المقالة

الأطفال يتساءلون: أينك يا جابر عثمان؟

في الذكرى الأولى لوفاة الفنان “جابر عثمان” نعيد نشر هذا المقال عن منتدى سماعي للطرب الأصيل للكاتب “زياد العيساوي”

الفنان جابر عثمان

الفنَّان الشَّاب جابر عثمان هو خُريجُ معهد “علي الشَّعالية” للموسيقا، الكائن بمنطقة الصابري في مدينة بنغازي لمن لا يعرف مكانه، خصوصاً من الجيل الجديد، المُوصَدة أبوابه في وجه أيِّ طالبِ موسيقا، من دون معرفةِ سببٍ مُحدَّدٍ، يقفُ وراء هذا الأمر، هذا المَعهدُ، الذي كان في فترةٍ خاليةٍ، كما منارةٍ موسيقيةٍ مُفعَمةٍ بإشعاعٍ ملحوظٍ وملموسٍ، وإنْ كان الإشعاع في حقيقة الأمر لا يُلمسُ، وإنما يُحسُّ فقط، فلهذا الصرحُ العلمي دور فاعل أعمق الفعل، في بروز أسماءِ مُطرِّبين وعازفين كثيرين، من بينهم الفنَّانةُ الشَّابةُ، التي رحلت عن دنيانا في الأيام القريبة الماضية فاطمة أحمد رحمها الله، غير أنّ شحةَ الإمكانيات المالية كما أحسبُ، هي من مثَّلت أكبر عقبة وقفت في سبيل مسيرة واستمرارية عطاء هذا المعهد الموسيقي أو الفني بصفة عامة، الذي لا يوجد عداه في مدينتنا، وهي من جعلته، يبدو لكُلِّ من يمرُّ بجواره ممّن يعرفونه، مهجوراً لا يُسمعُ من داخله إلا نعيق البوم المشؤوم، الذي يمتشجُ مع أصداء ضحكات الطلبة في جنباته، أيام عزِّ عمله، ومع دوي معزوفات آلاتِهم، التي كانت تُداعبُ أوتارَها ومفاتيحَها، أناملـُهم الغضَّة في سنين فائتات، تحت إشراف نُخبةٍ من الأساتذة العربِ والليبيين في المجال الموسيقي.

هو من انصقلت موهبته الفنية بالمران والدربة على الغناء العربي الأصيل، بفعلِ وفضلِ نغمات المُلحِّنين، الذين تلقفوا موهبته باكراً، بُعيد تخرجه مباشرةً، وبعد أنْ توسموا بفراستهم الفنية في صوته، عذوبةً وجمالاً، فكان النتاجُ الغنائي لصاحبِ هذا الصوت يترى ويتتالى، ما جعله في فترةٍ وجيزةٍ جداً، ينجزُ كماً غزيراً من الأغنيات، تعدّدت مضامينها، وكانت جميعها ناجحة، وبدرجة الامتياز، وفق أدق المقاييس.

