بعضها إيجابي مثل قوله عن رئيس الوزراء الأسبق مصطفى بن حليم : ” الصفة البارزة في بن حليم الذكاء الحاد والدهاء الشديد الذي يحتاجه أي سياسي ” ص 295

هذا الانطباع عن بن حليم يذكره الكاتب دون أن ينسبه إلى مصدر محدد، فهو فيما يبدو انطباع الكاتب الشخصي، ونجد مثل هذه الانطباعات عن وزراء آخرين، في حين تغيب عن البعض الآخر مثل هذه الانطباعات، بل نجده يسجل انطباعات سلبية عن وزير الإعلام الأسبق احمد الهوني، بعض هذه الانطباعات تمثل الرأي الشخصي للكاتب وبعضها الآخر منقولا عن كتاب بن حليم انبعاث أمة وسقوط دولة الذي يقول عن احمد الهوني ان اجهزة الإعلام في عهده اتبعت سياسة النفاق والتملق ” ص 38. بل أن الكاتب ينقل عما يسميه ” تقارير السفارة الأمريكية في طرابلس ” التي تقول عن الهوني: ” أنه كان على علاقة بعدد من موظفيها “، عن أية تقارير يتحدث الكاتب؟ هو لا يذكر مرجع محدد يمكن أن نعود إليه، ثم لماذا هذه التباين في المواقف ايجابا وسلبا من قبل الكاتب تجاه الشخصيات الوزارية التي يقدم معلومات حولها؟

وهذا الأمر تكرر غير مرة مع وزراء آخرين بعضهم يثني عليه بانطباعات شخصية، أو بآراء منسوبة لآخرين والبعض الآخر ينتقده إما من خلال قراءات شخصية أو نقلا عن آخرين. والكاتب في هذا يبدو هنا بعيدا عن الموضوعية والتوازن في العرض في تناوله لبعض الشخصيات الذي يقدمها.

ملاحظة أخرى، وجدت الكاتب وهو يتحدث عن احمد فؤاد فائق شنيب يخلط بينه وبين الكاتب منصور بوشناف، فهو يقول عن احمد شنيب: ” له العديد من المخطوطات والتي لم تطبع: الفتوحات الليبية، رواية الإرث، مسرحية خمس نخلات حول بحيرة حراء، مسرحية السعداء، مسرحية نوستالجيا دراسة، مسرحيات قصيرة “

هذه الأعمال التي نسبها الكاتب إلى وزير التعليم في حكومة فكيني احمد فؤاد شنيب هي في الواقع تخص الكاتب منصور بوشناف وليس كما جاء في كتاب الشريف.

أيضا يقول الكاتب عن رئيس الوزراء الأسبق محمود المنتصر: ” …توفي في السجن، ويقال إنه انتحر نتيجة المعاملة السيئة في السجن المركزي طرابلس “

لا يمكن أن نورد معلومة مهمة مثل انتحار محمود المنتصر في السجن بكلمة “يقال” إما أن يكون انتحر ويتم نقل هذه المعلومة عن مصدر مؤكد أو يتم استبعادها.

يتكرر استعمال كلمة ” يقال” في صفحة 76 من كتاب الأستاذ الشريف، وإن كانت هنا نقلا عن بشير السني المنتصر وهو يتحدث عن استقالة عبد القادر البدري، إذا ينقل عن المنتصر: روى بشير المنتصر عن استقالة البدري من رئاسة الوزراء ما نصه: ” يقال إنه طلب منه تقديم استقالته، بينما يقول البعض عن السيد عبد القادر البدري لما شعر ببعد رضا الملك سارع إلى تقديم استقالته “

وأظن أن عبارات من نوع ” يقال “، و”بينما يقول البعض” لا يمكن التثبت من صحتها، وبالتالي تفقد أهميتها وقيمتها كمعلومة.

أيضا يذكر المؤلف الكثير من المصادر غير الكاملة، فهو يذكر عنوان مقالة ما اعتمد عليها، لكنه لا يذكر مكان النشر مثل:

” فتحي العكاري، مقال (عبد الله محمد سكته انموذج الوطنية)

وهو هنا لا يذكر مكان نشر المقال ولا تاريخ النشر، وهو أمر يتكرر عديد المرات على صفحات الكتاب.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات فإن هذا لا يقلل من أهمية هذا الكتاب الذي بذل المؤلف مجهودا عظيما في تجميع معلوماته، وهو يعتبر مصدرا مهما لمعرفة الكثير من البيانات عن وزراء تلك المرحلة المهمة من تاريخ ليبيا، ونحن في أمس الحاجة لأي جهد علمي يسلط الضوء على تلك الحقبة من تاريخنا المعاصر، ولقد أعلن المؤلف أنه سيواصل هذا الطريق في مجال التراجم في هذا الجانب المهم من تاريخ بلادنا السياسي حيث أعلن في نهاية الكتاب أنه أحد مشاريعه القادمة كتاب بعنوان: ” وزراء العقيد معمر القذافي :1969_2011″

وما أشد حاجتنا إلى كتب من هذا النوع.

فألف مبروك للأستاذ أبوبكر الشريف على صدور كتابه ” وزراء الملك إدريس السنوسي ” وتمنياتي له بالتوفيق في كتابه القادم.

مقالات ذات علاقة

الأخلاق وأزمة التفكير

المشرف العام

التاريخ يرسمه الأطفال

منى الدوكالي

استدلال

عائشة الأصفر

اترك تعليق