المقالة

إلى كل هؤلاء

The Post War Dreams 2020 Adnan Meatek 32 x 41 cm

بداية من صناعة الرغيف الذي لا بديل عنه؛ نود في مستهل كتابنا هذا أن نعبر عن بالغ امتناننا للمهاجرين غير الشرعيين القادمين من وسط القارة السمراء بوصفهم عمالا عابرين أي (ترانزيت)؛ كما نظن، ريثما يتسنى لهم تأمين أجرة قوارب الموت، لكن معظمهم حسبا للظاهر من مشهد الواقع المزري لليوم الطرابلسي قد تم توطينه، كأمر دبّر بليل. أشير هنا بصورة خاصة الى من قادتهم الحيل الماكرة، وشبيهاتها الأشد مكرا ودهاء، للعمل بمخابز وأفران عاصمتنا المنتهكة. وهم بالطبيعة لا يحملون هويات واضحة، أو وثائق صحية وشهادات خبرة، سواء أكانت رسمية أو مزوّرة؛ الخلاصة أن رغيفنا الوطنيّ المبجل بفضل ارتفاع نسبة الجودة الفائقة، وتضافر الأزمات السعيدة، كالتضخم النبيل، والفوضى الخلاقة، واشتباكات الغنائم الدموية الشبيهة بألعاب البوبجي، وطيّبة الذكر (برومات البوتاسيوم)، أمسى (ولله الحمد) أكثر رداءة وبؤسا وقابلية للسرطنة؛ وقد نقص وزنه وتشوهت سحنته وفسد طعمه. ومع ذلك كله، نؤكد بامتنان كبير بأنه لا ضير.

وبالمثل نتقدم بجزيل شكرنا لأشقائنا العرب بائعي الخضروات المغشوشة بخمسة أضعاف اثمانها. ولا بأس، طالما يحدث في العادة بفعل الأزمات التي تمر بها الأمم؛ كالحروب والثورات والأوبئة والكوارث الطبيعية والبشرية أن تفقد النقود هيبتها، ما دام لا قيمة تذكر لأرواح البشر والضرع والزرع والطير. ولا مكان للأخلاق وأعرافها والقوانين ولوائحها. الجميع يلهث قلقا، عبر طرق مشروعة وغير مشروعة لتأمين النقود والطحين والمحروقات والدواء، وأنه لا شيء من ذلك الحفل الباذخ لانتصارات الوهم الكبير قد يسعدنا نحن “ملّة العدم”، الناطقين بلغة (الله غالب)؛ فقط أردنا هنا توجيه الثناء لكل من خدمونا بتفان وإخلاص كعمال النظافة البنغلاديش، والممرضات الفلبينيات، وبعثة الأمم المتحدة، ومحافل الخلايا الماسونية النائمة، وكافة التحالفات المريبة (المسكوت عنها) سواء أكانت مع الظلاميين أو انصار الديكتاتور الذين تغلغلوا في مفاصل الدولة وهياكلها وشعابها، وهيمنوا على مكاتب صناعة القرار. من دون أن يستثني السياق، التنويه بمكارم حملة السلاح الذين أسهموا في قتل العباد وخراب البلاد، من قوات مرتزقة (صديقة وشقيقة) سواء الذين هبطوا من السماء، أو شقوا البحار من أتراك عثمانيين أو سوريين، أو مرتزقة الفاغنر؛ أو من قطعوا الصحراء الكبرى، كفرق مارقة من جيراننا الطيبين جدا. فقط مرة أخرى نكرر لا ضير.

وبالمثل، لا يفوتنا هنا الإشادة بالدور الفاعل لكل الخونة بوفاء منقطع النظير: العملاء، من دهاقنة كذب وزيف ونفاق، ولصوص اعتمادات، وخبراء محتوى فوق العادة، دونما اغفال لشبهات أو خلطات مريبة لنوايا شديدة الخبث؛ غلافها الطيبة والأسوة الحسنة، كما عبرت وتعبر عنها بخفاء وعلانية جميع الفضائيات والمنصات والبوابات والجمعيات والوسائط الإعلامية والثقافية بعناوين ليبية، ممولة من دويلات عربية وجهات أجنبية توصف سيرتها بالنزاهة والبر والإحسان وعبادة الشيطان. كذلك لن نغفل ذكر المنجزات والفتوحات الرائدة لثوار ليبيا المناضلين ولا سيما سراق المال العام، وسماسرة العلاج بالخارج، وتجار الحروب اللطفاء الذين جلبوا لنا وبوفرة غير مسبوقة كافة اللوازم اللوجستية لآلة القتال والفوضى؛ من عدّة وعتاد؛ ناهيك عن الحملات المنظمة لغزوات الحشيش والكوكايين والهيرويين وشتى المسميات من أصناف الخمور وأقراص الهلوسة، والسجائر الستوك. واللحوم الفاسدة، وسيارات الرابش وهواتف الاستعمال الأوربي النظيف، وهلم جرا؛ حيث لا ضير يذكر.

نثمن أيضا المجهودات الثورية الجبارة لمهربي الدولار واليورو والذهب والبشر والوقود والنفط الخام وسيارات الدفع الرباعي، وتجار الخردة ومولدات الكهرباء، دونما سهو عن أجزاء المديح للخطط التنموية الجبّارة التي استهدفت ازدهارا غير مسبوق، تمثل في تطوير المشروعات العمرانية الكبرى أو العملاقة لمقابر الوطن الجماعية ومعتقلاته السرية، فضلا عن مخططات الخفاء التي تستهدف تطوير العملية التعليمية هديًا بسياسات طالبان، ناهيك عن تعطيل صناعة الابداع الأدبي والفني، والحياة الثقافية التي بدأت تتلاشى وتندثر من يوم لآخر، وذلك وصولا لتكريس دولة المليشيات العظمى.

وبمناسبة حلول الشهر الكريم، نتوجه بأجمل التبريكات لكل أجسام وهياكل الدولة الليبية بعد ثورة فبراير المجيدة؛ من المجلس الانتقالي ومكتبه التنفيذي الى فخامة البرلمان الأعظم، مرورا بكل الحكومات المؤقتة والانتقالية والموازية والعميقة بكافة أطقمها وقادتها وسماسرتها ومستشاريها وخبرائها ومرجعياتها القبلية والمناطقية والأيديولوجية والمكيافلية والظلامية في الداخل والخارج، والى كل فرقنا الدبلوماسية بسفارتنا المؤقرة، بكافة قارات الكون المعلومة والمجهولة، شاكرين همّة ملحقياتها ومستشاريها وسكرتيراتها وخدمها ومراقبيها الماليين.

وعلى الرغم من كل ما حدث ويحدث لنا؛ نؤكد دون مواربة، بأنه لا ضير. ونقول بكل تسامح لصاحب الفرن الطيب، والتاجر الأمين، والسادن اليقظ، والراعي الخيّر، والمرتزق المخلص، واللص المؤتمن، والمراقب المرتشى، ولصديقنا الوفي، عراب ثورات الربيع: برنار هنري ليفي، وكل الذين بفضلهم نعيش أعظم مراحلنا التاريخية مجدا وفخرا وحضارة وتطورا وسؤددا، شكرا لكم جميعا، وكل عام وأنتم بخير واطمئنوا جدا أيها الشرفاء؛ فخبزنا طيب، وحياتنا كريمة وآمنة، وحريتنا مصانة، وأيامنا سعيدة ومبهجة ومرحة، وصحتنا أفضل من أي وقت مضى، وثورتنا لا نظير لها ولا غبار عليها، ولا هم يحزنون. يحيا العدل. 

مقالات ذات علاقة

الحـــوار

سالم العوكلي

نافذة على الأدب الياباني (كافكا على الشاطئ)

عمر عبدالدائم

محمد الزواوي .. المدرسة الليبية

منصور أبوشناف

اترك تعليق