قصة

الاختناق

زمزم كوري

من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
من أعمال التشكيلي صلاح غيث.

الاختناق الولادي، هو السبب الرئيسي للإصابة بالشلل الدماغي Cerebral palsy والمعروف بالاختصار CP، يصاب به بعض الأطفال عند الولادة بسبب نقص الاكسجين، فيفقد البعض القدرة على الحركة كليا أو جزئيا، وقد يصل الضرر إلى درجة الاختلال العقلي، كل ذلك يعتمد على المكان المتضرر من النسيج الدماغي ودرجة نقص كمية الاكسجين المغذية له.

هكذا يعرفه الأطباء ولكنني اعتقد انه ربما كان عليهم ان يطلقوا عليه إثم آخر باستثناء “الاختناق الولادي” لأن هذا الاختناق يلازمني دائماً، أي شيء يحدث معي، يرجعه الأطباء لهذا السبب، البكاء، الخوف، نوبات الصرع، صعوبة التعلم، تشتت الذهني ومشاكل في النطق! كل ذلك يعود إلى لحظة خاطفة في حياتي، لحظة لا أتذكرها، تتحدث أمي عن كل ويلات التي مرت بها أثناء ولادتي ولكنها نفسها لا تعلم في اية مرحلة من الولادة اصابني الاختناق.

 فرحت أمي عندما بلغت عامي الأول أنني أقدر على المشي، واللعب، هذا يعني أن الاختناق لم يؤثر علي، ألعب مع الصغار، أحب اللعب بشكل كبير، فرحتها لم تكن مكتملة فهي تشعر في بعض الأحيان أن هناك خطب ما، شيء ما يجعلني ليس كأقراني، هل هو الحول؟ كان ذلك أول تساءل عندما بلغت الشهر السادس واستمرار الحول معي، فبدأت أولى رحلاتي في المستشفيات والمراكز الصحية، أطباء عيون، نظارات زرقاء كبيرة، اتقبلها تارةً وأرميها تارةً آخري، بعد عدة محاولات باءت بالفشل لاعتيادي عليها، قررت أمي أن تتوقف عن إرغامي لارتدائها “حول الزين” هكذا بدأ الآخرين في تعليق على عيني الجميلتين.

مر عام الأول والثاني دون أن تتمكن أمي عن إخفاء قلقها، هل هو التوحد؟ هل هو ضعف النظر؟ كثر الحركة؟

فجاءت الإجابة عند بلوغي الثالثة، عند ظهور أول نوبة صرع، سقطت الستائر وانكشفت الحقيقة، تبدد الأحلام وتحققت الهواجس، أصبح العالم مظلم في وجه والدي وعائلتي الكبيرة، ذرفت عمتي الدموع، أصاب أبي الهلع، توالت الاتصالات اطمئنان على أمي تختنق في كل مكالمة، تظهر للجميع لحظة صمود، تتحدث بنبرة رضى يختنق صوتها قبل إنهاء المكالمة، أنها تبكي، تبكي طوال الوقت “أنني كنت أعلم أنه يعاني من خطب ما منذ البداية.. كان بكاءه مستمر لم يكن من فراغ.. أنه يأن طوال سنوات الماضية..” ولكن وقعة الألم هذه مرة أشد، تواسيها جدتي “أنه بشرى، لعله سبب لدخولك الجنة، اختاركِ الله من دون الآخرين.. بل هو امتحان الذي يقاس به درجة صبرك.. احتسبي الأجر.. لا تيأسي لعله يشفى.. كل الأقدار بيد الله بإذن الله تفرج “.

الكثير من الخلايا الميتة لازالت ملتصقة بدماغي، تظهر على هيئة بقعة بيضاء في صورة رنين مغناطيسي مقطعي، الخلايا الميتة متمركزة على منطقة frontal وهي مقدمة الدماغ منطقة المسؤولة عن الذكاء والتواصل والذاكرة، وكذلك منطقة occipital وهي مؤخرة الدماغ مسؤولة عن الحاسة البصر.

عندما أكون مع أمي في حضرة الكبار أبكي كثيراً، أشعر أنني مختنق، لا أستطيع التنفس، وسط كل تلك الوجوه، لذلك يعتقدون أنني طفل توحدي! ولكنني لست كذلك، كل ما هنالك أنني أشعر بأنني لا انتمى إليهم، ولكن أمي تجبرني على البقاء معها، لأنها تخشى أن تتركني لوحدي، تخشى أن أخرج مع الصغار، فأتوه وأذهب إلى لا وجهة. تخشى أمي عليا من الضياع، وأن يصيبني أي مكروه، فهي لن تسامح نفسها حينها، لأن ذلك لا يعني سوى الإهمال.

أحب اللعب مع الصغار، رغم أنهم لا يحبون طريقة لعبي، البعض يباغتني بالضرب، والآخر عندما أحاول أن أخذ انتباهه للعب معي يضربني، لأنه يعتقد أنني أضربه. أنا لا أضربهم لأنني لا أعرف الضرب، كل ما في الأمر اريدهم ان يلعبوا معي.

أحب جدتي، جدي وعماتي كثيراً، لقد كانوا خير معينين لي، تربيت في بيتهم، سهروا من أجلي، قدموا لي رعاية الكاملة اعتنوا بي في أصعب مراحل أمي الدراسية، أحبهم لأنهم يحبونني، أحبهم لأنهم يفهمونني دون أن اتحدث، يعشقون لعبي الذي لا ينتهي، لا يتضجرون من حركتي الزائدة، لقد وهبوني الحب لذلك أدعو ان يهبهم الله الحب أضعاف مضعفة.

أحب خالاتي كثيراً، فهن لم يتوقفن عن دعم أمي، وعن دعواتهن الصادقة، أتمنى من الله أن يهبهن السعادة بعدد نبضات قلبي، أن يرزقهن الدرية الصالحة، وأن يجعل الجنة دارهن. أما حني أحبها بعدد دعواتها، صلواتها، ركعاتها وسجدتها وأكثر، حني معينة أمي في مصابها، القلب الحنون، ولسان الذاكر بدعوات القنوط، حبيبة القلب أدعو الله لها بالجنة، وبلقاء الرسول.

أحب والدي كثيراً، لقد حظيت باهتمامه ولا زلت، أشعر أنه يقاسمني كل معاناتي، يعيشها معي، اعتذر منه في كل مرة اتسبب له بالهلع ولكن ذلك ليس بمحض إرادتي وحسبي أنه يعلم ذلك، أحبه لأنه أعظم أب في ناظري، دائماً ادعو الله أن أكون سبباً في دخوله الجنة.

أحب أمي كثيراً، أحبها عندما تحضنني، عندما توبخني، عندما تحاول تعليمي شيئاً ما، فهي تحبني كثيراً تكتب لي الكثير من الرسائل، لأنها تحلم بيوم الذي أكبر فيه وأقرأ تلك الكلمات، لا أستطيع أن اوعدها بأنني سأقرأ عندما أكبر ولكن يمكنني أن اوعدها بأنني سأقرأها يوماً ما، إذا لم يكن ذلك اليوم في الدنيا سيكون في الجنة.

مقالات ذات علاقة

الـشـرف

سعد الأريل

خيانة

هدى القرقني

بعوض في المستنقع

فهيمة الشريف

اترك تعليق