أحكي عن نفسي فيما يتعلق برأيي في تجربة الفنان الشَّاب جابر عثمان فقد عرفته منذ أنْ كُنت يافعاً، من خلال بضعة أنغامٍ عاطفيةٍ، منها مثلاً: “لمت المحبوب” و”خليك حنون” و”ع الماشي” و”صعبت علينا”، وأخرى وطنية مثل “تسلم يا وطني” و”صوت الشّهيد” وهي جميعها للمُلحِّن الكبير إبراهيم أشرف وليّ مع هذا المُلحِّن حكاية عجيبة، فأغلبُ الأعمالِ، التي أسمعُها وتروقُ ليّ، أجدُها من تلحينه، عموماً فكل هذه الأعمال كانت له، فيما عدا الأخير، فهو للفنَّان عبدالجليل خالد وهو أيضاً عمل جميل، الغريب في الأمر، أنني إذ كنت أستمع إليه في هذه الأغنيات، أجدني مشدوداً إليها، مع أنّ مضامينها لا تنسجم مع سنّي آنذاك، وأعزو ذلك إلى، أنّ صوتّه وأداءَه، تكتسيهما مسحة طفولية بريئة، مكّنته في مرحلةٍ لاحقةٍ، من أنْ يختطَّ لفنِّه مساراً غنائياً ثانياً، كان مفتقداً حتى على صعيد الأغنية العربية في الأقطار الأخرى، وطالما نادى جمع من النقَّادِ والمعنيين بضرورة رسمه بريشة الملحنين والفنانين على وجه العموم، غير أنّ هذا الفنان، وضع على كاهله وزر هذه المهمة الكأداء (الصعبة) وهي “أغنية الطفل” التي تهرَّب منها فنانون كبار، بحجة “أنَ هذا اللون الغنائي صعب” كما يقولون دائماً، ولكن من دون أي تعليل، فقد أصبح أغلبهم، يردّدُ هذه العبارة، من دون توضيح وجه الصعوبة، التي يتحدثون عنها، كنوع من التقليد، ليس إلا، إنْ الفنَّانين المحليين أو العرب، سواء بسواء، والحقُّ يُقال: إنّ هذه الأغنية، كانت معروفة لدينا من قبل، إلا أنّ الملحنين والكتَّاب والمؤدين، لم يستمروا على تقديمها، ولم يستمرأوها، لكنهم كانوا يتحفوننا بها بين الحين والآخر، وبين الأغنية والأخرى، أي بمعنى، أنّ بعضهم، لم يتخصص في هذا المجال، مع أنّه كانت له القدرة على ذلك، حكمت بهذا الرأي، من خلال بضعة أعمال أنتجوها، وكان لها صدى طيب، لدى المتلقي في تاريخ أغنية الطفل، وليس على سبيل المثال لكن الحصر، أذكرُ أول ما أذكرُ، من هذه الأعمال، الأغنيات التاليات: “شارعنا القديم” و”هات الشنطة” و”ناجحين” وهي جميعها للملحن الكبير إبراهيم أشرف الذي كانت له اهتمامات موسيقية مُتعدِّدة، بخصوص المضامين والألوان الغنائية الأخرى، أبعدته عن أنّ يُكرَّس فنَّه لهذا الشأن، غير أنّ جودةَ هذا الرصيد الذي قدّمه في مجال أغنية الطفل، شفع له عند المستمعين من الكبار والصغار معاً، على ندرته، فأغنيات الطّفولة، التي واكبت طفولة جيلي، كانت هي المذكورة بعاليه؛ ومن الشّعراء، الذين درجوا على نظم أغنية الطفل، الشاعر عبدالمطلوب محمد فلا تكاد أنْ تجد أغنية للطفل، ليست من شعره، وكذلك المؤلف الغنائي فرج المذبل الذي انصرف إلى كتابة مضامين غنائية أخرى، أقصته هو الآخر عن أغنية الطفل، وأذكرُ أخرَ عملٍ غنائياً طفولياً، نسجه هذا الشاعرُ للطفل، كان بعنوان “يا شمس يا شموسة” نغّمه ولحّنه الفنَّان أحمد فكّرون وكم كان رائعاً، تأليفاً وتلحيناً وأداءً، حيث إنّ الفنَّان أحمد فكّرون أشرك الأطفال معه في غنائه، ولا ننسى أيضاً في هذا الصدد الغنائي، مجهودات الفنّان عبد الله كريسته في طرابلس صاحب أغنية “نحنا اصغار ونولوا اكبار” التي أُخرِجِت على هيأة صورٍ ورسومٍ متحركة، وكانت أول تجربة إخراجية رائدة لدينا من هذا الشكل.

عليه أسحبُ كلمتي الأولى، لأنه لا يجوز لنا، أنْ ننسفَ هذه التجاربَ المُهمة في تاريخ الأغنيةِ الليبيةِ، ففي ذلك إجحاف وظلم، وهضم لإبداعات هؤلاء، وأضع بدلاً منها هذه الكلمة: إنّ الفنَّان الشَّاب جابر عثمان لم يكُن في الواقع، البادئُ في تدشين مؤسسة أغنية الطفل محلياً، ولكن أستطيع أنْ أحسبَه، أول من أعاد إعمارها وإحياءها، ليس هذا فحسب، بل إنه هو من فتح باب التخصص في هذا المجال الغنائي، لكونه منذ أنْ بدأ الغناء، كان يتمتَّع من دون سواه، من مغنين، بصوتٍ وأداءٍ طفوليين، وبحضورٍ (كاريزم) ملائكي، ما جعله يكونُ قريباً من الأطفال، إذ أنّه في السنة الصفر من عقد التسعينيات، أصدر عديدَ الأعمال، التي تتغنى وتـُعنى بالطفل، ضمن برنامجه المرئي “أمل الغد” الذي كان له حضور مُبهِر ومُبهِج في عيون الأطفال، الذين بمجرد أنْ تقتربَ ساعة بثِّه، نجدهم يتحلقون ويربضون أمام الشاشة الصغيرة، تقرُّباً منه وترقُباً له، لمتابعة كل ما يعرض عبره، من كلماتٍ وحكاياتٍ وإرشاداتٍ وألعابٍ، تُمارسُ وتمضي على لحن الأغنيات، فربما للطفل الذي يعيش فيه، وجد في هذه المدرسة الغنائية، التي عمّرها بفنِّه وسواعد الأطفال، سلوى له عن المدرسة، التي تعلّم فيها، كيف ينبغي أنْ يكونَ الغناءُ والتمثيل المثاليان، والتي أوصدِت أبوابها.. ربما يكون ذلك صحيحاً.


عن: منتدى سماعي للطرب الأصيل

مقالات ذات علاقة

يا خوفي!

عائشة بازامة

رباية الذايح سابقا

محمد عقيلة العمامي

مَاذا يُريدُ الفَـنّان؟

المشرف العام

اترك تعليق