قصة

قرطاس رياضي …

سجائر الرياضي (الصورة: عن الشبكة)
سجائر الرياضي (الصورة: عن الشبكة)

لم نكن نحب الجلوس في المقاعد الخلفية في الفصل، كنا نتزاحم نحن المجتهدات في الدراسة ليكون مكاننا الأقرب الى السبورة ونظر المعلمين، إلا (مريم) فقد اختارت المقعد المجاور للنافذة في أخر الفصل، رافقتني (مريم) ثلاث سنوات دراسة وكنا دائمًا يجمعنا فصل واحد، كانت متناقضة ومختلفة تبهرنا دائمًا برشاقتها وخاصة في حصة الرياضة وهي تمارس (الجمباز) وتقفز في الفضاء مثل (الباليرينا) وكأنها قد تدربت على يد مدرب عالمي. لم تقل (مريم) كيف تعلمت كل ذلك لكنها كانت تقول لي دائمًا إنها تتمنى ان تشارك يومًا ما في بطولات دولية، ولم تكن تجيد ذلك فقط فقد كنت أذهب إليها لأشاهد ما رسمته بقلم الرصاص على طاولتها حتى أصبحت وكأنها لوحة فنية.

كانت (مريم) سمراء، ذات عينين عسليتين، وابتسامة ساحرة، لها شعر مجعد منكوش لونت خصلاته باللون الأصفر النحاسي تحاول أن تحشره في ضفيرة واحدة خلف رأسها حتى لا تسمع صوت المديرة وهي تصرخ بها (لمي شعرك ولا نقصه لكِ)، لكنها عندما تدخل إلى الفصل تفك ضفيرتها وتقلد لنا (بوب مارلي ) وهو يغني ( No woman No cry).

ذات يوم استأذنت لأذهب الى الحمام، وجدتها هناك وقد جلست على الأرض واسندت ظهرها على الحائط، وضعت الى جانبها علبة (سجائر رياضي) ذات اللونين الاحمر والأزرق المحلية الصنع، كنت أراها دائمًا تحت مخدة أخي عندما أنظف له غرفته، وبين أصابعها سيجارة تنفث من بين شفتيها سحابة من الدخان، شعرت بالخوف عندما وجدتها تدخن، فقد كنت أعتقد أن الأولاد فقط هم من يدخنون ويستخدمون الحمامات لذلك استدرت عائدة ولكنها استوقفتني وهي تمد لي علبة السجائر وتقول لي:

– جربي؛ الحياة تجارب!!

ابتسمت ابتسامة صفراء ووضعت يدي على فمي وخرجت مسرعة وأنا أسمع ضحكاتها الساخرة مني ….

بعد يوم من تلك الحادثة دخلت مديرة المدرسة الى فصلنا وقد ظهر الغضب على وجهها واتجهت مباشرة إلى مقعدها:

– افتحي حقيبتك واخرجي كل ما فيها!!

كاد قلبي يقفز من الخوف وأنا أرها تضع حقيبتها على الطاولة وهي غير مبالية وتسكب محتوياتها كلها وقد سقطت علبة الثقاب عند قدميها، وبعد أن وجدت المديرة ما تبحث عنه؛ طلبت منها أن تخرج أمامها الى الإدارة، لملمت ما تبعثر من كتبها وضعتها في حقيبتها، وهي في طريقها إلى الباب نظرت إلي بعتاب وقد امتلأت عيناها بالدموع، خفت أن تظن بأني من وشى بها، لكن لم استطع أن أقول لها شيئًا، والتزمت الصمت، وبعد انتهاء حصة الاستراحة وعند تجمعنا في ساحة المدرسة، كنت أتبع خطوات المديرة وهي تأتي نحونا وكانت خلفها مريم مطأطأة الرأس تجر رجليها، وقد أوقفتها تحت سارية العلم.

رفعت المديرة علبة السجائر وأعواد الثقاب في وجوهنا ونظرت اليها وهي تقول:

– من العار أن يكون في مدرستي من يفعل هذه الأشياء؛ وقبل أن تكمل كلامها كانت (مريم) قد سقطت أرضًا مغشيًا عليها.

عندما عدت إلى البيت كنت أنتظر الغد بفارغ الصبر حتى أخبرها أني لم أشِ بها لأحد، ولكن كانت المفاجأة عندما علمت أنه قد تم فصلها من المدرسة، ولم يغفر لها اجتهادها في دراستها ومشاركتها في المسابقات وحصولها على جوائز، وحده (قرطاس رياضي) قضى على مستقبلها.

لم أرها مرة أخرى رغم محاولتي الاتصال بها، حتى أبرئ نفسي من ذنب لم أرتكبه …..

ذات صيف عندما كنت جالسة في عيادة للأسنان أنتظر دوري، جلست بجانبي سيدة بدينة تلبس جلباباً أسود فضفاض، وقد أسدلت على وجهها قطعة سوداء لا تظهر منها سوى عينين عسليتين، مالت علي وقالت بصوت مألوف لدي:

— هل عرفتني؟؟

قالت ذلك ورفعت الغطاء عن وجهها الذي تغير وكشفت ابتسامتها عن فقدان بعض أسنانها؛ فتحت حقيبة كبيرة وناولتني بطاقة صغيرة عليها رقم هاتفها وطبع عليها:

(الشيخة مريم لفك السحر وابطال العين).


قرطاس رياضي…نوع من السجائر

باليرينا.. راقصة بالية

مقالات ذات علاقة

حوش اليتريك

عزة المقهور

موعد في مرسيليا

المشرف العام

خنفر

حسين بن قرين درمشاكي

اترك تعليق