النقد

قراءة في رواية (ربيع الكورونا)

آسيا عياد الشقروني

رواية ربيع الكورونا للدكاور أحمد رشراش

رواية “ربيع الكورونا” هي رواية لـ أ.د أحمد رشراش، الأستاذ الجامعي المتحصل على إجازة الدكتوراة في اللغة العربية…

سبق وأن صدرت له مجموعة كتب في مجال اللغة العربية، وهذه أول رواية له، وإن صرّح في موقع بلد الطيوب بأن هذه الرواية ليست تجربته الأولى مع الكتابة، وبما أن رواية ربيع الكورونا هي أول رواية بين أيدينا إذن جاز لنا القول إنها روايته الأولى.

> عنوان الرواية

 الكاتب اختار للرواية هذا الاسم، ربما تيمناً بالتسمية التي أعقبت الثورات العربية حيث أطُلق عليها الربيع العربي، ومن المعروف أن الربيع يأتي ليزيح برد الشتاء وقسوته ليحل الدفء والجمال، وهنا عندما أسقط الكاتب تعبير ربيع الكورونا، فنحن نفهم ضمناً أنه حتى بوجود هذا الوباء ومع كل الحزن والانقباض لابد أن هناك ربيع قادم.

> غلاف الرواية

الغلاف جاء باللون الاخضر تعبيراً عن الربيع موضوع الرواية، الربيع بمعناه الضمني والصريح، ففي الصدارة مجموعة أزهار التوليب الموسمية ذات العمر القصير وربما هي رمزية لأن الربيع والإزهار موسم قصير، والصورة الأبعد لأشجار معمرة ومنها دلالة على ديمومة المشاعر الانسانية. ودُمج مع الصورتين جزء من كمامة طبية إشارة لما يمر به الناس من طرق الوقاية ضد الكورونا. وبشكل طفيف جداً دُمجت صورة للفيروس. الصور المدمجة في الغلاف جاءت معبرة جداً عن المحتوى الذي تعالجه الرواية.

> ملخص الرواية

راوية ربيع الكورونا هي رواية تجري أحداثها ما بين شهري فبراير وسبتمبر 2020م أي أنها حديثة من حيث وقائعها الزمنية. وظلت الرواية لصوت الشخصية الرئيسية عُمر حيث يكون المشهد الأول وهو في قاعة في شنغهاي الصين يستعد لمناقشة رسالة الماجستير وينجح فيها، يقرر بعدها أن يبقى عدة ايام للراحة بعد مجهود الدراسة، ثم يضطر بعد ظهور فيروس الكوفيد 19 للعودة لأسرته الليبية المقيمة في تونس من بداية الثورة عام 2011.

في المطار يتعرف بالصدفة على فتاتين “ألفة” و”سنية” تشده إحداهما منذ النظرة الأولى ويكتشف أن الفتاتين عائدتان معه على نفس الطائرة إلى تونس بلدهما الأم، بعد ما أنهيا مهمة صحفية، لتبدأ قصة حب بينه وبين “ألفة”.

بعد عودتهم يصابوا جميعاً بالفيروس ليتم عزلهم، تموت “سُنية” ويتعافى كل من “عمر” و”ألفة”، وتتطور علاقاتهما وتخبره عن خطيبها “نوفل”، وهذه العلاقة لم تعجب الأخير فيوجه تهديده لعُمر إن لم يتخلى عن ألفة.

قبل أيام من عيد ميلاد ألفة يسمع عمر بخبر وفاة ابن عمه في طرابلس يضطر أسفاً للسفر لحضور المأتم، بعد المأتم يتم خطف ابن عم أخر ويطلب الخاطفون فدية، يجمعها العم ويرجع قريبه المخطوف، إثر حادثة الخطف يقرر الرجوع لتونس ليلتقي ألفة التي تدعوه للمشاركة في أمسية شعرية.

 لم ينفع التهديد مع عُمر من قبل نوفل خطيب ألفة، فيرسل شخصين لقتله ولكن عمر ينجو من بطشهما، ويتنازل عن حقه في معاقبة نوفل، ويزيد قرباً من محبوبته، ويبوح بحبه لها ورغبته في الارتباط بها، ويتفقا على أن يبلغ كل منهما أسرته بهذه العلاقة.

المشهد الأخير للرواية يظهر فيه البطل متوجهاً إلى المطار للسفر إلى ليبيا ويسرد أحداثاً في طرابلس تصيب القارئ ببعض الشكوك، ليتضح الموقف بأن أمه توقظه من نومه، ونفهم أن مشهد السفر الأخير كان مجرد حلم، ويخبرها عن نيته في خطبة ألفة.

> الشخصيات:

نستطيع تصنيف شخصيات الرواية إلى ثلاث شخصيات رئيسية هي “عُمر” وهو البطل الرئيسي والرواية بصوته بضمير المتكلم.  والشخصية الثانية هي “ألفة” حبيبة عُمر. أما الشخصية الثالثة فهي “نوفل” خطيب “ألفة”. وبالإضافة إلى ذلك هناك شخصيات جانبية أخرى تمر هنا وهناك، ولكن ليس لها أي تأثير في مجريات القصة سوى أنها تكملة للإطار العام. والمعلومات حول هذه الشخصية لم تتوفر بشكل كبير فالكاتب لم يصف لنا البطل عمر ولم نعرف عمره، ولكننا نخمن أنه بين الثلاثين والأربعين، ربما أكبر او أقل، حيث أنه يحضر رسالة الماجستير يعنى بالضرورة أنه تجاوز الخامسة والعشرين، ولم نعرف شئياً عن ملامحه أو طوله، ولكننا نتعرف على الكثير من صفاته من خلال الصديقة “سُنية” وكلها صفات معنوية.

 وعندما قدم الكاتب لنا حبيبة عُمر ألفة تم وصفها في تسعة أسطر، حملت في مجملها وصفاً أقرب إلى الشعر، وهذا جميل غير إننا عرفنا فقط أنها فتاة حسناء وترك لنا الكاتب تقدير عمرها، وهذا الوصف المسهب لم يعبر عن أهم شي في الإنسان، ألا وهو الوجه، فلم نعرف شيئا عن عينيها أو فمها وهل وجهها مكتنز مدور أم طويل ونحيل، وإن عبر عن طولها ونحولها وبياضها إلا أن الصورة ظلت ضبابية بعض الشيء. وحين وصل الكاتب ليصف لنا صديقتها اكتفى بذكر ملابسها وبأنها في نفس عمر ألفة التي لم نعرف عمرها أصلاً.

> الحبكة:

الرواية رومانسية حالمة بسيطة اللغة تصل إلى أي قارئ دون غموض أو مواربة، والتسلسل الزمنى واقعي جداً، وأحداث الرواية أيضاً كانت واقعية لدرجة كبيرة، والحبكة الدرامية بسيطة هادئة نوعاً ما. ليس هناك نوع من الفكرة أو الصراع يربط الأحداث، الرواية كانت إخبارية جداً فهي مجرد تسلسل لأحداث غاب عنها عنصر التشويق. وتخللت الرواية بعض القصص الجانبية مثل قصة الصبي لبيب، فهذه القصة لم تخدم فكرة الرواية اللهم إلا تمجيد لمرؤة البطل عمر وكرمه.

أجادت الرواية كثيراً توثيق الحياة العامة في هذه الفترة الزمنية، وأيضاً توثيق لثقافة وعادات بلدين متجاورين هما ليبيا وتونس، أيضاً توثيق للمعالم المكانية في كلا البلدين، وأيضاً للمأكولات ومسمياتها، وأيضاً توثيق حتى للأغاني وأعلام الحركة الثقافية في البلدين.

عمد الكاتب إلى الحلول القريبة السهلة لكل العقبات التي تواجه البطل في معظم الأحداث والمواقف، ونسوق هنا بعض الامثلة التي أضعفت النص الروائي بدرجة كبيرة:

– لا يجد عمه مبلغ الفدية، فيجمعه الأقارب والأصحاب، ولكنه غير كامل.

– يقرر العم بيع جزء من مزرعته ليوفر باقي مبلغ الفدية، فيأتي جاره ويتبرع بالمبلغ كاملاً.

– لا يستطيعون المرور في ازدحام البوابة فيتم استدعاء صديق.

المثالية في الرواية كانت حاضرة بقوة، فكل الأحداث والمواقف والشخصيات في غاية المثالية وهذا يجافي ما يحدث في الحياة الحقيقية. فلقد جعل من عائلة البطل وعائلة المحبوبة كأفضل ما يمكن أن يكونا، فعندما يُعرِّف البطل عُمر بنفسه وعائلته لحبيبته ألفة يقول بالمختصر: والده سفير سابق بالصين، أخوه سليمان دبلوماسي أيضاً بسفارة الصين، وأخوه أحمد مهندس، ورمضان محامي، وأخته صحفية والأخت الثانية أديبة وشاعرة ومتحصلة على جائزة سبيتيموس.

أيضاً عندما تعرِّف أُلفة بعائلتها أبوها رجل أعمال وأخواها أحدهما أستاذ جامعي والآخر محامي وأختها طبية ومقيمان في فيلا بالمنزه الخامس، وهو من أرقى أحياء تونس العاصمة. أيضاً في المحكمة يتنازل عمر عن حقه في معاقبة نوفل الذي حاول اغتياله، بالرغم من أنه كاد أن يتعرض للموت.

كما أجادت الرواية بدرجة كبيرة توثيق صور الحياة العامة في هذه الفترة الزمنية، وأيضاً توثيق ثقافة وعادات بلدين متجاورين هما ليبيا وتونس، وتضمنت نوعاً من التوثيق الجيد للأماكن في تونس وطرابلس، وحتى في الصين، وشمل التوثيق بعض أنواع المأكولات، وحتى للأغاني وأعلام الحركة الثقافية في البلدين.

كما أن الكاتب في توثيقه ذكر أشياء لا تفيد النص وجاءت وكأنها نوع من الحشو، على سبيل المثال:

“بعد قليل رجعت هي والفتاة العاملة عندهم بسفرتين، الأولى مليئة بالحلويات التونسية اللذيذة (كعك الورقة، وكعك العنبر، والصمصة، والبجاوية، وحلو اللوز)، بدت لي من حلويات الجوهرة “.

“وفي المساء ذهبنا إلى مجمع سليم سنتر، وجلسنا في مقهى الفيراندا، وتناولنا الشاي الأخضر باللوز، وبعض الحلويات، ومع الغروب تناولنا البيتزا والعصائر الباردة، ثم عدنا إلى مرسى القنطاوي”.

“مبارك، والعاقبة للدكتوراه.. لكن لماذا اخترت الدراسة في الصين، وتركت الجامعات الأمريكية، والإنجليزية، والألمانية، والكندية، والفرنسية، وجهة معظم الطلاب العرب؟”.

أدخل الكاتب مجموعة من النصوص الشعرية في متن الرواية، وهذه تجربة مختلفة يمكن الاستفادة منها. لولا أن النصوص كانت كثيرة وطويلة، حيث ورد في الرواية أكثر من ستة قصائد وهذا أشعرنا بنوع من الملل.

> الحوار:

الحوار خدم النص ولكن في بعض الأحيان لم يكن منطقياً، حيث بدا خطابياً نوعاً ما، على سبيل المثال: “زادت سُنية الطين بلة بردها على ألفة:” يبدو أنكِ وقعتِ في إعجابه كذلك يا صديقتي! هل عشقك عمر من أول نظرة، وعشقته من أول كلمة؟ كما قال أديب إسحاق: “الرجل يعشق بعينيهه والمرأة بأذنيها” ولو صدق حدسي فإنني لا ألومكما، فالسيد عُمر يبدو رجلاً دمث الخليقة، سمح السجية، شريف الاخلاق، محمود الشيم، حميد السجايا، وصديقتي ألفة جوهرة ثمينة، ودُرّة نادرة “. فهذا الحوار لا يبدو منطقياً لشباب القرن الواحد والعشرين، يلتقون للمرة الأولى صدفة في مطار.

