طيوب عربية

الكشف عن مكنونات الثقافة المخفية ما بين السطور

“المعنى والظل.. في الأدب والفنون والمعرفة” لجمال حيدر

عبد السلام الزغيبي

كتاب "المعنى والظل... في الأدب والفنون والمعرفة" لجمال حيدر
كتاب “المعنى والظل… في الأدب والفنون والمعرفة” لجمال حيدر

اهداني الزميل الكاتب جمال حيدر المقيم في لندن منذ سنوات طويلة، كتابه المعنون: “المعنى والظل… في الأدب والفنون والمعرفة” الصادر عن مؤسسة “أروقة للدراسات والترجمة والنشر” في القاهرة.

  يتضمن الكتاب أربعة محاور، جاءت تحت العناوين التالية: “نصوص، معرفة، قراءة، ورؤية” وتتوزع مواد الكتاب تحت تلك المحاور في رحلة شيقة للوصول إلى لب الموضوع٬ وهي عبارة عن رؤى وتحليلات لعدد مهم من الأعمال والشخصيات والأحداث الثقافية العربية والأجنبية، التي تشكل منعطفاً مهماً أو أحدثت صدى عالمياً واسعاً.

يدوّن الكاتب في مقدمة كتابه: “مواد هذا الكتاب يمكن اعتبارها سجلاً لأحداث ثقافية شهدتها عدد من مدن وعواصم خلال مسار زمني باعتبارها فواصل متميزة في أحوال الثقافة، نشر أغلبها في الصحافة العربية ضمن ملفاتها الثقافية، وتم انتقاؤها من أرشيف كبير، جمعته خلال مسار مهني من مغامرة الكتابة”.

 في المحور الأول “نصوص” تتوزع العناوين التالية: “الصيف الأخير.. كتابي الأول، “افتح بوابات متاهتي”، “تشبث باللحظة يا ناجي.. لا تغادرنا”، “زهور حسين… شجن عراقي شفيف”. وفي محور “معرفة” تتوزع العناوين التالية: “اعتراف شاعر”٬ “لمحة سريعة عن الثقافة الإنكليزية” ٬ “الثقافة أولاً… الثقافة أخيراً” وجيل “البيت” الأميركي”.

وفي المحور الثالث “قراءة” تأتي العناوين التالية: “كيف ولجت (آيات شيطانية) في حياتنا؟”، “جان جينيه.. العاشق المنبوذ” ٬ (البؤساء)… رواية عن الفقراء مولها أغنياء”، “جون بيرجر…

فطنة الوعي”، “نيكوس كازانتزاكيس… المبدع الذي لا يساوم”. أما المحور الرابع والأخير، فجاء بعنوان “رؤية”، وحمل جملة عناوين منها: “نصب الحرية… موقظ أحداث العراق من سباتها، “بيكاسو… غورنيكا على امتداد الحياة”.

مفتتح الكتاب تحت عنوان: ” الصيف الاخير.. كتابي الأول” يكتب حيدر:” مثّل كتاب” ألف ليلة وليلة” مفتتح طريقي للقراءة، في بيت خالتي التي اقترنت برجل من مدينة كركوك، ذات الغالبية التركمانية، كتاب منزوع الصفحات الأولى والأخيرة، ويغلب اللون الأصفر على صفحاته المتبقية. سرقني الكتاب من عالم القراءات الهزيلة، ومدّني بطاقة سحرية على التخيل في بيت كبير وفاض تماما، وشكل لديّ أول القيم عن الخير والشر، الحب والمقت، والجمال والقباحة”.

وفي نفس المحور وتحت عنوان “تشبث باللحظة يا ناجي.. لا تغادرنا” يصف الكاتب النهاية المؤسفة لفنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي: “بعد انتصاف النهار بسويعات، احتسى فنجانه الأخير، وتزين بغصن زيتون، أعد الخطى، واحدة.. اثنتين، صوب كل الاحتمالات، وحين دوت الرصاصة هوى ناجي لكنه سرعان ما أفاق من غفوته، وتأمل مساحات الدهر وقف طويلاً أمام واجهات المتاجر، أسدل جفنيه ليستعيد بصره. ثوان لا تكاد الذاكرة حصرها خلفت فاجعة أصابت الحروف والأشكال والألوان والأصدقاء والأحلام.

وتحت عنوان “زهور حسين… شجن عراقي شفيف” يكتب جمال حيدر: “كم من العقود سجل الزمان غياب المغنية التي رحلت مخلفة وراءها قمراً باكياً في ليل عراقي حزين. رحلت باكراً٬ وكأنها تحسست المرارة الآتية، أغلقت جفنيها وتوجست العتمة التي ستلف العراق من مداه إلى مداه. غابت بعدما أودعت قصائد العشق واللوعة في وجداننا. زهور حسين… غيمة صيف فوق قناديلنا، نبضة قلب تخفق في سماء تجاربنا الأليفة، عتاب شفيف يمسد أعوام غيابنا.

زهور حسين ماريا كالاس العراقيين، أو فيروزتهم، تنحدر دموعهم وترقرق في الأحداق حين ينكأ صوتها جراحهم٬ ويقص عليهم حكايتهم، يذرفون الدموع كأنهم يتلمسون تلك الحكايا… حكايتهم لأول مرة.

جمعت زهور العراقيين حين فرقتهم الأشياء المضببة.. وما أكثرها، لملمت أحزانهم ونقشتها فوق أرصفة الانتظار. أبكتهم كأنها كانت ترى نهايتهم القريبة٬ تلك النهاية التي ظلت ساكنة في الصدور”.

في المحور الثاني “معرفة” وتحت عنوان “اعتراف شاعر” رصد حيدر، مسيرة وتجربة الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس (1909- 1990) الذي ارتبط معه بعلاقة وثيقة، وقام بترجمة مجلدات من أعماله الكاملة. حول هذا الشأن كتب حيدر: “يانيس ريتسوس أكثر شعراء اليونان المعاصرين سطوعاً، شكّل الشعر لديه فعلاً حياتياً يومياً، لذا فلا غرابة أن يكون من أغزر شعراء القرن الماضي، مكثفاً الكتابة وموسعاً مداها، لتشمل التفاصيل اليومية المهملة التي أقام عليها فضائه الشعريّ الواسع”.

في نفس المحور يقدم لنا الكاتب لمحة سريعة عن الثقافة الإنكليزية: الرواية والشعر “تعتبر الرواية الإنكليزية هي الأفضل تاريخياً على صعيد الأدب العالمي، إذ يعتبر الأدب الإنكليزي من أقدم أنواع الآداب في الغرب وأفضلها. وشهد على مدى مساره تطوراً وازدهاراً، خاصة في الرواية، وقد تركت الكثير من الروايات بصمة شاخصة لا يمكن إغفالها على مدى التاريخ.

على صعيد الشعر ثمة خصائص تميز الشعر البريطاني، وبشكل خاص النزعة الواقعية في مختلف مسار مراحله، حيث الاهتمام بمطلق الإنسان وعالمه الحسي وطبيعته الملموسة ومكانه وشروط وجوده في هذا العالم، انطلاقا من الخاص إلى العام، وليس العكس، كما في الفلسفة، وهي خاصية أخرى تميزه عن الشعر الفرنسي الحديث المهتم عموما بالذهني والمجرد أكثر من اهتمامه بالحسي والملموس ابتداء من الشعراء البرناسيين ولغاية الآن.

وتحت عنوان “الثقافة أولاً.. الثقافة أخيراً” يبرز دور الثقافة والمثقفين العراقيين في مقارعة الدكتاتورية: “لم أجد أفضل تعريف للثقافة سوى إنها كل ما يبقى. فهي التي تعيد تركيب الحياة من جديد ضمن ذائقة جمالية ومعرفية عالية. ولعل التغيير الذي عم العراق، ساهم المثقفون، بصورة أو بأخرى في انضاجه من خلال نتاجاتهم ودماء قلوبهم لتعرية سياسة نظام قمعي كان يضع سبابته على الزناد لتصفية كل خصومه، حين كان قوياً ويملك أرصدة الدعم العربية والدولية قبل تكبيله بعقوبات اقتصادية”.

وسلط جمال حيدر الضوء في موضوع بعنوان جيل “البيت” الأميركي” عن الأدب المعاصر وجيل الستينات الأمريكي، إذ يكتب: “لم يعرف تاريخ الأدب المعاصر، جيلاً مثيراً للجدل مثل جيل الستينات الأميركي، الهيبي الفكر والتصور، الذي تمخضت عنه الحداثة الغربية، ويتمحور ضمن هذا الجيل حركة” البيت” تحديداً، التي فرضت عناصر تجديدها على مساحة الثقافة الاميركية، من خلال تفكير

مغاير على صعيد الثقافة والفن والفكر والأدب، تحدث موجة جديدة في الوعي السياسي والاجتماعي لدى شرائح واسعة من الاميركيين، خاصة الشباب، أذ أشعل جيل “البيت” النيران في عقول الكثير من خلال التساؤل حول جدوى الثقافة في التعبير من خلال الشعر، وأنواع أدبية أخرى.

البيت تعني الايقاع أو النبض، المصطلح الذي استخدمه جاك كيرواك للمرة الأولى عام 1948 في حوار مع “جون كولن هولمس” لوصف حلقة من أصدقائه من الشعراء والكتّاب الشباب الذين ظهروا في عقد الخمسينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة الاميركية، وقد جمعتهم الكثير من الأواصر بدءا من الثقافة مروراً بالاحتجاج، وصولاً إلى رؤى فكرية مشتركة.

في المحور الثالث من الكتاب، نطالع قراءات تحليلية معمقة لرواية ” آيات شيطانية” لسلمان رشدي الكاتب البريطاني من أصل هندي، ورواية البؤساء، وسيرة حياة العاشق المنبوذ، الروائي جان جينيه، وتناول مأساة الشاعرة سيلفيا بلاث وعلاقتها مع زوجها الشاعر تيد هيوز، والمسيرة الشعرية والفنية للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، والوجه الآخر للروائية الإنكليزية “جين أوستن”، والكاتب متعدد المواهب، جون بيرجر.. فطنة الوعي، والمبدع الذي لا يساوم ..نيكوس كازانتزاكيس..

ومن هذا المحور اختار ما كتبه جمال حيدر عن كاتب اليونان العظيم كازانتزاكيس: “في رحلة صيفية.. وعلى جزيرة إغريقية، برفقة الصديق المخرج قاسم حول، قرأت رواية “تقرير إلى غريكو”.

لم أستطع مقاومة سحر الرواية، رغم انفعالات الكاتب الطافحة بين السطور، تمنيت أن أواصل القراءة على مدى مساحة زمنية طويلة٬ كنت أخشى أن تعلن الرواية خاتمتها وتغيب عني تلك الأرواح والصرخات التي تركها الكاتب بعدما أيقظ ذاكرتها ونفخ فيها الروح.

كتابات كازنتزاكيس بلورت ذائقتي وقادتني نحو حس التصوف والولوج عميقا نحو دواخل الإنسان وكينونته٬ وعززت في داخلي روح التحدي.. تحدي قوى الظلام والاستغلال بعدما منحتني المعنى الحقيقي لهذا التحدي وأضاءت في داخلي الارتقاء الروحي.

يضيف حيدر في مقطع آخر في ذات المقال: “تعرفت على كازنتزاكيس من خلال الترجمات العربية لرواياته: زوربا، المسيح يصلب من جديد، الإغواء الأخير للمسيح، الأخوة الأعداء. غير أن أعماله تمتد لغاية ثلاثين وتتوزع بين الشعر والترجمة وأدب الرحلات والتاريخ والنقد والسيرة الذاتية.

يمثل كازانتزاكيس ظاهرة متميزة في تاريخ الأدب اليوناني، القديم والمعاصر، ما يفسر سر شيوع شهرته في جهات الأرض، والاهتمام الكبير بأعماله لغاية الحاضر الماثل، وتجتاز حدود اللغة اليونانية ومحليتها الضيقة.

أما المحور الرابع والأخير من كتاب “المعنى والظل” فجاء بعنوان: «رؤية» وحمل جملة عناوين منها: «نصب الحرية… موقظ أحداث العراق من سباتها، «بيكاسو… غورنيكا على امتداد الحي.

في نص نصب الحرية، كتب جمال حيدر: “ملحمتان متميزتان في مسار العراق: ملحمة كلكامش، ونصب الحرية لجواد سليم.. نصب يملأ المكان والقلب، ويعيد لعقد الستينات بهاءه وينتشله من ركام السنين.. ذلك التوق الخفي للانعتاق. إنه العمل المحور الأكثر أهمية بالنسبة لنتاجات الفنان٬ والبؤرة الأكثر اشعاعاً في حياته الفنية القصيرة. يروي النصب حكاية مسيرة الإنسان نحو الحرية وعلاقتها بالطبيعة مستفيداً من النحت السومري القديم مع لمسات حداثية.

الكتاب وما احتواه من مقالات مختارة بعناية، يستحق القراءة والتمعن والبحث، للكشف عن مكنوناته المخفية ما بين السطور، للفوز بالثمرة كاملة وناضجة، تسر القارئ النهم لكل جديد ومفيد. 

مقالات ذات علاقة

آخر الشتاء

مريم الشكيلية (سلطنة عمان)

هواجس ما بعد الكتابة في رواية “مأساة كاتب القصة القصيرة”

فراس حج محمد (فلسطين)

أحضان الليل نبض التمائم

بادر سيف (الجزائر)

اترك تعليق