المقالة

بحر الفقيه.. لا ماء فيه

الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه.
الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه. الصورة: عن الشبكة.

تفاجأ أستاذ التاريخ الجامعي/ سالم الشيباني، عندما سأل كاتب القصة أحمد ابراهيم الفقيه.. فأجابه بأنه نشأ في بلدة “مزدة” النائية عن العاصمة وإنه قدم لمدينة طرابلس بعد اجتيازه الابتدائية ومكث فيها سنوات شبابه دراسة وإقامة في معهد هايتي للحصول عام 1960على شهادة متوسطة في السكرتيريا والطباعة بدورات نظمتها اليونسكو بعد الاستقلال الليبي…

وكان الشيباني يعتقد أن الفقيه -كغيره من كتاب القصة الستينية الليبية- ولد في بيئة مجتمعية زاخرة تنبت فيها مخيّلة القصص كالعاصمة طرابلس أو في المدينة الساحلية الثانية في الشرق الليبي بنغازي.

طفولة وصبي الفقيه في مزدة، وشبابه، المحصور في المبيت الداخلي بمعهد هايتي التجاري المتوسط، هما ما أفقداه المخيلة المجتمعية لجيل الستينات القصصي الليبي من أول عنقوده كامل المقهور إلى تكملة الدالية ببشير الهاشمي ويوسف الشريف وخليفة التكبالي وخليفة حسين مصطفى في طرابلس ومحمد علي الشويهدي في بنغازي.

من “حصاد الذاكرة” يكتب الفقيه ليؤكد لنا هذه الحقيقة: لم يكن أحد من أهلنا في القرية “قنطرار” بمزدة التي عرفت طفولتنا قد اعترف صراحةً أمامنا بأنه شاهد الغولة، ومع ذلك فإن كلامهم لنا كان يمتلئ بالتحذير منها.. كائن خرافي أسطوري، لا وجود له إلا في أذهاننا التي عبأتها تلك التربية بالغيلان، ندرك على وجه اليقين أنه ليست هناك غولة في الدنيا ولكن شيئًا في نفوسنا يأبى التصديق، لقد التصق ذلك الكلام بعقلنا الباطن وصار جزءًا من تكويننا النفسي.

البحر الذي لا ماء فيه قصص مجموعته الأولى “البحر لا ماء فيه” تبحر بك في سراب يهيمن فيه الرمل فمن “حصاد الذاكرة” يسترسل الفقيه فيقول: كنا في قريتنا لا نأكل شيئًا إلا وهو ممزوج بالتراب، فقد كانت رياح “القبلي” التي تهبُّ من الصحراء محملةً بالرمال والأتربة لا تعرف هدنة إلا خلال أشهر الشتاء التي تمنحنا عطاءً كريمًا للرياح المقبلة من جهة البحر، كي تجلدنا بسياط منقوعة في الملح، ولم يكن هذا الشيء الذي نأكله موائد غنية متنوعة يتأسف الإنسان إذا مسَّها التراب، إنه إن لم تكن بعض الحشائش والأعشاب وحبات البلح المجفف، فهو كسرة خبز مما نطهيه على كوانين النار“.

الغول الذي يصارع أشباحاً لا وجود لها، والطاحونة التي تطحن الملل في قرية خارجة عن الزمن، والجراد الدي يلتهمه بعد شيّه بالنار نفرٌ من القرويين البدو، حيث لم يجد ما يلتهمه في بلداتهم التي يلتهمها الجفاف، والرماد الدي حقوله ألغام تخلفت عن حرب أتت على قليل الأخضر وكثير اليابس.. وغيرها من قصص مجموعة “البحر لا ماء فيه” لم تشد انتباه لا ناقد ولا قارئ من المدينة التي قرأوا قصص أزقتها الضيقة بالكدح والحب ـ بعنوان الكاتب بشير الهاشمي ـ زخم “الناس والدنيا“.

القصة الواقعية، ببعد الوطنية الليبية الخمسينية ـالستينية، هي كتابة تجربة لم يعشها الكاتب الفقيه في ليبيا، فحزم رباط مقعد طائرة ليعيشها تجربة وهمية في لندن مبتعثا في دورة تأهيل مسرحي، فكتب بعض قصصها في مجموعته الثانية “أربطوا احزمة المقاعد”. ولكي يدفع عنه غرابة سلوكه كاتباً إزاء رفاقه كتاب القصة الليبية الستينية ذات المضمون المجتمعي المكتوبة بجماليات ورشاقة وحيوية لازالت تشد اهتمام قراءتنا لها. تعلل في رّدة فعل متطرفة بأن: “للكاتب والفنان الحق في اختيار تجاربه الإنسانية خارج وطنه الصغير“.

الكاتب بشير الهاشمي، الذي تحمل وقتها مسؤولية الدفاعية النقدية عن القصة الليبية الستينية مضمونا وأسلوباً، رّد على رأي الكاتب أحمد ابراهيم الفقيه: ”في بلادنا وفي مرحلتنا البنائية هذه ما أحوجنا الى التركيز والتحديد في كل محاولاتنا الى تأكيد مقوماتنا الوطنية، وإلى استكشاف منابعها ورصدها وتعميق مدلولها الإنساني الذي مازال ارضاً رحباً بحاجة الى زهرة نغرسها، ولمحة نرسمها ونغمة نرددها ـ وهو لا يعتقد بأن الفقيه يخالفه رأيه ـ بأننا ككتاب قصة انتهينا من رصد خصائصنا الفكرية الوطنية لأننا لم نبدأ بها ومازلنا جميعنا في طريق المحاولة البكر“.

مقالات ذات علاقة

نضحك مع إللي جفاني.. مصافحة إلى أحمد النويري

المشرف العام

أدونيس … الشعرية العربية

المشرف العام

أين ليبيا التي عرفت؟ (28)

المشرف العام

اترك تعليق