المقالة

جرد القلوب وأحلام لا تؤجل

فتحية الجديدي

من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي

أثناء طرحه الرائع تناول الكاتب المميز الأستاذ جمعة بوكليب في مقالته «جَردُ القٌلوب» التي نشرها بصحيفة الصباح موضوعاً له مدخل إنساني غاية في الأهمية، يربط بين ما تحمله خزائن القلوب ومبدأ الربح والخسارة في الحياة بشكل عام، مستشهداً في حديثه بالتخلص من البضاعة المنتهية الصلاحية والخروج بأقل خسارة، لتحل محلها بضاعة ضرورية ذات جدوى على أقل تقدير.

وكان السؤال المطروح في هذه الجزئية: هل يتجاوز الزمن الأحلام مهما كان حجمها أو نوعها؟  أتفق معه في هذا النص الجميل عندما يكون المرء يحمل بين جنبات روحه حلماً واحداً في حياته ويعتقد بأنه سيتحقق يوماً ما، فيباغته الزمن دون أن ينتبه ويفرض عليه أن يدافع عن بقية أحلامه.

منطقية التاجر واضحة عند «بوكليب»، فهذا – أي التاجر- الذي لا يجدد بضاعته سيتعرض للخسارة، وكذلك صاحب الأحلام غير المتوافقة مع التغييرات على المستوى الداخلي والمحيط الاجتماعي والثقافي، خاصة بعد أن تفعل السنون أفعالها بكل ما فيها من العمل والجد والانفعالات.. أليس كذلك؟

هذا المنطق هو السائد حقاً بفعل نواميس الحياة.. أما غير ذلك فيظل مجرد مراهنات على زمن لا يشبهنا، أي بمعنى آخر الاندفاع في الحياة دون معايير واضحة، سوى تلك اللحظات التي نسرقها وتساوي الحلم ربما.

أخذنا الكاتب لعالمه واستدرجنا نحو «اللامعقولية» في ممارسة الأحلام – المعلنة وغير المعلنة – حتى بعد أن مضى العمر حثيثاً أو قضي عليه النضج المبكر ومعاركنا المتأججة وطموحاتنا البالغة في سموّها والتي سبقت سننا في مرحلة من مراحل حياتنا.

كل هذا ولا زلت أتتبع البوح المسترسل عند الكتابة والربط المتناغم بين مفاصل الموضوع وما شدني لذلك هي الفكرة في نبش الخزائن وملامسة ما يصلح فيه وما بات عدماً، رغم ألم الإيقاع الزمنى وما خسرناه مرات عديدة في كل عملية جرد، إلا أننا نجد الأحلام المتجددة أكثر نفعاً وجدوى من البقاء على فتات أحلام ومفاتيح خزائن صدئة يستحيل فتحها.

الحلم هو الحلم، مع اختلاف المراحل العمر ولكل منا طبيعته وبيئته وصيغته أيضاً، لكننا لا نجد مبررات لأنفسنا أحياناً السكوت عنه ويظل حبيس مستودعات صدورنا إلى انقضاء الوقت المراهن عليه، هل يكفي أن ننظر حتى تتبدد وتنتهي أو سيثقل تكدسها العقل أيضاً، وهنا سؤال آخر: ماذا عن خزائن العقل؟ الذي يرسم الخطوط الواضحة لأحلامنا، بل هو من يمولها ليقنع القلب بالمنطقية التي تحشرنا غالبا في زوايا المعقولية التي أراها عصية على المشاعر وغير لينة ولا تطاوع رغباتنا حتى!

خلاصة جميلة في إفشاء ما يعتري قلوبنا حتى ولو بات الزمن يهددنا ، وبعد سنوات نعيد حسابتنا وفق معايير أخرى وتحمل ما فاضت به وما حققته تجاربنا ، لكنني أعتقد وبضآلة تجربتي أمام  قامة بامتلائها الفكري والمعرفي  أنه ربما نستطيع أن  نعيش بروح تلك الأحلام ولو حققنا منها الشيء البسيط ، وأرى أن وهم الأحلام ليس حلماً، وما يحقق توازننا البشري هو أن لا نتعادل مع الحلم، فقد نشيخ ولاتزال أحلامنا صغيرة بروحها وبهجتها ولسنا مضطرين أن نعادلها بالواقع الذي يكون غالباً أكثر مرارة من الإفلات في حقنا ومصادرة ما كان حلمنا به ذات يوم .

مقالات ذات علاقة

هل نشكر “ترامب” ؟

الصديق بودوارة

بين نساء الصعيد وطرابلس

المشرف العام

رسالة إلى الرئيس

عبدالقادر الفيتوري

اترك تعليق