المقالة

لماذا لا يكتب السياسيون الليبيون مذكراتهم؟

تأليف (الصورة: عن الشبكة)
تأليف (الصورة: عن الشبكة)

حضرت مساء الثلاثاء الماضي الموافق 7 مارس بمسرح القبة الفلكية بطرابلس، محاضرة للمحامي والناشط الحقوقي ونائب رئيس المؤتمر الوطني سابقا، الدكتور جمعة عتيقة، كان عنوانها: (من تجربتي في المؤتمر الوطني)، وجاءت ضمن النشاط الثقافي للجمعية الليبية للآداب والفنون.

تحدث د. عتيقة في محاضرته عن فترة عمله في المؤتمر الوطني عقب أول انتخابات في ليبيا بعد ثورة فبراير 2011 وكان ذلك في شهر يوليو 2012، واستلم هذا المؤتمر السلطة من المجلس الوطني الانتقالي في شهر أغسطس من نفس العام في أول عملية تسليم واستلام للسلطة تتم في ليبيا منذ سقوط نظام القذافي.

توقف د. عتيقة عند أهم ما صدر عن المؤتمر الوطني، حسب رأيه ورأي الكثيرين، وهما: قانون العزل السياسي، والقرار رقم 7 لسنة 2012، وقال أن هذين الإجراءين، القانون والقرار، أثارا الكثير من اللغط والجدل والنقاش.

ولن أتطرق إلى تفاصيل ما جاء في هذه المحاضرة فهي موجودة في تسجيل فيديو على صفحة الجمعية الليبية للآداب والفنون على الفيس بوك لمن يرغب في متابعة الموضوع، لكنني أريد أن أؤكد على أهمية هذه المحاضرة التي أتمنى على الدكتور جمعة أن يوثقها في كتاب يضم إليها ما سبق أن نشره من كتابات لها علاقة بسيرته الذاتية، وتناول فيها شخصيات سياسية عرفها، وجوانب مما عايشه في نشاطه الحقوقي والسياسي ولم يتطرق إليها في كتابه “في السجن والغربة “، فهو من السياسيين والحقوقيين القلائل الذين كتبوا مذكراتهم عقب فبراير 2011، ودعوا إلى ضرورة توثيق مثل هذه الشهادات والتجارب للشخصيات التي تولت مناصب عليا في البلاد، أو كانوا شهودا على مرحلة مهمة من تاريخ شعبنا، وهو ما أعاد التأكيد عليه د. عتيقة في هذه المحاضرة، مؤكدا على أن الحاجة ماسة إلى هذا النوع من الشهادات لأهميتها في حفظ الذاكرة السياسية وزيادة الوعي بتاريخ البلاد، عبر تسليط الضوء على مراحل يكتنفها الغموض من ذلك التاريخ. وللأسف مازالت مثل هذه الكتب قليلة العدد في المكتبة الليبية، والذين كتبوا مذكراتهم وسيرهم الذاتية ممن تولوا مناصب قيادية في بلادنا، عددهم قليل، هذا الأمر يشمل مسؤولي العهود السياسية الثلاثة: الملكي، وعهد حكم القذافي، وعهد فبراير، وإن كان العهد الملكي قد حظي، بصورة نسبية، بعدد أكبر من كتب السير والمذكرات، مقارنة بعهدي سبتمبر وفبراير، نذكر على سبيل المثال كتاب (صفحات مطوية من تاريخ ليبيا) لرئيس وزراء ليبيا الأسبق مصطفى بن حليم وكتاب (محطات من تاريخ ليبيا) لرئيس وزراء ليبيا الأسبق محمد عثمان الصيد، إضافة إلى كتاب (ذكريات وخواطر) لمصطفى السراج وزير التعليم ووزير الاقتصاد الأسبق، وكذلك كتاب (بين الإرادة والأمل) لوزير التخطيط الأسبق د. علي عتيقة وكتاب (ذكريات حياتي) لوهبي البوري وزير خارجية ليبيا الأسبق، وكتاب (شاهد على العصر الملكي الليبي) لبشير السني المنتصر وزير الدولة لشئون رئاسة مجلس الوزراء في حكومة عبد الحميد البكوش، بينما لانجد سوى كتاب واحد في عهد القذافي وهو كتاب (مذكرات عبدالسلام جلود، الملحمة)، وهو أحد أعضاء ما كان يعرف باسم (مجلس قيادة الثورة)، وقد علمت أن الأستاذ عبد الرحمن شلقم وزير خارجية ليبيا في عهد القذافي قد انتهى من كتابة مذكراته وسوف تصدر قريبا. وفي عهد فبراير أيضا لا نجد سوى كتاب واحد وهو (أسرار تحت قبة البرلمان) لعضو المؤتمر الوطني سابقا عبدالفتاح الشلوي، وإذا بحثنا عن المزيد من المذكرات والسير الذاتية لمن تولوا مناصب عليا خلال العهود السياسية الثلاثة، قد لا نظفر بالمزيد من العناوين، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه لماذا تبدو المكتبة الليبية فقيرة إلى هذا الحد في هذا النوع من الكتب؟ هل هو الخوف الذي يدفع الكاتب إلى الابتعاد عن الخوض في مثل هذه القضايا؟ رجال العهد الملكي الذين كانوا يعيشون داخل ليبيا، لم يكن بوسعهم أن يكتبوا مذكراتهم في عهد القذافي خوفا من بطشه، الوحيد من مسؤولي هذه المرحلة الذي أصدر مذكراته داخل ليبيا هو مصطفى السراج، مع ملاحظة أن بعض رجال العهد الملكي كانوا خارج البلاد مثل عبد الحميد البكوش، فلماذا لم يكتبوا مذكراتهم وقد كان في وسعهم أن يفعلوا دون أن يخشوا انتقام الدكتاتور؟

