من أعمال التشكيلي الليبي عبدالقادر بدر.
المقالة

من كنوز مأثورنا الشعبي

عن الحساب الشخصي للكاتب “إبراهيم حميدان” على الفيسبوك.

أعجبني منشور جميل قرأته للأستاذة كريمة الفاسي هذا الصباح ذكرني بتعبير شعبي رائع وجدتني استطرد في تعليقي عنه، ثم بدا لي أن تعليقي صار منشورا مستقلا وخالجني شعور بأنه ربما يستحق إعادة نشره على صفحتي ، بعد إجراء تعديلات وإضافات علييه والشكر والفضل للأستاذة كريمة بما أثارته في منشورها من أفكار استدعت كل هذا الكلام الذي ارجو أن ينال الاهتمام:

شكرا على تنبيهنا لهذا التعبير الشعبي الجميل : “يارب طيّحني في اللي خير مني” … بمعنى: يارب اجعلني التقي بمن هو أفضل مني، تعبير شعبي آخر يختزن جانبا من خبرة المجتمع وهو يغادر مراحل التخلف حيث لغة الافتراس والعدوان ومنطق القوة والبطش، ولغة الجهل والإدعاء والغرور، ويرتقي في سلم الحضارة، يُرسي قوانين العرف الاجتماعي وميثاق الشرف غير المكتوب، يُراكم القيم الإنسانية والأخلاقية الرفيعة، ويجعلها نبراسا تستضيء به الأجيال وتتعلم منه.

ياربي طيحني في اللي خير مني… وعبارة “خير مني” هنا … لاتعني أنه أفضل مني مالا أو نفوذا أو جاها أو نسبا أو غير ذلك من أسباب التفاخر والادعاءات في عالم الفارغين والجهلة من الناس، بل أفضل مني سلوكا وخلقا وتعاملا وتواضعا وعلما ومعرفة إلخ، تعبير فيه اعتراف بالنقص الانساني، وبأن المرء ليس كاملا، وغير معصوم من الخطأ، وأنه في حالة تعلم مستمر، والإنسان لايتعلم فقط من الكتب والمدارس والجامعات، بل يتعلم قبل كل هذا من التجارب التي يعيشها، ومن البشر من حوله، فـ: لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنَّه قد علم فقد جهل.

ثمة تعبير شعبي آخر أراه لايقل أهمية، عن هذا التعبير الذي أوردته الأستاذة كريمة في منشورها، لفت نظري من زمان، ويقال عادة للتعبير عن الاعجاب بشخصية إنسانية ما تجعل المرء يكتشف قصوره ومثالبة، إذا ما ادعى يوما لنفسه واهما أنه امتلك الكمال الانساني، أو اقترب منه، يقول هذا التعبير الشعبي: “فلان… ايعيفك في نفسك”… أي أنه من خلال تعامله الراقي مع الآخرين يُشعرك بمميزات وسلوكيات إنسانية جميلة يمتلكها تحس في داخلك أنك تفتقر إليها، فتعجب به، وتعاف نفسك إذا تكتشف قصورها في مرآة خصاله الجميلة، أذكر أنني سمعت هذا التعبير الشعبي من سنوات طوية من احد اقاربي في معرض إشادته بسلوكيات طيبة يتسم بها أحد الأشخاص.

نحن بحاجة ماسة إلى التعرف على أمثال هؤلاء الناس الذين يمثلون القدوة في المجتمع، ومصدر إلهام لكل من يريد أن يتعلم، فيساعدنا هؤلاء من خلال الأفعال الطيبة والسلوك الجميل الذي يسلكونه على أن نصوّب من أخطائنا وأن ننتبه لعيوبنا ومثالبنا، وكأنهم المرآة التي تكشف تلك العيوب فنعمل على تلافيها والتخلص منها، ونحن نسعى لأن نقتدي بهم وبأفعالهم الجميلة وسلوكهم الراقي وليس من خلال المواعظ والارشادات والنصائح والأقوال التي يحلو للبعض أن يلوكها كلاما أو يتبجح بها خطبا دون أن ينتبه إلى أن أفعاله تتناقض مع سيل الخطب والنصائح والارشادات التي يمطر بها الآخرين.

وفي معرض التعابير الشعبية والأمثال الشعبية التي تُمجّد السلوكيات الإيجابية ، يعجبني أحد التعابير الشعبية الذي قد يكون أبعد بعض الشيء عن التعبيرين السابقيين يقول هذا التعبير: “العيب على زايد العقل” أي أن اللوم كل اللوم يقع على صاحب العقل الكبير، الذنب يقع على أصحاب العقول الراجحة، لم يضع التعبير الشعبي اللوم على الأكثر ثراءا أو الأكثر نفوذا أو جاها أو حتى الأكبر سنا أو الأكثر تقدما في العمر (فقد يكون المرء متقدما في سنه لكنه ضعيف العقل) أو ذاك الذي يحمل شهادات علمية اعلى، فقد يكون صاحب الشهادة الأعلى لم يتعلم استعمال عقله بصورة صحيحة، بل وضع التعبير الشعبي عبء المسؤولية على “زايد العقل”، أي على الأرجح عقلا، وهو من التعابير الشعبية العظيمة التي تُمجّد العقل وتنتصر للتفكير العقلاني، وتضع على أكتاف العقلاء في المجتمع مسؤوليات جسام، إذ عليهم دائما أن يتحملوا مسؤولية تصويب الأخطاء من حولهم التي يكون سببها عادة أصحاب العقول الصغيرة، وأن يترفعوا ويتساموا وألا ينساقوا إلى مايستدرجهم إليه أصحاب العقول الصغيرة حتى وإن كان هؤلاء أكبر سنا منهم أو أكثر مالا أوجاها أو نفوذا أوامتلاكا للشهادات العليا، فهم في نهاية ليسوا مذنبين في هذا، ربما لأنهم يفتقرون إلى القدرة على التمييز والتمحيص والوصول إلى الرأي السديد، لكن اللوم يقع على “زايد العقل”، على الأرجح عقلا، والذنب يقع دائما على أصحاب العقول الكبيرة، اللهم اجعلنا منهم، “واللهم ثبت علينا عقولنا” كما يقول تعبير شعبي آخر، في زمن يعصف بالعقل والمنطق، فالعقل أثمن مانملك في هذه الحياة، فهو سبيلنا إلى النجاة في زماننا هذا الذي بات فيه أكبر انتصار يُحققه المرء أن يحافظ على صفاء عقله واتزانه النفسي والعقلي.

مقالات ذات علاقة

عندما قتل القديس جورج التنين الليبي

غازي القبلاوي

عندما يحكم المثقف – مراجعة

رامز النويصري

الثورة فعل شمس ساطعة

مريم سلامة

اترك تعليق