المقالة

الجنوب الليبي.. من الجرمنتيين إلى التوارق (4)

العربات الجرمنتية التي تجرها أربعة خيول والتي استعارها الإغريق.. ومقارنة أولية بين الشخصية الليبية (A) والشخصية المصرية (B) القديمتين (الصورة: الدكتور عبدالعزيز الصويعي)
العربات الجرمنتية التي تجرها أربعة خيول والتي استعارها الإغريق.. ومقارنة أولية بين الشخصية الليبية (A) والشخصية المصرية (B) القديمتين (الصورة: الدكتور عبدالعزيز الصويعي)

عندما إلتجأ الإنسانُ القديمُ إلى الكهوف إخترع فن الرسم على جدرانها، ربما من باب التسلية، ولم يكن يعلم أنه وضع أساساً لأعظم إختراع إنساني وهو الكتابة. فالكتابةُ بدأت بالرسم والتصوير قبل أن تصل إلى حروف أبجدية مستقلة تتكون منها الكلماتُ وتُسجل بها العلومُ كما هي اليوم.. والإنسانُ الليبي القديم كان رائداً في هذا المجال، وربما سبق غيره في تسجيل نشاطه اليومي عبر آلاف اللوحات الصخرية التي تزخر بها جبالُ ليبيا الجنوبية.. ولكنها لم تحظ بالدراسة التي حظيت بها الكتاباتُ الأخرى كالمسمارية بالعراق والهيروغليفية بمصر وغيرهما.

من جانبنا، رغم قلة حيلتنا وضعف إمكانياتنا، وقفنا نتأمل بعض تلك اللوحات وهي لا تزال في حالتها البيكتوغرافية التصويرية الجامدة لنستشف منها بعضَ الأفكار، وهذا أقل ما يمكننا الوصول إليه.. ونعتقد أن تلك اللوحات كان لها عظيمُ الأثر على الحضارات الأخرى كالمصرية القديمة والإغريقية.. وعلى سبيل المثال تلك اللوحات التي تركها الجرمنتيون والمجسدة للعربات التي تجرها أربعةُ خيول، كان قد استعارها الإغريقُ وأدخلوها ضمن ألعابهم الأولمبية، ويقال أن بقايا مضمارها لا يزال واضحاً في “قورينا”. وعلى الرغم من أن اختراع الدولاب (العجلة) ساعد الإنسان على عملية التنقل وسرعة إنجاز الأعمال اليومية، إلاّ أن “الحثيين” بآسيا الصغرى كان لهم قصب السبق في استعمال العربات التي تجرها الخيول، ولكن الإغريق استعاروها من الجرمنتيين ربما أثناء وجودهم في “قورينا” وهي الأقرب إليهم.

ومن جانبنا أيضاً حاولنا مقارنةَ بعض الشخصيات الليبية المرسومة على لوحات “تاسيلي” ببعض الشخصيات التي تحتفظ بها الآثار المصرية، فاكتشفا الشبه الشديد بينها. فشخصية الإله المصري “تحوت” (وهو رب الكتابة)، تشبه كثيراً شخصيات لوحة “تقديم القرابين” الليبية، وذلك من حيث الشكل والوضع ولباس الأقنعة الحيوانية والشعر المستعار والذيل والتنورة وغيرها، باستثناء بعض الفروق المتأثرة بعامل التطور الزمني بين الشخصية الليبية البدائية والشخصية المصرية المتطورة.

وإذا سلمنا بأن لوحات “تاسيلي” كانت من أهم دعائم الكتابة البيكتوغرافية التصويرية، فهي تستحق الدراسة من حيث تحليلها وفك رموزها كما فعل الفرنسي “شمبليون” مع الكتابة الهيروغليفة والألماني “غروتفند” مع الكتابة المسمارية.. علماً بأن لوحات “أكاكوس” أقدم زمنيا من لوحات جنوب فرنسا وإسبانيا الشهيرة. (يتبع).


الصور: العربات الجرمنتية التي تجرها أربعة خيول والتي استعارها الإغريق.. ومقارنة أولية بين الشخصية الليبية (A) والشخصية المصرية (B) القديمتين.

مقالات ذات علاقة

تـنـمـية تـفـكـير

سكينة بن عامر

الجوع الأعمق.. ذلك الجوع المسكوت عنه !!

المشرف العام

ثقـافــة.. أقوى سلاح لتطور الأمم

يونس الهمالي بنينه

اترك تعليق