وما قلته عن مسؤولي العهد الملكي ينطبق على مسؤولي عهد القذافي، لماذا لا يحذو هؤلاء حذو عبد السلام جلود، وأقصد الذين شغلوا مناصب عليا في عهد القذافي، بدءا ممن لايزال حيا من أعضاء مجلس قيادة سبتمبر مثل عبد المنعم الهوني وعوض حمزة وبشير هوادي مرورا بالوزراء (أمناء اللجان الشعبية العامة بمصطلحات ذلك الوقت) والقيادات العليا في اللجان الثورية الذين كانوا شهودا على المرحلة وعادوا إلى البلاد، ورأينا بعضهم يعود إلى ممارسة عمله أستاذا جامعيا أو مسؤولا قياديا في الدولة الليبية، بل إن بعضهم يشارك في النشاطات الثقافية ويلقي المحاضرات العامة، والبعض الآخر يؤلف الكتب، ويكتب المقالات، لكن لا يبدو أنهم سيصدرون مذكراتهم أو حتى يلقوا محاضرات عن تجارهم حين كانوا يتولون مناصب عليا في ذلك العهد. هل هو الخوف من بطش مسؤولي فبراير والجماعات المسلحة تحديدا؟ أم الخوف من الجمهور العام؟ أم أن طموحات البعض منهم في المناصب تحول دون ذلك، خشية أن تساهم المذكرات التي سيكتبونها في رسم صورة سلبية عنهم لدى الجمهور؟ خاصة وأن بعضهم لم يتردد في أن يكون ضمن قائمة المترشحين للانتخابات الرئاسية، ويريدون أن يقدموا أنفسهم للناخبين دون أن يوضحوا للناس ما إذا كانوا مازالوا يؤمنون بالأفكار السياسية التي تبناها النظام السابق (خاصة تلك المعادية للأحزاب والانتخابات والديموقراطية البرلمانية) الذي كانوا جزءا منه، أم تخلوا عنها.

أدرك أن السير الذاتية والمذكرات السياسية غالبا ما تقدم شهادات متحيزة لأصحابها، فالكاتب من الصعب في عالمنا العربي أن يعترف بأخطاء ارتكبها، أو يكشف عن مواقف سلبية تمس أشخاصا، ما قد يؤدي إلى أن يجلب لنفسه أحقادا وربما يلحقه الضرر بشكل أو بآخر، وفي أضعف الحالات قد يجلب عليه البوح والاعتراف بأخطاء ارتكبها أثناء توليه المنصب السخرية والاستهزاء والتجريح الشخصي، فنحن كثيرا ما نشكو من غياب ثقافة الاعتراف والاعتذار ونردد: “الاعتراف بالذنب فضيلة” ولكن في واقع الحال “الاعتراف بالذنب فضيحة ” في مجتمعنا، وقد يجر الاعتراف على صاحبه أضرارا معنوية وأحيانا مادية.

ربما يحتاج الأمر إلى استقرار اجتماعي وسياسي تترسخ فيه سيادة القانون، ويتلاشى الإحساس بالخوف من النفوس، وفي جميع الأحوال فإن واقع الحال يقول أن المجتمعات تتعلم من تجاربها السابقة، وأن هذا النوع من المذكرات والسير الذاتية التي نتحدث عنها هي إحدى أدوات نقل تلك التجارب، وبالتالي هي تساهم في التقليل من تكرار الممارسات الخاطئة التي يتم الكشف عنها، وفي تحويل الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة عامة، وفي تعميم التجارب ووضعها أمام أعين الجميع ليتعلم منها من يريد أن يتعلم، وفي إنضاج الوعي بأهمية مثل هذه الشهادات التي كلما تعددت وتراكمت تعود الناس على استقبالها بصورة أكثر إيجابية، وساهمت في إزالة الغموض والتعتيم عن مراحل من تاريخ البلاد ما يساعد على فهم الحاضر والاستعداد للمستقبل بما يحمله من تحديات وفرص للنهوض والتقدم.


بوابة الوسط، الأحد 12 مارس 2023

مقالات ذات علاقة

ثقافة الصورة لا تتناقض مع ثقافة الكلمة

المشرف العام

دعوة إلى وزارة الثقافة.. تنظيم مهرجان القراءة للجميع بكل بلدية

مصطفى بديوي

أيدلوجية الوطن أم وطن الأيدلوجيات؟

أحمد معيوف

اترك تعليق