كما أن الحوار في بعض الأحيان اتخذ صفة نثرية، هي أبعد ما تكون عن الحوار الطبيعي بين شابين مثل: “تونس بلدكم أيضاً.. مع ذلك أتمنى أن يجمع الله شتاتكم، وينظم شملكم، ويشعب صدعكم، ويوصل نظامكم، وأدعو الله العلي القدير، أن تنطفي نار الحرب في ليبيا وأن تخمد لظاها، فالحروب لا تخلف إلا ندماً، ولا تورّث إلا حسرة، ولا تتمر إلا مكروهاً، تسيل فيها الدماء كالأنهار، وينتشر فيها الفقر، ويعم الفساد والدمار“.

> الزمان

اهتم الكاتب بالزمن العام وأهمل الزمن الخاص، ولم يكن هذا الإغفال مُهماً في بعض المشاهد، ولكنه كان مهماً جداً في أحيان أخرى، لأنه يلعب دوراً رئيسياً في تصوير المشهد، فمثلاً في الفصل الثالث الباب الثاني يصف البطل الرئيسي أو عُمر بأنه كان خارجاً من فندق لزيارة صديقه وفي أثناء مروره بشارع خالٍ في محاولته للوصول إلى سيارته تعرض له مجرم بالطعن.. لم نعرف في أي وقت من أوقات اليوم حدث هذا، فهناك نقص في تصوير المشهد، فهل من المحتمل أن يكون وقت المغيب أو في وقت متأخر من الليل ولن يكون مهماً التوقيت لولا أن هناك فتاة من شرفة منزلها رأت الحادثة وهرعت إليه وهذا يثير التساؤل، لو الوقت متأخراً هل تتجرأ الفتاة لتنزل؟ ألم تخف أن يكون هناك مجرمون أخرين يترصدون الجريح؟ وإذا كان الوقت مازال مبكراً قليلاً أي أول الليل أليس من المنطقي أن تصرخ أو أن تصطحب معها أحداً لمساعدة الجريح؟

> المصطلحات

مصطلحات لغة الكتابة غير موحدة فهو حين كان يتحدث عن أحداث وقعت في تونس، يستعمل كلمات شاع استعمالها في تونس وإن كانت من اللغة العربية، مثلاً: نراه أحيانا يستعمل كلمة (نهج) لو كان المكان في تونس، ويستعمل كلمة (شارع) لو كان المكان في ليبيا. أيضا استعمال كلمة (أعوان الأمن) بدت غريبة بعض الشيء. وكذلك استعمل الكاتب تعبيرين مختلفين لنفس المعنى، ففي الصفحة 99 جاءت الجملة: “حيث كنت أركنها في موقف السيارات”، وفي الصفحة 114 جاءت الجملة “في مأوى قريب من الخطوط الجوية الليبية”. وفي بداية الرواية جاءت كلمة مأوى تسميةً للمكان الذي تم فيه الحجر الصحي، وكل هذا يربك القارئ إذا لم تكن جنسيته ليبية أو تونسية.

رواية (ربيع الكورونا) هي باكورة إصدار الدكتور أحمد الرشراش وقد جاءت في زمن الكورونا ونحن نتطلع لقراءة روايات أخرى للدكتور أحمد الرشراش طالما هذه البداية فقط.

مقالات ذات علاقة

الشعر وعلامة النفط

نورالدين خليفة النمر

الشلطامي شاعر القضـية

المشرف العام

قضايا الإنسان في الشعر الليبي المعاصر

المشرف العام

اترك تعليق