المقالة

النقد.. وتشريح الجسد

الأديب خليفة التليسي.
الأديب خليفة التليسي. | الصورة: عن الشبكة.

بعد كتاب Anatomy of Criticism تشريح النقد 1957 للكندي نورثرب فراي.. تحولت مهمة النقد، إلى علم تشريح فصار النص الأدبي جسماً حياً تُشرّح أعضاءه ووظائفه لنعرف كقراء كيف تعمل فينا بلاغته أو بالأحرى شعريته، وهو ما طورته بعد عقد الخمسينيات من القرن الـ 20 في أوروبا وأميركا المدارس الشكلانية وبعدها البنيوية والتفكيكية والعلامية والتلقيّة.

المحاولة اليتيمة شبه المكتملة في النقد الأدبي الليبي اجترحها الكاتب خليفة التليسي في كتابه “رفيق شاعر الوطن” مستلهماً عبر الكاتب محمود عباس العقاد ورفيقه إبراهيم المازني في النقد روح الرومانتيكية الإنجليزية، المتمثلة في نظرية كولردج في الخيال وقوة المخيلة التي سقط من كفة ميزانها شعر رفيق المهدوي كما شعر احمد شوقي في كتاب العقاد “الديوان” مع الفارق جسداً هزيلاً سقيما لا تعمل وظائفه بالشكل المؤثر يُرهص لنصوص حديثة تأتي بعده.

وعدا “رفيق” التليسي، وكتابه الثاني في النقد الأدبي الليبي “رحلة عبر الكلمات“بمقاليه الصاخبين “هل لدينا شعراء، و“الشعر وقطعة الخيش” الذين بما أثاراه من سخط التقليديين الليبيين على التليسي شكّل ما يشبه التابو إزاء المبادرة بنقد الأدب الليبي الذي ركن إلى دراسات أكاديمية وأعني الأطروحات المبكرة لعبدالمولى البغدادي “الشعر الليبي الحديث، مذاهبه وأهدافه“، والصيد أبوديب “المدرسة الكلاسيكية في الشعر الليبي“، وفوزية بريون “القصة القصيرة في ليبيا: نشأتها وتطورها“.

هذه الأطروحات التي نصفها تجاوزاً بالأكاديمية والتي تتناسل وتنمو في مند ستينيات القرن الـ 20 إلى اليوم في الجامعات الليبية العديدة كالفطر.. استعاضت عن سؤال النقد بإجابة التأريخ والتصنيف الموضوعاتي، فمنجزيها ليسوا نقاداً والدليل انعدام إسهامهم في الحركة النقدية غير الموجودة أصلاً فور استحقاقهم الشهادات العلمية، التي رغبوا في الحصول عليها وبالشكل التي هي عليه أنجزوها.

لقد ترك التليسي بانسحابه النقدي الساحة فارغة، وتفرّغ بثقافته النقدية التي استلهمها وتمرّس فيها بقراءاته في الآداب العالمية وفي الإيطالية لمؤلفات بينيديتو كروتشه في النقد والجمالية التي ألهمت التليسي موضوعية النظرة في التاريخ الليبي بإحالته لقراءة كتابات الفيلسوف والمؤرخ الإيطالي جامباتستا ڤيكو الدي نظرّ “للعلم الجديد في التاريخ“ في كتابه الجليل.

كل الكتاب وأغلبهم قاصّون الذين مارسوا شعوراً بالحاجة الماسة نقداً أدبيا، عازتهم ثقافة التليسي في الآداب الأوروبية، فركنوا في كتاباتهم إلى المؤلفات العربية المشرقية التي هي استنساخ غير أصيل من اللغتين الفرنسية والإنجليزية أو عن الترجمة العربية منهما.. فكانت نقودهم ذاتية انطباعية عازتها الروح الموضوعية واللمحة الفلسفية الجمالية.

مند ثلاثة عقود وأزيد تتراكم في أرفف المكتبات الليبية دواوين شعر ومجموعات قصصية وروايات وأنماطٌ أخرى من الكتابة وتسيل واد غير دي زرع. وليس هناك ناقد أو بالأحرى محلل بأدوات المشرّح العلمي Anatom يشتغل عليها، ويبين بتحليله واستبصاره المنهجي اللماح لقرائها إن وُجدوا كيف انكتبت، وكيف تعمل لكي تؤثر وتنتج ثقافة مجتمعية ليبية تتجاوز بليبيا محنتها التاريخية التي هي في قلبها اليوم.

مقالات ذات علاقة

الحوار ودوره في الثقافة

امراجع السحاتي

“الشخصية الليبية” ودفاعات التكيف ــ 1

سالم العوكلي

قطرة عطر.. في بحر الشعر

أسماء الأسطى

اترك تعليق