تشكيل

التشكيلي الليبي الكيلاني عون… متعة طفولة الرسم

من أعمال التشكيلي الليبي الكيلاني عون

فضاء آخر فسيح ومختلف لشاعر اللون التشكيلي الليبي الكيلاني عون، بالإضافة إلى تجاربه في العديد من أجناس الكتابة الأدبية، وأهمها الشعر، تجربة فنية مختلفة ومتفردة في نبرة صوتها ومكانها، تتخذ من تنظير داخلي عميق للعارف بقريحة رسم الشعر وتدوينات اللون وخطوطه، في مقترحات جمالية خام كأنها رحلة نحو الروح، مجسات تستشعر الدفء الداخلي للإنسان بكل آلامه وأفراحه، تطلعاته وآماله، قصائد شعرية تتدفق عبر نصوصه البصرية الملونة تصدح بصوت عال، يلجأ إليها في أوقات تصبح الكلمات خطوطا وألوانا، والقصائد حقول قمح مرسومة على حافة الحلم، لوطن يئن تحت وطأة التغيرات الكبرى في المنطقة العربية، والرياح العاصفة التي عبثت بكل شيء، تعرجات وتقاطعات، ظلال ومساحات مضيئة وأخرى مظلمة.

هندسة الرسم الخام بطفولة الدهشة وإدراك الكبار لفهم تشكيلي معاصر جدا، بعيدا عن كل المحسنات التشكيلية المعروفة، وعدم الاختباء وراء التقنيات الأكاديمية الصارمة، فالرسم عنده كحالة المتبقي من الكلام البعيد عن القواعد اللغوية «النحو والصرف» وفلسفات التنظير، وقضايا التشكيل المعروفة والسائدة من معالجات الضوء والظل ومحاكاة الطبيعة والحياة، تلك الحالة التي دائما يرتع فيها الشعراء والدراويش، المتجهين والمنتبهين دائما وأبدا إلى أصوات الداخل العميق. وجوه في سائل أزرق كأنها تستغيث، فراشات، طيور، فتيات صغيرات في حالة طيران، سمكة وحيدة، ظل غيمة، زهرة في قنينة، دموع الكائن الأزرق، شجرة، سمكة تركض باتجاه الغابة، منازل، مساحات بيضاء، رائحة الغياب، رسم الفراغ في عملية يصفها صاحبها دائما بأنها حالة تفصح عن طفولتها، عن هذيان عصيٍّ وحزين.

من أعمال التشكيلي الليبي الكيلاني عون

النزعة الفطرية في الرسم برسومات مبللة برهافة الشعر وعالم الطفولة، مع جسارة في الطرح كأنها من كبار الرسامين في استحضار مشاهد تتداعى لها مشاعر المتلقي. بين أفعال جماعات الآوت سايدر، والفن الخام يتجول الفنان بكل حرية في رسومات ذات أفكار طازجة، دون الرجوع إلى منطق معين في مدارس التشكيل المتعارف عليها، هي بكل بساطة عملية تعبير للفن الأولي في مناطق بكر، حيث يركن الجمال الخالص بعفويته وبراءته كتلك المناطق التي رسم حدودها الفرنسي جان دوبوفيه (1901 ـ 1985) والتي كانت تستدعي مشاهدات الطفولة، الرسم ومراحله الأولى عبر تكوينات مرسومة بكل تلقائية، وفق اختيارات لا تخلو من غرائبية في أشكالها وألوانها المفعمة بالحياة، فهي دائما تفصح عن ذاتها وتشير إلى منجزها دون وسائط تعريفية في غمرة الكم الهائل من التجارب التشكيلية الليبية الأخرى فهي موجودة بتميزها وجديرة بوجودها.

في حالات أخرى تبدو أعماله كعملية قمع للوعي واستبداله بحالة اللاوعي، هذيانات شعرية مرسومة بالألوان، تداعيات سيريالية في مناطق مجهولة لم تطأها قدم إنسان، ولم تسردها قريحة شاعر في شذرات، بل هي الحالة الوسطى بين الصمت والنطق، نصوص بصرية تحيل إلى مشاعر دفينة ورغبات سرية للبشر، البدايات الأولى في التعبير عن الأفراح والأحزان، آمال وطموحات البشر.

من أعمال التشكيلي الليبي الكيلاني عون

يقول الكيلاني عون عن تجربته: «لم أتدرّج أكاديميّاً ولم أتذوّق الفطامَ الغربي، فقط سنحتْ لبعض جدران منزلي أن تأخذ دورها في تحمّل ثرثرتي اللونية، فتتدلّى الأسماكُ وبقايا ظلال الراحلين.. الرسم كان تعبيراً عن حجم الفراغ ذاته ـ فراغ النزهة بانتظار ما لا يحدث ـ وربما أيضاً لمحاولة التخلّص من وهم الكتابة والتعبير بشكلٍ مغاير، غالباً أرسم وأنا أتذكَّر شجرةً أو بيتاً أو شخصاً لم يعد بالإمكان رؤيته.. لا أُفكِّر في طريقة للتعبير، أترك الأمر يفصح عن طفولته، عن هذيان عصيٍّ وحزين».
الكيلاني عون، من مواليد 1959، درس الفن بشكل شخصي، يتنقل بكل خفة بين الشعر والرسم، يكتب الشعر والقصة والرواية والمسرح، إضافة لكونه تشكيليا. نشر نتاجه في الصحف والمجلات المحلية والعربية، والعالمية، إضافة لإقامته ومشاركته معارض فنية داخليا وخارجيا ومعارض فردية.

مقالات ذات علاقة

تجربة الفنان عبدالقادر بدر: قوارب متعانقة وبيوت متراصة

عدنان بشير معيتيق

قطعة فنية

ناصر سالم المقرحي

عاشق الألوان

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق