طيوب عربية

مساحة شخصيّة (5)

الحرب والموسيقى (الصورة: من اختيار الكاتب فراس حج محمد | فلسطين)
الحرب والموسيقى (الصورة: من اختيار الكاتب فراس حج محمد | فلسطين)

الحرب والموسيقى:

في كل حرب أحنّ إلى الموسيقى، أحن إلى نوع محدد من الأناشيد الإسلامية التي كانت تعبئ وقتي أيام الصبا والشباب الأول، ما زلت أحب الجملة الدينية التي لا تعرف الانكسار. أناشيد الحرب عموما ليست رثائية، تتوخى رفع المعنويات، وتعمل على إفاضة نوع من الحماسة في الدم.

في هذه الحرب عدت إلى نشيد “لبيك إسلام البطولة”، نشيد حماسيّ، عنفواني، دينيّ، لا فصائليّ، هذا ما أبحث عنه بالضبط، نشيد بهذه المواصفات، قوة في الإيقاع، وشدة في الرجولة، وعزيمة قوية في المواجهة، واسترخاص الروح في سبيل القيم والمبادئ. هذا ما نحن بحاجة إليه، فإذا كنا نحتاج الموسيقى في السلم مرة، فإننا بحاجتها ألف مرة وقت الحرب.

ما أعجبني في هذه النسخة التي اهتديت إليها مصاحبة النشيد لمشاهد مؤثرة من المسلسل التركي “المؤسس عثمان أرطغرل” في أحد حروبه مع المسيحيين الأوروبيين. فئة قليلة العدد، قوية الشكيمة، مقبلة غير مدبرة، تلتحم مع الآخر من نقطة الصفر. مشهد يعيد إلى الأذهان معركة بدر، وكل معارك الإسلام الأول، إذ نادرا ما كان الجيش الإسلامي كبيرا جدا، يفوق الآخرين عددا وعدة، وفي تلك المرة التي ركن فيها المسلمون إلى كثرتهم، لقنتهم العناية الإلهية درسا قاسياً إذ أعجبتهم قوتهم.

أدقق في المشهد وأحدق فيه، أرى حقد الصليبيين وقد تجدد، وحماس الجندي المسلم قد تأجج، تنقلني المشهدية نحو غزة، المقاربة التاريخية هي هي، فهذه الثلة القليلة المدججة بالعزم والقوة والشجاعة والثبات وتلتحم مع الآخر من نقطة الصفر تعيد تلاوة الكون للآية الكريم “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”. هذا ملخص هذا النشيد الجبار الملتحم بالمشهد التاريخي العثماني ويحيل بالتوازي والمقابلة المتطابقة على ما يجري في غزة، ويعبّر عنه دائما وقت الحرب الرجل الملثم- أبو عبيدة- الناطق الرسمي للمقاومة.

“ثوّار” نشيد آخر لا بد من أن أستحضره في كل مواجهة، وله في وجداني وقع خاص، إذ يربط القضية الفلسطينية بالبعد الديني ربطا حتميا. هذا النشيد لا فصائلي أيضاً، لكنه ليس عاما كالنشيد السابق. ثمة نغمة عذبة شجية في هذا النشيد، خافتة الحماسة، لكنها تنطلق من الرسوخ نفسه المفعم بالإيمان والسير لتحقيق النصر المؤزر بعون الله، عندما يخاطب النشيد قائلا: “سيري يا مراكب فينا، حتى نحرر أراضينا، ونسحق الغدار”، وفي تأكيد للبعد الإسلامي للمقاومة يقول النشيد: “سيف ومصحف يا أحرار، لازم نصبر مهما صار، وبعون الرب الجبار بعد الليل نهار”. تأملوا الرمزية في المقطع السيف والمصحف، لا يحيلان على حركة محددة، وإن اتخذت السيف والمصحف شعارا، لكنه رمزية تدخل تحت دلالاتها كل ثورة انطلقت من مفهوم الجهاد المقدس المرتبط بالآيات المصحفية. عمر المختار رحمه الله كان سيفيا مصحفيا كذلك، وهو يدافع عن ليبيا في وجه الاستعمار الليبي، وكذلك فعل عز الدين القسام في ثلاثينيات القرن العشرين، وهو نفسه ما تفعله المقاومة في غزة اليوم، سيف ومصحف.

في هذا النشيد أيضاً ثمة إدراك، مبني على معرفة الواقع غير الغارق في الوهم، أن المعركة صعبة، وصعبة جدا، لذلك تراه يقول “لازم نصبر يا أحرار”، لأنه لا يصح لمجاهد انطلق من فكرة السيف والمصحف ألا يصبر، مهما كانت الخسائر في الأرواح، لأن مفهوم الجهاد المصحفيّ القرآني وعد المجاهدين الذين قتلوا في سبيل الله أنهم أحياء يرزقون عند ربهم. وعلى العموم فإن المجاهدين معبأين روحيا بهذا، وبما تقوله الأحاديث النبوية الشريفة، لذلك تجد عند المقاتل الإسلامي صلابة نادرة ومواجهة يعدها الآخرون تهورا، رأيناها رأي العين في غزة، ورأيناها في كل حرب يخوضها مسلم مسلح بالأيديولوجيا العقائدية، لذلك فإنه نادرا ما يهزم، حتى لو انهزم فإنه لا يحزن، كيف يحزن وهو يقرأ من ذات المصحف، آية بجوار آيات الجهاد وأجر الشهيد “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون”.

لم تستغنِ الأغنية عن البعد الديني، فتجدها موجودة برمزية واضحة في أغنية “وين الملايين” إذ تختم الأغنية بمقطع مهم جدا:

نحنا الحق ونحنا الثورةْ وهم اصحاب الفيل
  
جيل الحق وجيل الثورةْ طيور الأبابيل
  
لازم نرميهم بحجارة حجارة من سجيل
  
لا يركع، لا يصغي لأمره وكيده في تضليل
  

فقد بناه الشاعر الليبي علي الكيلاني على تناص يكاد يكون حرفيا مع سورة “الفيل” التي تحدثت عن واقعة أبرهة الأشرم وما حدث له قبل الإسلام. إن ما يعني الشاعر هنا أمران على الأقل، الأول الاستفادة من الحدث التاريخي وإمكانية تكرار أحداث التاريخ، بمعنى أنه يقرأ الحدث المعاصر بتجريد فكري مأخوذ من حادثة تاريخية. والآخر إنزال الصورة صورة طفل الحجارة كأنهم طيور الأبابيل التي هزمت أبرهة الأشرم، بمعنى أن اليقين يملأ قلب الشاعر وحسه بالنصر، لذلك فإن هذه الأغنية لا تقل عن النشيدين السابقين: “لبيك إسلام البطولة”، و”ثوار”. وبالتالي فالأغنية هذه تعد مثالا جيدا لشعر الحرب أيام الاحتدام والالتحام مع العدوّ، فهي كانت من أوائل الأعمال الفنية التي ولدت مع انتفاضة الحجارة، الانتفاضة الكبرى التي حدثت عام 1987، وحققت رواجا عاليا لما لها من رمزية عالية وتمثيلا للروح المقاتلة الفلسطينية والعربية، إذ إن البعد القومي فيها واضح من خلال الشاعر والملحن الليبيين، والفنانات الثلاث اللواتي أدين الأغنية بإتقان عالي المستوى، اللبنانية جوليا بطرس، والسورية أمل عرفة، والتونسية سوسن حمامي، كلّ هؤلاء غنوا لفلسطين، بوصفها القضية الجامعة لكل الأمة.

هذه هي الروح التي يظل يتمتع بها المقاتل المبدئيّ، وجدتها مثلا في أغنية الثورة الفلسطينية الحماسية بعد الخروج من بيروت (1982) وقد أداها بصوته الجهوري الممتلئ قوة الفنان حسين منذر رحمه الله، ويؤكد ذلك إشارة يديه، وشموخ قامته، عندما قال:

ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت غير الهمة الإذاعية
بالصوت كانوا معانا يا بيروت والصورة ذابت بالميّة
لما طلعنا ودَّعناك يا بيروت وسلاحنا شارة حريّة
لا راية بيضا رفعنا يا بيروت ولا طلعنا بهامة محنية
والدرب صعبة وطويلة يا بيروت عليها أكدنا النيّة

يلتقي النشيدان السابقان وأغنية “وين الملايين” مع هذه الأغنية بهذه الفكرة التي يتحلى بها الفلسطيني بكل جولاته، فالدرب صعبة وطويلة، ولم تنتهِ المعركة، وفعلا لم تنته معركة الفلسطيني مع الاحتلال لأنه عاقد النية والعزم على أن ينتصر ولو بعد مئة عام. لن يسلم ولن يستسلم، ولن يحني قامته، حتى لو انغلب على أمره، سيرفع شارة الحرية إعلانا أنه لم ينكسر وسيعود. حتما سيعود، وأثبتت الوقائع أنه قد عاد مرارا وتكرارا لن يملّ ولن يكلّ. يخبو تحت رماده حينا، ثم ما يلبث أن ينتفض ماردا هادرا قويا جبارا كاسحاً.

لقد أودع الفلسطيني روحه المعنوية هذه في أناشيده وأغانيه، والكل ينشدها، ويطرب لها ويعرفها جيدا لأنها تعبر عن روحه المعنوية، الروح المعنوية للكل الفلسطيني مهما كان دينه أو لونه الفصائلي، ووجوده وعيشه، فكلهم تجمعهم بوصلة فلسطين واحدة موحدة، وليس لنا غيرها، فما أبلغ ما قالت فيروز في أغنيتها الخالدة عن القدس، رمزية لفلسطين الكاملة:

عيوننا إليك ترحل كل يومْتدور في أروقة المعابدْ
تعانق الكنائس القديمةوتمسح الحزن عن المساجدْ

فليست الأغنية الفلسطينية العربية والنشيد الإسلامي مخازن روح الفلسطيني المعنوية وحسب، بل إن هذه الروائع الفنية الخالدة تعبر عن وعيه السياسي والفكري تجاه ما يحصل، لاحظوا: ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت غير الهمة الإذاعية. نعم إنها كانت بيروت واليوم غزة وما بينهما كانت بغداد، بالصوت كانوا معنا يا بيروت والصورة ذابت في المية. إي والله إنهم هم ممثلو النظام العربي الخانع الذي لا يتقن سوى البعبعة والجعجعة والبقبقة، واستقبال الوفود الأجنبية التي يؤكدون لها أنهم ضدنا، ويدعمون التخلص من “يوسف الفلسطيني”. إنهم لا خلاق لهم في الدنيا ولا في الآخرة. هذا الوعي السياسي الفكري موجود في الأغنية والنشيد على نحو فاضح، لكن الساسة يتجاهلونه فيقعون في شرك النفاق السياسي الذي سيظل مساهما فعالا في تأخير التحرير الكامل من البحر إلى النهر، آه لو أنهم كانوا على مستوى هذه الأعمال الفنية في تحديهم ورسم سياستهم، والله الذي لا إله غيره إننا لن ننكسر أبداً، أبداً، ولم تكُ فلسطين قد احتلها شذّاذ الآفاق، ليؤسسوا كيانهم الهشّ على تبعثرنا الذي أسسته هذه الأنظمة المنحلّة من انتمائها للأمة وقضاياها.

مقالات ذات علاقة

من مداخلات مؤتمر «قصيدة النثر المصرية»

المشرف العام

لا أنتظر يوم وغد

المشرف العام

وطن بلا أحلام

هاني بدر فرغلي (مصر)

اترك تعليق