المقالة

الرسالة الخامسة

رافد علي

من أعمال التشكيلي القدافي الفاخري
من أعمال التشكيلي القدافي الفاخري

الرسالة الأولى فى عالمنا الإسلامى كانت الرسالة المحمدية التي خلقت من العرب شيئاً في تاريخ منطقتنا وامتدادها الجغرافي. الرسالة الثانية كانت كتاباً للمرحوم محمود محمد طه نُشرت طبعته الأولى فى ستينيات القرن الماضي*، نادي فيه صاحبهُ بضرورة التمسك بالقرآن المكي بدلاً من القرآن المدني، لأن المكي يتضمن روح السلم والتسامح قبل التحولات الجذرية التي طرأت على نهج الرسالة الإسلامية في المدينة المنورة بخصوص مفاهيم الجهاد والمواجهة والقتال. الطرح الفكري لمحمود محمد طه في الرسالة الثانية من الإسلام اعتبره سيد القمني بديلاً لاقتراحه في جعل الدين على هامش المجتمعات العربية لأجل دخول عصر الحداثة، وكسبيل للنهوض في سبيل معالجة إشكاليات العنف في التراث الإسلامي مما أوجد داعش، كما بيّن ذلك في محاضرة كيف يفكر الوحش**.

رسالة الغفران لابن المعري واحدة من الرسائل المدهشة في أدب الشيخ العلامة، فهي من أبرز أعماله الأدبية النقدية، وقد كتبها رداً على رسالة ابن القارح إليه “351 هجري-421 هجري”. من ميزات رسالة الغفران أنها كتبت بطريقة تناولت رحلة تخيلية للجنة، ثم يأتي تناوله للحشر، بما جعلها تناولاً معكوساً قصد منه المعري إمتاع القاريء. أما الجزء الثاني من رسالة الغفران فكانت ردود ابي المعري واضحة في مخاطبة ابن القارح بلا أي تضمينات. الدكتورة عائشة عبد الرحمن، المعروفة بـ “بنت الشاطيء” كانت قد نشرت نسخة محققة لرسالة الغفران، وأرفقتها برسالة ابن القارح لتسهيل فهم مقاصد رسالة الغفران وقصتها.

الرسالة الخامسة جاءت في الأيام القليلة الماضية علي لسان الإعلامي المصري عمرو أديب، بقوله “رسالة خمسة اهيه” داعياً فيها لغزو ليبيا على ضوء العملية العسكرية الروسية الخاصة فى أوكرانيا وتطورات الأحداث فيها. ففي نظره أن ليبيا تشكل أوكرانيا بالنسبة لمصر، وكأن ما يفعله الرئيس بوتن يشكل أفضل الحلول، وكأن الحروب والاجتياحات العسكرية ليست من وسائل فشل الساسة ومعضلة للدبلوماسية المعاصرة!!

فلمن ترسل رسالتك الخامسة سيادة الإعلامي؟! هل هي للشعب المصري المسالم والمضياف؟!. فإن كنت توجهها للقوات المسلحة المصرية، فالرئيس السيسي كان قد صرح علناً بأنه قد تربى على أن لا يأخذ شيئاً ليس له. وإن كانت رسالتك الخامسة للسيد حفتر، فقد حاول اجتياح طرابلس وفشل، ومنح بذلك لأردوغان فرصة عمره الذهبية بأن تنزل قواته منازل لم يحلم بها يوماً، وبأن زاد من انتشار تركيا بأفريقيا، كمنافس إقليمي لمصر في المنطقة العربية والقارة الأفريقية!

أعتقد أن الشعبوية في الإعلام العربي، قد أضحت شديدة التجليات، خصوصاً في منطقتنا المنكوبة بالخطابات الارتجالية المصحوبة بنشوات مختلفة، مما يجعلها من مآثر عصرنا الحالي في سلسلة عصور انحطاطنا الحضاري كشعوب في هذه المنطقة المأزومة اولاً بنخبتها. فوجود مؤسسات إعلامية عرقية، ولها تقاليدها فى الدول المتقدمة من شأنه أن يكون ضامناً للحد من آثار الشعبوية وانتشارها، بعكس الحال لدينا فى بلداننا، فالأمر قبل الربيع العربي كان “متروكاً لإبداعات وعبقرية الكاتب أو الإعلامي المخصوص بهامش أوسع، مما جعل الأشياء معقولة إلى حد معقول خطابياً”، لكننا اليوم نجدنا في مرحلة الاستقطاب السياسي الحاد، بسبب طبيعة اللحظة التاريخية بالمنطقة عموماً، وجدنا أنفسنا أمام انتشار خطاب شعبوي مخيف إعلامياً في كثير من الأحيان كما يرى العديد من المختصين في الإعلام بصفة عامة.

فليبيا يا سيدي العزيز التى تنادي باجتياحها يقف حفتر حائط صد أولي لوصول الإرهاب لمصر، ومات في حرب كرامته شباب في عمر الزهور كخط أمامي لمصر، قبل أن تنزل فاغنر الروسية هناك فتزيد من تعقيدات الحال الليبي، وتمتد في عمق أفريقيا لتزيد من حالة عدم استقرارها الذي يجر عليها بؤساً إضافياً. فما الداعي لان تجتاح مصر ليبيا في غفلة من العالم المنشغل بحرب بوتن الحالية؟! وفي وقت يستعد باشاغا لرئاسة حكومة بدعم عقيلة صالح وحفتر، وبمباركة مصرية يعرفها أي متتبع للشأن الليبي!. هل هو لتأديب وإزاحة الدبيبة القريب من تركيا، والذي تجاوز الأعراف الدبلوماسية حين تم تسريب تسجيل صوتي لمحادثاته مع الحكومة المصرية؟!. أم هو الطمع البسيط فى حقول برقة، والمعزز بشعبوية “نحن أولاً”؟!

حقيقة الأمر عندي أنني خاوي الوفاض من أية أجوبة، لكنني مأخوذ بالدهشة والشفقة على أحوالنا كشعوب جارة، ترزح تحت صخب نخب لازالت لم تبحث جدياً عن دورها الرصين فى منح الناس فرصة لتصل ليقين السلام والاستقرار وحسن الجوار بعيداً عن صخب أضواء نخبتها. فالشعبوية في الإعلام العربي أضحت فعلاً شيئاً ملحوظاً بفجاجته، وأداة تزيد من حساسيات شعوب المنطقة من بعضها البعض، ونحن نخوض مرحلة تاريخية لسنا فيها في أفضل حالتنا على كل المستويات لمواجهة صعوباتها وتحدياتها. فنحن كشعوب متدنية النمو الحضاري بحاجة ماسة أولاً لنخبة تنير الطريق، لا أن تزج بشعوبها في أنفاق إضافية عويص اجتيازها بكل المسميات.


هامش.

*محمود محمد طه. الرسالة الثانية من الإسلام. ط3. 1971. ام درمان. السودان.

**سيد القمني. كيف يفكر الوحش. محاضرة عامة. المؤتمر الأول لمنظمة ادهوك. بروكسل. بلجيكا.

مقالات ذات علاقة

ما بعد صوت الربيع العربي: لا صوت يعلو على صوت الثقافة

أحمد الفيتوري

الرابح يبقى وحيداً

مهدي التمامي

شاعر الفرح (نصرالدين القاضي)

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق