تجارب

علاقة ود قديم

حكايات وذكريات: سيرة قلم 7

سعيد العريبي (حكايات وذكريات – سيرة قلم)

 بيني وبين النمل علاقة ود قديم.. نشأت أواصرها منذ الصغر.. حينما قرأت لأول مرة في حياتي حكاية سيدنا سليمان مع النمل.. كنت يومها تلميذا بالمرحلة الابتدائية.. شدتني تلك الحكاية وملكت على تفكيري وشغلت بها كثيرا.. كنت أردد مقاطعها وأمعن النظر في معانيها أطراف الليل وآناء النهار.. وكنت أقف كثيـرا عند بيوت النمل متأملا ومفكـرا.. وأنا أتابع بناظري طوابيرها الطويلة.. متفحصا حركاتها وسكناتهـا.. متأملا وقفاتها المتتالية كلما قابلت نملة أختها.. وكنت أحاول جاهـدا معرفة سر تلك الوقفات.. وكنه تلك الإشارات والكلمات.. التي تهمس بها.. مستلهما كل ذلك من وحي تلك المعاني العظيمة.. وباللغة نفسها التي أخبرنا عنها ربنا سبحانه وتعالى في قوله تعالى:

 (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (*) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).. النمل : 18 ــ 19.

تأثرت بهذه الآية كثيرا.. حتى أنني طفقت أبحث عن مساكن النمل.. واثقا من أن الله تعالى سينظر إلى بعين الرحمة ذاتها التي نظر بها إلى تلك النملة الصغيرة.. وهي تخاطب قومها محذرة.. مخافة أن يحطمهم سليمان وجنوده ” وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ”.

كنت صغيرا وساذجا.. أعبئ جيوبي بكسر الخبز وأحمله إلى بيوت النمل.. وأردد ببراءة الطفولة عند مداخله: أيها النمل أخرجوا من مساكنكم.. فقد جئتكم بزاد وفير.. كنت واثقا من أنها تسمع وترى.. نعم كنت واثقا من ذلك تمام الثقة.. وكنت أقول في ذات نفسي.. ألم تر تلك النملة الصغيرة سليمان وجنود من بعيد وقبل أن يصلوا إلى مساكنهم.. وقد سمع الله نفسه حديثها وقصه علينا، وعلى سيدنا سليمان الذي تبسم ضاحكا من قولها.

ووقفت كثيرا عند قولها : (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) واستغربت كثيرا.. كيف تأتي لتلك النملة أن تعرف أن هذا الجيش القادم هو جيش نبي الله سليمان.. وأن جيوش أنبياء الله لا تقتل عن عمد المستضعفين في الأرض.. ولو كانوا مخلوقات صغيرة بحجم النمل، الأصغر من عقل الأصابع.. (إلا وَهُمْ لَا يَشْعُرُون).

أدركت منذ الصغر أن الله تعالى لا تخفي عليه خافية، في الأرض ولا في السماء.. وأدركت أيضا أن نزعة رحمة ولو بإزاء نملة صغيرة سيعلمها الله ويكتبها عنده.. ومن هنا فقد كنت أبحث عن بيوت النمل.. لأجلس هناك أمارس أفضل هواياتي.. أوزع فتات الخبز على مساكن النمل بالتساوي.. وبين الفينة والأخرى أعترض طريق نملة ما وأضع أمامها قدرا من الفتات فتحمل نصيبها منه.. ثم ما تلبث أن تعود أدراجها رفقة صويحبات لها.. ويتكاثر الجمع بعد ذلك.. وتخرج الطوابير الطويلة لتحمل المزيد.. وأواصل بعد ذلك مسيري حامدا للـه شاكرا له.. وكنت أخفف الوطأ وأتحرى جيدا موضع قدمي.. مخافة أن أطأ بإحدى قدمي نملة عابرة تطلب رزقها.. وكثيرا ما كنت أتابع طوابير النمل المحملة بالزاد وهي تتجه به صوب بيوتها.. وأقدر المسافة التي تقطعها وأشفق عليها.. فأعمد إلى ذاك الزاد الذي تحاول نقله فأحمله إلى بيوتها.. لأخفف عنا مشقة الطريق وثقل الزاد.

وفي المساء كنت أستسلم لسلطان النوم.. ممنيا النفس أن أحلم بذات النملة التي حدثنا عنها ربنا سبحانه وتعالى.. كنت أغمض عيني مستبقا النوم.. آملا أن تزورني لتشكرني في المنـام.. لأبتسم ضاحكا من قولها تماما كسلميان عليه السلام.. لكن ذلك لم يحدث.. فلم تزرن نملة واحدة في المنام.. ولم أحجم رغم ذلك عن زياراتي المتكررة لبيوت النمل في يقظتي.

كبرت بعد ذلك وكبرت معي حكاية ذاك الود القديم.. فكنت أغضب ممن يسئ لها بلا رحمة وبلا جرم اقترفته.. وكيف لا وقد قرأت ذات يوم حكاية رجل نام جوار بيت من بيوت النمل فقرصته نملة واحدة.. فعمد إلى بيت النمل وأوقد النار فيه انتقاما.. فغضب الله من سوء عمله فأوحي إلى نبي ذاك الزمان.. بأن يقول لذلك الرجل – بما معناه – : ألا يكفك أن تقتل نملة واحـدة.

مصرع نملة:

وقرأت بعد ذلك عن النمل وعن عجائبه كثيرا.. مما أعجبني وانشرح صدري له.. وقرأت أيضا ما لم يعجبني وأنقبض صدري عند قراءته وحزنت لذلك أشد الحزن.. كقصة “مصرع نملة” التي كتبها الأستاذ الدكتور/ أحمد إبراهيم الفقيه يرحمه الله.. فقد حزنت لتلك النملة المسكينة الضعيفة.. التي خرجت تطلب من الله رزقها.. فأعترض أستاذنا الفاضل طريقها.. لتقلى المسكينة الموت على يديه بلا ذنب اقترفته.

ورغم أنني قد قرأت عن ذات القصة من قبل.. إلا أن اعترافه الصريح بذلك.. وترتيبه لأحداثها بالطريقة نفسها، لا يعفيه من جريرة عمله غير المبرر.

القصة في مجملها جريمة قتل متعمد.. ارتكبت بحق نملة صغيرة لا تكاد تبين.. والقاتل أديب ليبي كبير.. والذنب أنها خرجت تبحث عن رزقها في أرض الله الواسعة.. فألقى أستاذنا في طريقها شراكة وصيده.. من باب الدعابة وقتل الوقت ليس إلا.. اعتقدت المسكينة أن الذي ألقي الرزق في طريقها خالقها الرزاق الرحيم.. ففرحت بذلك الصيد الوفير.. الذي لم تستطع حمله لوحدها.. فذهبت فرحة مسرعة لتخبر عشيرتها والأقربين.

وعادت النملة رفقة مجموعة من النمل إلى ذات المكان.. غير أنها لم تجد الرزق.. طافت بأرجاء المكان ولكن بلا جدوى.. رجعت رفيقاتها وفضلت البقاء بحثا عنه.. جرت طويلا وفي كل اتجاه.. شرعت تبحث عنه بلا كلل ولا ملل.. إلى أن ألقى صاحبنا بالصيد في طريقها.. ففرحت به مجددا وذهبت تخبر رفيقتها.. كانت حريصة على إثبات صدقها وبراءتها.. وكان أديبنا الكبير حريصا على تكذيبها ، وقتلها والوقت معـا.

ومرة أخرى يراها صاحبنا تعود من جديد صحبة رفيقاتها.. فيسارع إلى التقاط الصيد من طريقها.. ويتكرر ذاك المشهد المؤلم المحزن لمرات ومرات.. إلى أن ينتهي بإصدار حكم الموت على تلك النملة المسكينة بتهمة الكذب.. فكان أن تجمعت الرفيقات عليها وضربت المسكينة حتى الموت.. وتأسف صاحبنا لذلك المشهد المروع.. الذي أوحي إليه بقصته المشار إليها “مصرع نملة “.

نعم .. مصرع نملة صغيرة جدا.. كتب الأديب تفاصيل مقتلها، ورسم الفنان صورتها “ميتة” ونشرتها – بكل أسف – صحف الأدب.. لا صحف الجريمة.

اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع.. ومن أدب لا رحمة فيه ولا شعور ولا إحساس : (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).

مقالات ذات علاقة

الهروب للثمانينات.. الطريق المخاطر نحو السندباد

زكريا العنقودي

منذ خمسين يناير وروعة ✈

عائشة الأصفر

أنا وميزران.. والسينما!

المشرف العام

اترك تعليق