قصة

نظارة جدي

نظارة عمر المختار (الصورة: عن الشبكة)
نظارة عمر المختار (الصورة: عن الشبكة)

بين أزقة الشوارع العتيقة، تختبئ المشاعر تختبئ الاحلام، وتختبئ قصص الامس في ظل أغصان الدوح المتشابكة، تخبئ الطيور، صغارها تهمس للأوراق بأسرار العابرين الذين رحلوا إلى الأبد، وبقيت حكاياتهم عالقة نتذكرها في كل همسة، وفي كل دقة من دقات قلوبنا نمضي في تلك الشوارع وخطواتنا بطيئة مثقلة بهموم هذا العالم.

وفي لحظة ما من الزمن، وقف ذلك الشيخ يتأمل تلك المباني العتيقة التي تعني له الكثير، عمره وتاريخه وتاريخ آبائه وأجداده. دمعت عيناه، أشعل سيجارة واسترسل في ذكرياته، هزه من يده ذلك الطفل الذي يمسك بيده متسائلاً: ما بك يا جدي؟

نظر إليه نظرة ثاقبة عميقة وأجابه:

– عندما تكبر وتكون حياتك عبارة عن مسرح من الاحداث، ستعرف ما بي، ستسأل نفسك هذا السؤال أو يسألك طفل آخر صغير، حين إذ ستعرف بأن الإجابة هي إجابة كل زمن، لم تتغير بل يتغير الأشخاص والازمنة وخارطة المكان وتاهت القصص في الشوارع المكتظة ليقف غيرنا متفرجاً مستغرباً من هول الاحداث. ونبقى نحن ننظر إليهم ونعرف الإجابة ولا نجيب.. لأن كل شيء يتكرر لدرجة الملل، حتى الاسئلة والاجوبة.

صحيح أن الحكايات مختلفة، ولكنها تشبه بعضها، وتتحدث عن أشخاص وتجسد تلك الشخصيات الطيبة والمتعجرفة.

قال الصغير: جدي .. جدي نسيت شيئا؟

رد الجد: ما هو؟

ناوله تلك المنسأة التي كان يتوكأ عليها، وقال لحفيده شكرا لك ولكن يا بني المنسأة الحقيقية هي تلك الشوارع وتاريخها وحضاراتها وعاداتها وتقاليدها. لم يعد ذلك العبق وتلك الشجون ودفء الحارات الحانية موجود في زمنكم هذا عصر الانترنت والتكنلوجيا عصر السرعة كما تسمونه!

 ترك يد الصغير واتجه صوب المسجد، خبأ الصغير نظارة جده ليستعيد يوما ما مجد أجداده، ويقرأ القرآن ويحمل البندقية ويدافع عن الوطن من أجل جده. فجده سيكون سعيداً حين يصبح رجلاً يحتفظ بكرامته، لا متملقا ينسيه البهرج تلك الشوارع العتيقة وعبق الحارات الحانية.

مقالات ذات علاقة

تلك المنّظومة في تساؤلها

البانوسي بن عثمان

سفر بلا تذاكر

فهيمة الشريف

البالونة الكحلة

آمال العيادي

اترك تعليق